العنوان الأحزاب السورية بين الانعزالية والجماهيرية
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1419
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
● ندعو إلى عقد مؤتمر وطني يضم كل الأطراف الوطنية لمناقشة سبل النهوض بالقطر السوري والحياة السياسية.
في مرحلة التحول التي يمر بها قطرنا السوري ترتفع أصوات المعارضة مخلصة بالدعوة إلى مؤتمر وطني يضم الأطراف السياسية الوطنية جميعًا، بما فيها أحزاب السلطة «المكتبية» في هذا الوقت المصيري يطلع صفوان قدسي «الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي» ليتحدث بضمير «الجمع»، وليرسم مستقبل سورية السياسي والجبهوي والحزبي، وحين تتفحص أقواله تقع على آفات سياسية تعجب من وجودها أولًا، ومن استمرارها في قطر عربي مثل سورية ثانيًا، ثم من جرأة صاحبها على المجاهرة بها على الرغم مما فيها من وهن عنكبوتي في ميدان السياسة والرأي ثالثًا.
أولًا: لم يتحدث الرجل عن تطوير الجبهة إلا بعد أن تحدث الرئيس الجديد عن ذلك في خطابه بعد القسم.
ثانيًا: يتكلم بضمير الجمع كأنه ممسك بقرار القطر كله.
ثالثًا: باختياره يرضى الرجل لحزبه أن يكون له منبر "ركن"، وحسب، في صحيفة واحدة تضم منابر أحزاب الجبهة كلها؟!
رابعًا: وحول عدم وجود مكاتب لأحزاب الجبهة في دمشق والمحافظات السورية على الرغم من أنها تشارك في الحكم أجاب: يبدو لي أن هذه المسألة تعود إلى الوضع المالي لأحزاب الجبهة التي لا يمكن أن تتحمل نفقات فتح مقرات لها، وكذلك بالنسبة إلى إصدار صحيفة خاصة لكل حزب من أحزاب الجبهة «انظر كلامه في القدس العربي بتاريخ: ۲۸ /٧ / ٢٠٠٠.
خامسًا: يزعم «أنه لا توجد على أرض الواقع تنظيمات فاعلة ومؤثرة خارج إطار الجبهة ...».
سادسًا: يرى. «نرى أن هناك أخطارًا كبيرة في أن تقام في سورية أحزاب على أسس دينية... إلخ».
قبل الخوض في مناقشة هذه الطروح السياسية من رئيس حزب سوري... أحبذ أن أمهد للمناقشة بطرفتين سياسيتين معبرتين فالطرفة أحيانًا تحل مشكلات لا يحلها المنطق البارد ولا الحجج الدامغة، لاسيما إذا كانت حقيقية أو ثمرة تفاعلات سياسية حقيقية. وهنا أستعير منهجًا مشابهًا لمنهج عباس محمود العقاد في توثيقه بعض الأخبار التاريخية من حزمة أخبار متناقضة، كما فعل في كتابه «اللغة الشاعرة»، حينما كشف عن حقيقة المرض أو السبب الذي أودى بحياة الشاعر العربي امرئ القيس.
إن المنهج الذي يستنبط المعلومات التاريخية من مصادر «غير مباشرة» أي ليست بمواد تاريخية أصلًا.. هو منهج معروف معترف به علميًا، ولعله أقوى دلالة ومصداقية.
