; ليبيريا: فضيحة جديدة للنظام العالمي الجديد.. الأحداث الدامية في ليبيريا | مجلة المجتمع

العنوان ليبيريا: فضيحة جديدة للنظام العالمي الجديد.. الأحداث الدامية في ليبيريا

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996

مشاهدات 69

نشر في العدد 1199

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 14-مايو-1996

لم تكن مفاجأة ما آلت إليه الأوضاع المأساوية في ليبيريا، فقد ظلت هذه الدولة الواقعة في غرب إفريقيا تعيش مأساة حرب أهلية مدمرة منذ أكثر من ست سنوات والعالم من حولها ما أنفك يتفرج، بل ويتجاهل أنين الأبرياء العزل من الشعب الليبيري الذين يتساقطون يومًا بعد يوم ضحايا للفصائل المتناحرة حتى بلغ عدد هؤلاء الضحايا ٢٠٠ ألف قتيل منذ عام ۱۹۸۹م، حتى الآن فقد عاث أمراء الحرب فسادًا في هذا البلد الذي يشكل فيه المسلمون ٣٥% والدول الإسلامية لم تحرك ساكنًا، في حين اقتصرت دور المنظمات الدولية والإقليمية على إطلاق نداءات التوسل للفصائل المتقاتلة للكف عن عمليات القتل والسلب والنهب ولم يتوقف أحد عند أسباب تجدد احتدام القتال أو العمل بجدية للحيلولة دون استمراره، سواء عن طريق إيجاد ظروف ملائمة أو عن طريق استعمال القوة لوقف نزيف الدماء.

لقد تنكر المجتمع الدولي بكل منظماته الفاعلة والعاجزة، وبكل دوله المؤثرة عن مسئوليته تجاه ليبيريا التي وقعت ضحية للمراهقة السياسية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي يربطها تاريخ عريق مع ليبيريا، وهو تاريخ تمتد جذوره إلى ٦٥٠ عامًا، وذلك منذ عودة العبيد الإفريقيين المحررين من أمريكا ليؤسسوا دولة لهم في أرض ليبيريا في عام ١٨٤٧م برئاسة جوزيف چنکز روبرتس لتكون واحدة من أقدم الدول في إفريقيا المستقلة إلى جانب سيراليون المجاورة لها والتي استوطنها الأرقاء الأفارقة العائدون من بريطانيا ليقيموا دولة مستقلة لهم أيضًا في عام ١٧٨٧م.

لقد تم قبل بضع سنوات فعلًا توصل ثلاثة ميليشيات في ليبيريا إلى توقيع اتفاقية لتسوية خلافاتهم السياسية من أجل خلق الأجواء المناسبة لإجراء انتخابات في أكتوبر ١٩٩٥م، وقد تحقق توقيع تلك الاتفاقية بعد ستة أيام من المفاوضات المضنية بين هؤلاء الزعماء وهم تشالز تايلور، والجنرال هزيسكبا من قوات ليبيريا المسلحة والحاج كروما زعيم جبهة أوليمو، غير أن تلك الاتفاقية ظلت حبرًا على ورق، وكان مصيرها مثل مصير اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة في شهر أغسطس ١٩٩٥م حيث تم خرقها في 5 أبريل الماضي عندما تم اعتقال الجنرال روز فيلت جونسون الذي يرأس إحدى الفصائل الليبيرية وكان وزيرًا سابقًا للتنمية الريفية، وهكذا اندلعت شرارة الحرب الأهلية الدامية من جديد في ليبيريا بعد أن دارت رحاها طوال خمس سنوات متتالية وتتخللها اتفاقية وقف إطلاق النار المذكورة لتستمر الحرب من جديد حرب أكلت الأخضر واليابس ونصف سكان البلاد، وتمخض عنها بروز خمس فصائل رئيسية تختار كل فصيلة منها محاربيها من بين شباب القرى نصف الأميين، وقد تم استقطابهم بواسطة إثارة النعرات القبلية والإغداق عليهم بالمخدرات.

وقد سبق أن قامت دول غرب إفريقيا بإرسال قوة قوامها 8500 جندي ومعظمهم »من نيجيريا« للقيام بمهمة حفظ السلام في ليبيريا بقيادة الجنرال جون انينجر وهو من نيجيريا، غير أن هذه القوة كان لها موقف يدعو للدهشة والاستغراب، وأكد ذلك الموقف ما نقلته وكالة الأنباء النيجيرية الرسمية عن الجنرال فريد سيجوكا -الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع النيجيرية- حين صرح بأن القوة الإفريقية لحفظ السلام في ليبيريا لا تتدخل في المعارك التي اندلعت في مونوروفيا حفاظًا على حيادها وحرصًا على كسب ثقة جميع الليبيريين، وحتى لا تتهم بمساندة طرف على حساب طرف آخر إن من يمسك بزمام الأمور في ليبيريا حاليًا هو تشالز تايلور الذي تلقى تعليمه في أمريكا وهو الذي قاد ثورة ضد الرئيس الأسبق صمويل دو الذي سبق أن وصل إلى السلطة بالقوة ليكون أول رئيس منحدر من السكان الأصليين في ليبيريا حيث كان الحكم حكرًا على المنحدرين من الأرقاء العائدين من أمريكا فقط منذ قيام ليبيريا في عام ١٨٤٧م لتكون دولة وثيقة الصلة بالولايات المتحدة وقد اجتمع تشالز تايلور بالحاكم العسكري في نيجيريا الجنرال ساني أباشا في شهر أغسطس الماضي بعد أن كانت العلاقة بين تايلور من جانب ورئيس قوات حفظ السلام النيجيري في ليبيريا والجنرال ساني أباشا من جانب آخر، متوترة وقد أسفر ذلك اللقاء عن مصالحة الطرفين والتوصل أيضًا إلى هدنة في ليبيريا ومن ثم تم تشكيل مجلس للدولة ليمثل حكومة ائتلافية شارك فيها زعماء الفصائل الرئيسية في البلد، وقد تجلى تغير موقف القوات الإفريقية لحفظ السلام بعد هذا الاجتماع الذى تم في أبوجا، فلم تكتف بدور المتفرج فقط بل شاركت في توسيع رقعة الفوضى بانغماسها في عمليات السلب والنهب بحجة عدم استلام الجنود التابعين لها رواتبهم الشهرية بل لم تسلم من تلك العمليات مستودعات منظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة والتي تعرضت مرارًا للنهب المسلح.

