العنوان الأحداث الدامية في اليمن والمستقبل المجهول
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
كل ما حدث في اليمن في الأسبوع
الماضي كان متوقعًا منذ أسابيع طويلة؛ فعمليات الاستقطاب السياسي والقبلي
والمناطقي كانت تمهد الأرضية المناسبة لانفجار الصراع بين الأطراف المتنافسة،
إضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية ووقوف الدولة عاجزة أمامه وانشغالها بالصراعات
الثنائية حول الانتخابات النيابية في إبريل 1993م واستحقاقاتها!
والحق أن الأسباب التي دفعت الأمور
إلى حافة الانفجار أخطر من عمليات الشغب والتدمير التي طالت الممتلكات العامة
والخاصة؛ لأن التدمير قوبل باستنكار شعبي حقيقي، بينما الأسباب ما تزال قائمة تهدد
البلد وتدفعه نحو مرحلة مجهولة الملامح.
الطريق إلى أيام الشغب!
لا جدال في أن اليمن يعيش أزمة
اقتصادية حادة، لكن الأزمة السياسية والصراع على البقاء في السلطة دون سند شرعي هو
الذي أسهم بقوة في تأزيم الأوضاع، وسد أبواب الحلول التي يمكن أن يهتدي إليها
العقلاء؛ لأن إرادة الإصلاح تحتاج إلى سند شعبي حقيقي وجرأة في السير على طريق
التقويم، وقدوة في الفئات الحاكمة تعين الشعب على تحمل الآلام والصبر على قسوة
واقعه أملًا في نهاية سعيدة.
ولا مناص من الإقرار بأن كل هذا
مفقود.. مفقود!
ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى
انفجار أحداث الشغب بما يلي:
1- استفحال الأزمة الاقتصادية
وارتفاع الأسعار بشكل جنوني غير معهود، وعجز أجهزة الدولة عن صنع شيء ما لتدارك
الموقف.. في الوقت الذي بلغ فيه يأس الناس مداه في تحرك السلطة للقيام بواجباتها!
وتحول الهم اليومي للمواطن إلى متابعة أخبار الزيادات الهائلة اليومية للأسعار في
مقابل الزيادة المطردة لسعر الدولار!
2- تصاعد موجة الاضطرابات، حيث بدأت
كوسائل أخيرة لإجبار الحكومة على قبول زيادة محسوسة في المرتبات لمواجهة الغلاء
الفاحش! لكن هذه الاضطرابات اتخذت أسلوبًا يميل إلى دفع الأمور إلى أقرب نقطة
لإعلان العصيان المدني وشل الحياة العامة! وهو هدف لم يتحقق إلى حد كبير لكنه مهد
الطريق إلى إثارة المشاعر وإيصال الناس إلى درجة من السخط تجعلها مستعدة لأشياء
خطيرة فيما لو وجدت أياد تحرك الأحداث لأهداف أخرى!
3- شهدت اليمن ظاهرة غريبة تجسدت في
إقامة عدد من المؤتمرات القبلية والمناطقية التي تقتصر على قبائل معينة ومناطق
محددة، حيث تستخدم تلك الفعاليات لخدمة طرف حاكم ضد الطرف الحاكم الآخر!
لكن أخطر هذه المؤتمرات هو مؤتمر تعز
الذي تبناه -علانية- حلفاء الحزب الاشتراكي الحاكم، الذي اكتفى بدعمه إعلاميًّا
وماديًّا على اعتبار أن المدينة تمثل مركز اليمن الأسفل في مقابل اليمن الأعلى!
وقد فجّر انعقاد المؤتمر الصراع
الإعلامي بين الحزبين الحاكمين وحلفائهما، وردًّا على المؤتمر دعت أحزاب الإصلاح
والمؤتمر الشعبي العام والبعث العراقي (انسحب في الأخير) وعشرون حزبًا ونقابة
ومنظمة جماهيرية، سكان (تعز) إلى مسيرة شعبية ضخمة كان المقرر أن تتحرك في شوارع
المدينة يوم الخميس الماضي (10 ديسمبر)؛ وهي خطوة ذكية كان الهدف منها نزع ورقة
(تعز) من يد الحزب الاشتراكي التي يزايد بها باعتبارها ثاني أهم محافظة في البلد!