الطرفة الأولى:
في عهد الانفصال وصل الدكتور بشير العظمة إلى منصب رئاسة الوزارة على إثر انقلاب عسكري «داخل عهد الانفصال»، بعد الإطاحة بالبرلمان السوري، وقد أطلق على الدكتور العظمة لقب الرئيس «الأحمر»، بسبب ميوله اليسارية الماركسية العَلمانية.. وعلى الرغم من كونه لا يملك من القرار شيئًا يذكر.. أصدر قانونًا لتنظيم الأحزاب في سورية، ينص- فيمَا ينص على منع تأسيس أحزاب على أساس ديني، وكان الأستاذ عصام العطار آنذاك رئيس جماعة الإخوان المسلمين يقود حملة سياسية شعبية لاستعادة البرلمان وضد حكومة بشير العظمة غير الدستورية، فألقي خطابًا شديد اللهجة في مسجد الجامعة الحافل بالنخب السورية، فاضطرب رئيس الحكومة، ودعا الأستاذ العطار إلى مقابلته عسى أن يهدئ ثورته المؤثرة سياسيًا، وقد تخيلت مجلة «المضحك المبكي» الأسبوعية الدمشقية- على طريقتها الساخرة- ذاك اللقاء التاريخي، وتحدثت عنه في زاوية تحت عنوان «بسمار»، جاء فيها ما يلي:
قال الدكتور العظمة للأستاذ العطار يا أستاذ عصام، نحن لا نقصد بهذا القانون جماعة الإخوان المسلمين نحن نقصد الطوائف غير الإسلامية لئلا تشكل أحزابًا دينية. فمَا كان من الأستاذ عصام إلا أن قال على الفور: نحن نفضل ألف مرة أن نمد يدنا إلى حزب له دين من أن نمدها إلى حزب ليس…
الطرفة الثانية:
عام ١٩٩٠م ضمني مجلس سياسي بين أعضاء المكتب السياسي للتحالف الوطني لإنقاذ سوريا وعدد من قادة الأحزاب التونسية الشقيقة، ومن مداولات ذلك اللقاء وصل بنا الحديث إلى تطوير العمل السياسي الشعبي العربي في مواجهة الاستحقاقات الدولية والنظام الدَّوْليّ الاستقطابي، والمخطط الصهيوني التوسعي، وضعف التضامن العربي، وغير ذلك مثل غياب الديمقراطية. كان اقتراح وفدنا السوري هو الدعوة إلى تشكيل جبهة عربية إسلامية شعبية عريضة للتصدي لهذه الاستحقاقات الداخلية والخارجية، تبدأ هذه الجبهة من لقاء التيارين العربي والإسلامي في كل قطر على حدة ثم الانتقال أو الوصول إلى اللقاء على مستوى الوطن العربي كله.. لذلك اقترح وفدنا على مندوبي الأحزاب التونسية. وكان فيهم فصيل شيوعي- أن يتحالفوا مع حركة النهضة التونسية التي يقودها الأستاذ راشد الغنوشي فتشنج الإخوة التونسيون ورفضوا هذا الاقتراح بسيل من التهم الانغلاقية التعصبية ضد التيار الإسلامي التونسي، وكان رئيس وفدنا آنذاك الأستاذ محمد الجراح الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي، فقال للوفد التونسي:
هل أنتم ديمقراطيون؟
نعم.
فمَا رأيكم إذا أجمع الشعب التونسي أو غالبيته انتخابيًا على أن يكون الإسلام مصدر التشريع أو دين الدولة الإسلام؟ فهل ترفضون أم تقبلون ذلك من منطق ديمقراطي؟
هذا الكلام جاء على لسان الأستاذ الجراح أمين عام حزب قومي عربي سوري، وليس الرجل من الإخوان المسلمين.
ولعل سائلًا يسأل- وقد تشابهت صفة الجراح والقدسي الحزبية- من يمثل التيار الوحدوي «الناصري» السوري؟ فنقول: إن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الحقيقي هو الذي كان يضم في زعامته عبد الوهاب الجراح وجاسم علوان وجمال الأتاسي وعبد المجيد منجونة، ثم انقسم الحزب إلى جناحين كبيرين الأول في زعامته الجراح وعلوان، والثاني في زعامته الأتاسي ومنجونة، ثم إن جماعة منجونة انفصلت عن جناح الأتاسي وسمت نفسها «التنظيم الشعبي الناصري»، لما أعلن الأتاسي وقف معارضته طوال حياة حافظ أسد بسبب استحالة ذلك «حسب ما نسب إليه»، ودخل التنظيم سراديب المعتقلات مع فصائل المعارضة الأخرى. فمَا حجم الأجنحة الناصرية الوحدوية التي تتفيأ ظل الجبهة التقدمية الوطنية الرسمية، وهي: «حزب الاتحاد الاشتراكي: صفوان قدسي- حزب الوحدويين الاشتراكيين فائز إسماعيل– الحزب الوحدوي الاشتراكي أحمد الأسعد»، أي ثلاثة أحزاب دفعة واحدة
إن حجم هذه الأحزاب الحقيقي مشخص معلوم لدى أصحاب العَلاقة والأحزاب الوطنية كلها، لكن الخلافات السياسية تحول دون الإجماع، فإذا جاءت الحقيقة على لسان الطرف المعني نفسه، فإن جهيزة تقطع قول كل خطيب.
نحن في المعارضة السورية كنا نظن أن حزب البعث السوري القائد للدولة والمجتمع، هو الذي قد جار على الأحزاب المتحالفة معه، فإذا صفوان قدسي يبرئ ذمة الحزب الحاكم. وحسنًا فعل؛ إذ يعترف بحجم حزبه وحجم من معه، وهذه فضيلة قسرية- إن كانت هناك فضائل قسرية لكن العهود الجبرية القسرية صارت تأتينا بالأعاجيب.
إن حزبًا سوريًّا يرضى بركن أو منبر في- جريدة تضم كل منابر الجبهة التقدمية الوطنية- ما سبب هذا الرضا يا تُرَى- ولا يستطيع فتح مكاتب له بسبب مالي بحت هو ليس بحزب- حقيقي، وإن كانت الجريدة والمكاتب آخر المفردات – الحزبية في ظل الرعاية الرسمية، لأن غياب مثل هذه المفردات مؤشر بالغ الأهمية على إفلاس هذا الحزب سياسيًا، أي لا جماهير له تشتري هذه الجريدة فتمولها بشكل طبيعي، وتملأ ساحة المكاتب الحزبية فضلًا عن أن تنهض بالنشاط أو العمل الحزبي أو الوطني إن الجماهير- كما هو معلوم- هي التي تأتي بالمال وليس العكس.
لماذا يرضى القدسي بمنبر في جريدة وحسب؛ هل هو الخوف من مطلب أكبر يؤاخذه عليه الحزب الحاكم الذي يملك كل وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة والمال العام؟ هذا احتمال غير وارد حسب سياق الكلام أم هو العجز عن ملء المساحة بمواد، وهذا ما نرجحه لكي نؤكد أو نتأكد من صحة استنتاجنا، نطالب أو نرجو ديمقراطيًا من السيد صفوان أن ينشر على الملأ كل أسماء الأعضاء المنتسبين إلى حزبه القومي العربي الناصري الجبهوي في الركن الذي اعتبره سقفًا حزبيًا لمطالبه ترى هل هناك أعضاء غير زوجته هل يعلم السيد القدسي كيف تعمل الأحزاب الحقيقية المعارضة بلا مال ولا مكاتب؟
الطرفة الثالثة:
لم يعد خافيًا أن الحزب الحاكم. حزبًا جماهيريًّا. نفسه لم يعد منذ استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري لا بالعمل الديمقراطي السياسي، ثم أصبح الحزب نتيجة لذلك أسير اللجنة العسكرية الحزبية، كما آل الأمر بالحزب إلى أن تحول الى أداة تجسس وقمع بيد الآلة الأمنية العسكرية المهيمنة باعتراف الحزبيين أنفسهم وإدراك المطلعين والمحللين السياسيين وقد نشرت في ذلك كتب ومؤلفات كثيرة من آخرها مقال كتبه ماجد أحمد السامرائي بعنوان مستقبل الوظيفة الأمنية للمؤسسة البعثية في سورية« انظر جريدة الزمان: لندن بتاريخ ۲۸ /٦/٢٠٠٠م» فمَا بالك ببقية أحزاب الجبهة لاسيما الأجنحة المحسوبة على التيار الوحدوي الناصري، وقد أشرنا إلى أن الذين يمثلون الثقل الحقيقي لهذا التيار هما جناحًا أو حزبًا الجراح والأتاسي وكذلك جناح التنظيم الشعبي الناصري- منجونة.
هنا تحضرني طرفة ثالثة معبرة عما نحن بصدده من إفلاس الدكاكين السياسية المدجنة ففي يوم الجمعة الموافق ۲۸ / ۷ / ۲۰۰۰ م كانت. إذاعة لندن تبث. برنامَج «العالم في أسبوع». وكان في البرنامَج حوار على الهواء يستضيف عددًا من رجال المعارضة السورية: «علي صدر الدين البيانوني المراقب العام للإخوان المسلمين. سلطان أبا زيد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري - فاروق سبع الليل: التجمع الوطني الديمقراطي- زهير دياب ضابط أمن سابق مقرب من الحزب الحاكم»، «يضاف إليهم علاء صبحي منظمة العفو الدولية.. أمنستي...». كان الحوار بمناسبة الإعلان عن إفراجات محدودة لبعض معتقلي الرأي في سورية، وكان أن سأل مدير الحوار أطراف المعارضة ماذا يوسع المعارضة أن تقدمه للرئيس بشار مقابل إحداث انفراج عام في سياسات القطر ترهص به هذه الإفراجات؟ فكان جوابهم إن المعارضة السورية مقيدة محظور نشاطها، فكيف يمكن أن تقدم شيئًا وأضاف البيانوني: إن المعارضة سبق لها أن قدمت آلاف الضحايا وأنواعًا من التضحيات انتهى ولو كنت أحد المتحاورين لأجبت بما يلي: نحن ممثلي المعارضة ندعو إلى مؤتمر وطني يضم الأطراف الوطنية جميعًا. بما فيها أحزاب السلطة، أي حزب صفوان قدسي الذي لا يضم غير نفسه وهذه تضحية أخرى من تضحيات المعارضة- للمصلحة العامة أن ترضى بقبول مثل حزب القدسي الذي لا يستطيع بجماهيره أن يملك جريدة أو مكتبًا. نقول ذلك من منطق الديمقراطية التي ندعو إليها حلًّا للإشكال السوري المصيري.
نحن نرفض أي مصادرة لأي فريق أو طرف وطني، مهما كان، وإن الشعب والخيار الشعبي هما الحكم الفصل في هذه المسائل، لا الدبابات ولا الأحكام العرفية وقانون أحوال الطوارئ، ولا التقوى بقبضات الآخرين الشرعية.
وأود أن ألفت الانتباه إلى إن التيار الإسلامي السوري هو التيار الشعبي الوحيد الذي خاض غمار حرب فلسطين بكتيبة يقودها المراقب العام المرحوم الدكتور مصطفى السباعي عام ١٩٤٨م. وهو التيار الذي ناهض الحكومات الاستبدادية جميعًا «مثل الإسهام في إعادة الشأن للبرلمان السوري وإسقاط حكومة بشير العظمة ١٩٦٢م...» وهو مع الداعين المخلصين إلى عقد مؤتمر وطني جامع للنهوض بالقطر السوري والحياة السياسية المغيبة بأحزاب مكتبية هي أدرى بحالها منا ومن كل المراقبين والمحللين.
إن دعوتنا السلمية إلى مؤتمر وطني- على تجردها- هي امتحان على كل صعيد للنوايا وللإخلاص ولرغبة الشعب، ومن يرغب بالفوز في هذا الامتحان فليصحح موقفه من هذا الشعب المثابر، لا أن يتعيش على خنقه ومصادرة حرياته وقراره إن الحزب ذا البعد الجماهيري لا يخاف من الجماهير، ولا من الانتخابات ولا من الأفكار والآراء، ولو كانت مخالفة لرأيه، لأن الحكم الفصل هو الشعب.
[1] - كاتب سوري- لندن.