وبعد توقف الحرب الأهلية التي اندلعت في ديسمبر ۱۹۸۹م بموجب اتفاق أبوجا تعهدت الأمم المتحدة بتقديم العون الإنساني الضروري لاستتباب الأمن والاستقرار في ليبيريا، لكن لا الأمم المتحدة أوفت بوعودها، ولا الفصائل المسلحة رضيت طوعا بنزع أسلحتها، ولا قوات السلام التابعة لدول غرب إفريقيا قامت بواجبها إزاء وقف تجدد الاشتباكات، بل ساهمت جميع

الأطراف المعنية في نشر الفوضى والنكوص عن تحمل مسئولياتها.

ويعزى اندلاع الحرب الأهلية من جديد إلى قيام مجلس الدولة بخلع روزفلت جونسون من منصبه الوزاري واعتقاله بتهمة القتل، ويومها تأجج نيران الصراع بين مختلف الفصائل وتحولت مونوروفيا إلى ساحة للتراشق بنيران المدافع ومسرحا للسلب والنهب بمباركة قوات

حفظ السلام، فلا غرو أن الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا تضرب بجذورها إلى تاريخ بداية إنشاء الدولة الليبيرية في عام ۱۸۲۲ م عند عودة الأرقاء العائدين إليها من أمريكا حيث ظلت طبقة الأمريكيين الليبيريين - AMERICO LIBERIAN تحتكر السلطة السياسية بالرغم من أنها لا تمثل إلا 5% من عدد السكان وحرمت السكان الأصليين من ممارسة حقوقهم السياسية والمدنية التي كفلها الدستور، وشكلت هذه الطبقة حزب المحافظين الحقيقيين الذي يمسك بزمام الحكم حتى عام ۱۹۸۰ م وذلك عند تولي الرئيس صمويل دو السلطة على إثر انقلاب عسكري دموي أطاح بالرئيس الأسبق وليم تولبرت ثم جاء بأفراد قبيلته كراهن KRAHN إلى أعلى مناصب الدولة وعندئذ بدأت تتبلور مسببات الأزمة التي أدت إلى تفجير الوضع لكي يصير إلى ما آلت إليه اليوم من تفاقم، وقد تعرض الرئيس صمویل دو لسبع محاولات انقلابية لم تنجح منها إلا المحاولة السابعة التي قادت الجبهة الوطنية بزعامة تشالز تايلور، ولكن هذه الجبهة لم تلبث أن انقسمت بدورها على نفسها إلى جناحين متناحرين عاثا فسادًا في البلاد في سبيل الوصول إلى سدة الحكم.

أين النظام العالمي الجديد من الأحداث في ليبيريا؟ وأين الشعارات البراقة التي رفعها عرابو هذا النظام المزعوم وعلى رأسهم أمريكا ودول المجموعة الأوروبية؟ وأين الأمم المتحدة من هذه المأساة الدامية؟ فالكل اكتفى بإصدار البيانات الاستنكارية والمناشدات الاستعطافية والفصائل الغوغائية تسفك دماء الأبرياء في منوروفيا والأدهى في الأمر هو أن الولايات المتحدة التي أسست هذه الدولة، تنكرت عن كافة مسئولياتها تجاهها خلال هذه المحنة، بل اكتفت بإرسال طائرات عسكرية لإجلاء رعاياها وبعض الأجانب من ليبيريا، وكذلك لم تحرك بريطانيا وفرنسا ساكنًا بحجة أن ليبيريا لم تكن ضمن مستعمراتها، بل إنها منطقة نفوذ بالنسبة لأمريكا وليست أحداث البوسنة ببعيدة عنا إن ما هو مطلوب من هذه الدول هو التكفير عن ذنوبها التي اقترفتها بحق الشعوب الإفريقية طول عقود من الزمان وكذلك فإن على البلدان الإسلامية أن تخرج من صمتها لتهب إلى نصرة المسلمين في ليبيريا.

ذلك أن القاعدة باتت معروفة وهي أن كل أزمة تنفجر في أي بقعة في العالم ويكون المسلمون طرفًا فيها فلابد أن يدفع المسلمون الثمن الأغلى لتلك الأزمات المفتعلة خاصة وأن الكل يعرف ما يضمره تشالز تايلور للمسلمين من كراهية شديدة بل كان يستهدف مصالحهم الاقتصادية، فضلًا عن أن الحركات التبشيرية أخذت تكثف نشاطاتها التنصيرية داخل ملاجئ المسلمين وذلك استجابة لدعوة مجلس الكنائس العالمي التي صدرت في مؤتمره الذي عقد في لندن في عام ١٩٩١م إلى تخصيص الجزء الأكبر من ميزانيته لصالح ليبيريا وذلك لدعم النشاط التنصيري فيها، إن ليبيريا تستصرخ العالم فهل من منقذ؟!

الرابط المختصر :