ويقول قياديون في (تعز) إن خروج
المسيرة (كان مقررًا أن يشترك فيها 40 - 50 ألف مواطن) سيعد ضربة مؤلمة للتيار
الاشتراكي الذي يلوح بتأييد المحافظة له!
4- أما أهم الأسباب التي تقف وراء
الأحداث العنيفة التي لم يعرف اليمن لها مثيلًا، فهي انهيار الصلح الأخير بين
الحزبين الحاكمين، وبروز الخلافات من جديد حول الانتخابات النيابية وطريقة الحزبين
في الاشتراك فيها!
ويقال إن اتفاق الحديدة بين الرئيس
(علي عبدالله صالح) ونائبه (علي سالم البيض) قد عجز عن الصمود، باستثناء تسليم
شؤون الإشراف الأمني على القصر الجمهوري إلى الحرس الخاص بالنائب وتمديد الفترة
الانتقالية!
كما أن لامعقولية بعض بنود الاتفاق
بين الرجلين قد أسهمت في سرعة سقوطه، ولاسيما الاتفاق على إدخال 10 آلاف مقاتل
موال للحزب الاشتراكي إلى العاصمة والتمركز في مواقع جبلية محيطة به، لمعادلة
القوات الموالية للرئيس والمتواجدة -أصلًا- في معسكرات العاصمة!
ويقال إن هناك إصرارًا على صدور قرار
جمهوري بتعيين مفعولها في 22 نوفمبر الماضي - بانتهاء اتفاقية الوحدة؛ ولأن
الدستور اليمني ليس فيه نص على منصب (نائب رئيس مجلس الرئاسة) وهو ما يعد خرقًا
للدستور أن تستمر معاملة الرجل باعتباره نائبًا للرئيس رغم أنه في الواقع عضو
-فقط- في مجلس الرئاسة!
ولأن الخلاف بين الحزبين الحاكمين هو
أصل الأزمة في البلد، فيمكن قراءة الأسباب (1-3) في ضوء هذا التنافس الخطير الذي
أعجز الدولة عن حل الأزمة الاقتصادية وشل يدها عن أي فعل حقيقي لإخراج البلد من
الدوامة التي تعيش فيها!
وعلى المنوال نفسه فإن موجة
الاضطرابات والمؤتمرات المناطقية والقبلية لا يمكن إخراجها من دائرة الصراع بين
الحزبين!
وفي ذروة الخلافات بين الحزبين
الحاكمين، أذاع التلفاز اليمني لقاء مسجلًا مع الرئيس (علي عبدالله صالح) في مساء
الأربعاء الدامي(!) شن فيه هجومًا غير مباشر على شريكه في الحكم وتجربته
الاشتراكية الفاشلة في الجنوب (سابقًا)! كما تعرض بالنقد لعملية (الشحن المناطقي)
الذي تتولاه قوى حزبية (لم يسمها) بقصد الإضرار بالوحدة والديمقراطية.
أيام الشغب!
ذكرنا -سابقًا- أن (تعز) كانت تتهيأ
يوم الخميس الماضي لتشهد مسيرة شعبية ضخمة ردًّا على مؤتمر تتهمه القوى المخططة
للمسيرة بأنه يسعى لزرع الفتنة بين أبناء اليمن لمصلحة حزبية ضيقة، عن طريق تصوير
المشاكل التي تعاني منها المحافظة (كغيرها من المحافظات) بأنها نتيجة عداء خاص
لأبنائها نتيجة ممارسات تاريخية ومذهبية!
وفي اليوم السابق للمسيرة (الأربعاء
9 ديسمبر) وقع عدد من الحوادث الفردية بين مواطنين وسائقي سيارات الأجرة بسبب
مضاعفة أجرة الركوب تمشيًا مع ارتفاع الأسعار الذي شمل كل شيء تقريبًا! وقد تطورت
المشاجرات بعد ذلك لتكون الشرارة التي فجرت أحداث شغب عنيفة، حيث انضمت مجاميع
جاءت من خارج المدينة خصيصًا -كما يقال- لإثارة الاضطرابات وتولي عملية التحطيم
والإحراق البشعة!
