العنوان الأحداث تكشف الشعارات المطروحة والدعاوى الزائفة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
يرفع الفاتيكان- مقر النصرانية الكاثوليكية- منذ سنوات شعار التسامح تجاه المعتقدات الأخرى، كما تردد كنائس أخرى الشعار نفسه، الذي انتقل إلى عدد من الكتاب والمفكرين، وحاولوا أن يعطوا المصطلح قيمة إيجابية في أذهان الناس، وأخذوا يروجون لفكرة مؤاداها أن النصرانية دين التسامح تجاه الأخرين بينما لا يعرف الإسلام- كما يقولون- مبدأ التسامح.. حيث لم ترد هذه الكلمة في القرآن ولا السنة المطهرة، ولم يشتملها المعجم الفكري يالإسلامي.
وبداية نشير إلى مدلول هذا المصطلح في كتابات الغربيين ومنهم مفكرون كبار في الحضارة الغربية من أمثال جون لوك، وفولتير، وستيوارت ميل الذين ارتأوا أن التسامح ينبغي أن يكون محدودًا ولا يمتد أبدًا ليشمل أهل الديانات الأخرى غير النصرانية، وفي الحدود القصوى للمصطلح فإنه تعبير عن الموافقة على شيء على الرغم من الإعتقاد بأنه شر، وهكذا فإن مصطلح التسامح منذ بداية ظهوره يشير إلى حالة من الخداع اللفظي لا تعبر عن الحقيقة، وتخفي تعصبًا ورفضًا للآخرين، وبصفة خاصة للإسلام الدين الخاتم الذي ارتضاه الله تعالى للبشرية جمعاء.
وعلى محك الواقع والتجربة فقد أظهر الموقف الذي اتخذه الفاتيكان وعدد من الكنائس الأخرى مؤخرًا بشأن قضية بناء مسجد في مدينة الناصرة بفلسطين المحتلة حقيقة ذلك المصطلح وتلك الدعاوى.
والقصة باختصار أن هناك أرض وقف إسلامي في مدينة الناصرة تعود إلى العهد الأيوبي كانت قد بني عليها مسجد ومدرسة عرفت باسم وقف شهاب الدين، وقد أراد مسلمو الناصرة تجديد بناء المسجد على كامل مساحة الأرض، فيما رغب النصارى في استخدام الأرض لخدمة زوار كنيسة البشارة بمناسبة بدء الألفية الثالثة الميلادية، وحين تمسك المسلمون بحقهم المطلق في بناء المسجد ثارت ثائرة الكنائس، وهدد مقر البابوية بإلغاء الزيارة المزمعة لبابا الفاتيكان إلى فلسطين المحتلة، كما توعدت كنائس الناصرة بإغلاق أبوابها يومي الثاني والعشرين والثالث والعشرين من نوفمبر الجاري احتجاجًا على بناء المسجد على مقربة من الكنيسة.
وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية خضعت للضغوط التي مارسها الفاتيكان وبطاركة طوائف الأرمن واللاتين والأرثوذوكس والبروتستانت بشأن المسجد، وقررت تأجيل بنائه لما بعد إنتهاء إحتفالات الألفية، وإزالة الخيمة المقامة على الأرض لأداء الصلاة فيها مؤقتًا لحين بناء المسجد وعدم التصريح بالبناء فوق كامل مساحة الأرض على الرغم من ذلك كله فإن أصوات إحتجاج «المتسامحين المزعومين» لم تنقطع!
لقد جاءت الأزمة لتكشف حقيقة تلك الشعارات المرفوعة التي اغتر بها البعض، فإذا كان مبدأ التسامح الذي ينادون به يعني حفظ حقوق الآخرين فلماذا تعترض الكنائس على بناء مسجد على أرض وقف إسلامي يملكه المسلمون ملكية كاملة مستمرة عبر التاريخ؟ ولماذا يكره زعماء تلك الكنائس بناء مسجد تبعد أقرب نقطة فيه عن كنيسة البشارة بمائتي متر؟ هل يكرهون أن يروا مئذنة المسجد أم يرفضون سماع نداء الحق ينادي للصلاة؟
لقد جاء هذا الموقف في وقت كان البعض يطمح فيه أن تعتذر الكنيسة الكاثوليكية عن قيادتها ورعايتها وتشجيعها لحلملات الصليبية التي غزت بلاد المسلمين واحتلت بعض أرضهم، ودنست مقدساتهم، وقتلت منهم الألوف المؤلفة تحت راية الصليب، خاصة بعد أن سلكت الكنيسة الكاثوليكية طريق الاعتذار تجاه طوائف أخرى.
كما جاءت في وقت يكتوي فيه المسلمون بنار التعصب الصليبي البغيض مثلما حدث في البوسنة، وكوسوفا، ومثلما يحدث في الشيشان، وقد رأينا كيف ساند الغرب والكنيسة مطالب النصارى في تيمور الشرقية، فيما صمت آذانهم عن سماع استغاثات المسلمين في مخلتف بقاع الأرض.
وليس من شأن الموقف الكنسي الأخير بخصوص مسجد الناصرة إلا أن يزيد الصورة قتامة، ويعمق الشكوك حول المبادئ المطروحة والشعارات المرفوعة.
وفي المقابل نقول: إن الإسلام قد أعلى من قدر عدد من القيم الإنسانية ومنها قيمة العدل الذي هو أعلى وأهم من التسامح: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8)، فبالعدل يأخذ كل ذي حق حقه بصرف النظر عن دينه وجنسه ولونه، وبه يستقيم ميزان البشرية المختل الملئ بالمآسي.. وبالعدل يندحر قانون شريعة الغاب الذي يأكل فيه القوي حق الضعيف ويطغى عليه ويتجبر.
وإلى الذين ينساقون وراء تلك الشعارات الزائفة من بني جلدتنا نقول: إن من واجبكم أن تنتصروا لمبادئ دينكم ولا تخجلوا أن ترفعوها وتدعوا إليها، ففيها عز أمتكم وسيادتكم، بل فيها سعادة البشرية جمعاء.