ويبدو أن إشاعات انتشرت حول سقوط عدد
من الطلاب قتلى نتيجة إطلاق رصاص قد زاد من اشتعال الموقف!
كانت البداية في أحد الأسواق الشعبية
حينما بدأ التصايح والتحريض للاتجاه إلى مقر المحافظة، وفي الطريق إلى الهدف هجم
متظاهرون على مجمع (المهيوب) التجاري وحطموا واجهاته الزجاجية واقتحموا المحلات
الموجودة فيه وحدثت عمليات نهب كبيرة، ثم اتجهت المظاهرة -بعد ذلك- إلى عدد من
المراكز التجارية والمخازن ومكاتب الوزارات حيث أصابها تدمير كبير ونهب للمحتويات
والأوراق الرسمية!
وفي مقر المحافظة حدثت أول مواجهة
بين المتظاهرين ورجال الأمن الذين أطلقوا الرصاص فسقط عدد من الجرحى، وكان ذلك هو
بداية انفلات الأمن فقد صدرت أوامر بعدم إطلاق الرصاص حتى وصول أوامر محددة من
صنعاء، بينما ازداد هياج المتظاهرين بعد أن تم تصوير سقوط الجرحى وكأنها عمليات
قتل متعمدة!
يقول
مطلعون من أبناء المدينة إن المدينة تحولت بعد ذلك إلى ساحة للحرائق وعمليات
التدمير لكل شيء، ابتداءً من سيارات المواطنين التي كانت واقفة في
الشوارع وانتهاءً بإحراق مقر البلدية ونهب كل محتوياته ووثائقه. كما
اقتحم المتظاهرون ساحة المرور وحطموا السيارات الموجودة، إضافةً إلى عدد
من أقسام الشرطة. وقد شمل الشغب عددًا من شركات القطاع الخاص ومخازن
التموين الخاصة والعامة والمجمع الحكومي والغرفة التجارية ومكتب الجوازات وشركة
النفط. وطوال انفلات الأمور في المدينة امتنعت أجهزة الأمن عن التدخل حتى وصل أمر
بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية. وفي فترة ما بعد العصر بدأت قوات
خاصة تنتشر في المدينة لإعادة الانضباط إلى المدينة التي تحولت إلى ساحة
معركة من طرف واحد. وفي التاسعة مساءً، تمكنت الأجهزة الأمنية من
السيطرة على الموقف فيما تم إلقاء القبض على 50 شخصًا، ووفق إحصاءات غير
رسمية بلغ عدد القتلى ثلاثة أشخاص وأكثر من أربعين جريحًا.
الخميس الدامي!
ما
إن حل العصر حتى كانت أخبار المظاهرات وأعمال الشغب قد انتقلت إلى بقية
المحافظات. واستمع المواطنون في المساء إلى بيان رسمي مقتضب حول
الأحداث، لكن الواضح أن المعالجة الإعلامية للأحداث لم تكن متناسبة مع حجم ما حدث
ولا المشاعر الشعبية الساخطة بسبب تدهور الأوضاع. وهكذا أصبح المواطنون يوم الخميس
وهم يتوجسون شرًّا ويترقبون مزيدًا من تدهور الأوضاع الأمنية، ولا
سيما أن قناة (عدن) التلفزيونية كانت قد بثت مساء الأربعاء حديثًا
مسجلًا للرئيس علي عبدالله صالح كشف بجلاء حقيقة الخلافات بين الحزبين
الحاكمين ومدى الفجوة بينهما.
وفي
توقيت متقارب مع أحداث الأربعاء، بدأت أحداث الشغب تشتعل في العاصمة صنعاء،
وانطلقت شرارة الأحداث من باب اليمن، حيث يتجمع عشرات من العاطلين والباحثين عن
عمل... وفي خلال ساعة كانت الفوضى قد وصلت إلى عدد من الشوارع الرئيسية؛ حيث قام
المتظاهرون باقتحام عدد من المراكز التجارية، كما دمروا اللافتات الضوئية على طول
الشوارع التي مروا بها.
والحق
أن مظاهرات صنعاء لم تكن بالعنف الذي شهدته مدينة (تعز)، وكان الأمر في العاصمة
يقتصر على أعداد ليست كبيرة تجوب الشوارع بطريقة هستيرية، بينما وقف الآلاف من
سكان العاصمة يتأملون الأحداث من على الأرصفة.
وفي
اليوم نفسه شهدت مدن تعز والحديدة ورداع انحسار حوادث شغب مماثلة، وأعلن بيان رسمي
عن سقوط ۱۲
قتيلًا وعدد من الجرحى، واعتقال أعداد كبيرة من المتظاهرين.
وعند
منتصف الظهيرة بدأت قوات مكافحة الشغب ورجال الجيش في النزول إلى مناطق الأحداث!
وكان ظهورها بداية هبوط مؤشر الأحداث التي اكتسبت أبعادًا خطيرة عندما حدث تبادل
لإطلاق الرصاص بين الجيش وبعض المجاميع المجهولة في تعز.
أحداث الجمعة
أهم
أحداث الجمعة شهدتها العاصمة صنعاء، فما كاد خطباء المساجد يعتلون المنابر حتى دوت
زخات الرصاص في بعض مناطق العاصمة. ويبدو أن مدبري الحوادث كانوا يتوقعون أن
اشتعال الموقف وقت صلاة الجمعة سيثير عشرات الآلاف من المصلين أثناء خروجهم من
المساجد!
وقد
تعاملت الأجهزة الأمنية بسرعة مع هذه التحركات، وأطلقت نيران أسلحتها بكثافة في
الهواء لتفريق المتظاهرين!
كما
شهدت منطقة (الدليل) على الطريق الرئيسي بين صنعاء وتعز حوادث شغب خفيفة؛ لكن
الوضع بشكل عام شابَه الهدوء الحذر، واستمر إغلاق معظم المحلات التجارية.
وانتشرت
قوات الجيش في عدد من الشوارع الرئيسية، وظلت الأطقم العسكرية تتجول في الطرق، قبل
أن تنسحب القوات مع حلول المساء!
محاولة للتصعيد!
السبت
الماضي وقعت محاولة للتحرش، عندما أدخلت عناصر من القيادات القبلية المتحالفة مع
الحزب الاشتراكي مجاميع من قبائل أرحب ودفعتها للتجمع بالقرب من سكن الشيخ عبدالله
بن حسين الأحمر وقد سارعت أجهزة الأمن لتفريق المتجمعين قبل حدوث مكروه.
على هامش أحداث الشغب
- اتهمت صحافة الحزب
الاشتراكي عناصر جهاز الأمن الوطني السابق (شمالي) بأنها كانت وراء حوادث
الشغب لإفساد التحركات الشعبية المطالبة بإصلاح الأوضاع!
- يسود رأي قوي بأن
الأحداث كانت تهدف إلى إجبار الدولة على إعلان حالة الطوارئ، وبالتالي توفير
المبرر لتأجيل الانتخابات النيابية!
- سارعت الأحزاب
اليمنية كلها لإدانة الأحداث، ومن المتوقع أن يتبادل طرفا السلطة الاتهامات حول
مسؤولية الأحداث!
- السائد في (تعز) أن
أحداث الأربعاء كانت تهدف أيضًا إلى منع المسيرة الشعبية التي كان مقررًا أن
تخرج يوم الخميس!
- حمل رجال الأعمال
اليمنيين الحكومة مسؤولية الإضرار التي لحقت بالممتلكات الخاصة بسبب تهاونها
في التصدي للأحداث بسرعة وبسبب الحملة الإعلامية التي أعادت سبب تدهور الحالة
المعيشية إلى التجار وحدهم!
- لاحظ المواطنون في
العاصمة أن دراجة نارية يركبها أجنبي كانت تتجول في الشوارع أثناء أحداث يومي
الخميس والجمعة!
- تكاد تجمع الآراء
على أن مجاميع تم إحضارها من خارج مدينة تعز لتنفيذ حوادث الشغب.. ويحدد
البعض محافظة (لحج) المجاورة وعددًا من المناطق الريفية المحيطة بالمدينة
والتي كانت -في الماضي- بؤرة للتدريب المسلح الذي قاده الماركسيون!
واقرأ أيضًا: