; الأبعاد الخطيرة للتوجه الباكستاني نحو الاعتراف بالكيان الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان الأبعاد الخطيرة للتوجه الباكستاني نحو الاعتراف بالكيان الصهيوني

الكاتب أليف الدين الترابي

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 73

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 38

السبت 08-نوفمبر-2003

في تصريحات متتالية للرئيس الباكستاني برويز مشرف خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة في يونيو الماضي قال: إن الوقت قد حان لتفكر باكستان بكل جدية في الاعتراف بوجود «إسرائيل» التي هي حقيقة أرضية، وبعد هذا التصريح نجد المسؤولين الكبار في الحكومة الباكستانية يرددون التصريحات المماثلة مبررين ذلك بالمصالح والمنافع، ويقال إن وزارة الخارجية الباكستانية قامت بإعداد تقرير سري خاص للرئيس لبيان هذه المصالح.

ومن أهم الأدلة التي يذكرها مؤيدو الاعتراف «بإسرائيل»:

  • أن هناك العديد من الدول العربية بما فيها السلطة الفلسطينية اعترفت بـ «إسرائيل» فإن كان العرب والفلسطينيون أنفسهم لا يرون أي مانع في الاعتراف بوجودها، فلماذا باكستان لا تعترف بها؟ 

  • وجود «إسرائيل» حقيقة أرضية ولا بد من الاعتراف بهذه الحقيقة.

  • «إسرائيل» دولة صديقة وحبيبة للولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى ولهذا فإن الاعتراف بها سيزيد صداقة هذه الدول مع باكستان ويأتي بالعديد من المصالح الاقتصادية والدبلوماسية.

 وهناك أدلة جانبية أخرى يدلي بها المؤيدون لجواز الاعتراف بوجود «إسرائيل». والجدير بالذكر أن هذه أول مرة في تاريخ باكستان يصرح فيها مسؤول رفيع المستوى في الحكومة كالرئيس بمثل هذا التصريح، فمنذ أول يوم على إنشاء باكستان في عام ١٩٤٧م، كان موقف باكستان - حكومة وشعبًا - عدم الاعتراف به إسرائيل، حتى إن مؤسس باكستان محمد علي جناح كان يعتبرها ابنة غير شرعية للاستعمار.

هكذا كان الموقف تجاه إسرائيل» منذ أول يوم ومن هنا تمثل التصريحات الأخيرة تغيراً كبيراً في الموقف الباكستاني الرسمي أنتجته المفاهمة السرية الخاصة بين الرئيس مشرف والرئيس الأمريكي بوش ولهذا السبب لقي هذا التغيير في الموقف - ولا يزال - استنكاراً شديداً من الشعب الباكستاني في أوساط الأحزاب السياسية والدينية، كما رفضه القادة الكشميريون وعلى رأسهم الشيخ علي الجيلاني زعيم المقاومة الإسلامية الكشميرية والأستاذ سردار إعجاز أفضل خان أمير الجماعة الإسلامية بولاية جامو وكشمير الحرة، ونتيجة لرد الفعل الشعبي الشديد اضطرت الحكومة إلى تأجيل قضية الاعتراف بـ «إسرائيل» مؤقتًا منتظرة الجو خاصة السياسي المناسب. 

لا شك أن هذا التغيير الكبير في الموقف الرسمي الباكستاني ذو أهمية كبيرة، فأبعاده وآثاره لا تقفان عند حدود مستقبل باكستان فحسب بل ستشمل مستقبل الأمة الإسلامية، فهو يتعلق بقضية إسلامية مهمة وهي قضية فلسطين المسلمة التي هي قضية كل مسلم على وجه المعمورة، كونها قضية أولى القبلتين، قضية ليست خاصة بإخواننا الفلسطينيين أو العرب والاعتراف بـ «إسرائيل» ليس كالاعتراف بأي دولة كما يعتقده البعض، بل يعتبر تنازلًا عن القدس الشريف واعترافًا بالاحتلال غير الشرعي له. ومن هنا فإنها قضية العقيدة والإيمان قبل أن تكون قضية دبلوماسية أو سياسية، وتنازل أي دولة سواء كانت عربية أو إسلامية، ليس مبررًا لغيرها، بل حتى لو تنازلت عنها كافة الحكومات فلا يجوز لعامة المسلمين أن يتنازلوا عنها فما بالنا إذا كان عدد الدول العربية التي اعترفت بالاحتلال أو أقامت علاقات دبلوماسية معه لا يتجاوز ٤ دول، وذلك أيضًا تحت الضغوط الأمريكية الشديدة وفي الظروف الطارئة بل الاضطرارية، ورغم ذلك فإن شعوب هذه الدول لم تعترف ب «إسرائيل». 

كما أن القول بأن وجود «إسرائيل» حقيقة لا يقوم على أي أساس شرعي أو قانوني لأن وجودها لا يعضده أي أساس شرعي ولا مبرر قانوني، فقد قام الاستعمار البريطاني بمؤامرة إنشاء «إسرائيل» لإيجاد قاعدة للمخططات الاستعمارية في قلب العالم الإسلامي وفي الحقيقة أن وجود إسرائيل في فلسطين مثله كمثل اللص يدخل في بيت شخص عنوة ويسيطر على جزء منه بدون حق شرعي ثم يطلب من صاحب البيت أن يعترف بحقه «غير شرعي» في البيت إن وجود «إسرائيل» في فلسطين ليس حقيقة أرضية نعترف بها، كما يقول البعض، بل هو وجود غير شرعي.

ومما يزيد من خطورة هذا الأمر أن «إسرائيل» لا تزال تواصل مخططاتها الاستعمارية لإقامة دولة «إسرائيل» الكبرى والتي ستكون حدودها من الفرات إلى النيل ومن الجبل إلى النخيل، والمراد بالنخيل هنا المدينة المنورة. وكخطوة أولى لهذه المخططات احتلت «إسرائيل»، القدس الشريف في عام ١٩٦٧م وهي لا تزال تواصل احتلالها لهذه المدينة المقدسة، بل ما هو أكثر من ذلك أنها تريد أن تجعل القدس الشريف عاصمة دائمة لها كما تريد بناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى الشريف، ومن هنا فإن الاعتراف بـ «إسرائيل» معناه الاعتراف بالاحتلال الصهيوني للقدس الشريف والتنازل عن أولى القبلتين، ومعناه الاعتراف بالمخطط الصهيوني لإقامة «إسرائيل الكبرى».

ومن ناحية ثانية فإن «إسرائيل» قد أنشئت في عام ١٩٤٧م بطريقة منافية لميثاق الأمم المتحدة، إذ لم يكن لليهود أي حق شرعي في فلسطين، ثم احتلت في عام ١٩٦٧م بقية الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشريف ولا تزال تواصل احتلالها لهذه الأراضي رغم القرارات الدولية المتكررة والقاضية بالانسحاب منها، كشقيقتها الهند التي لا تزال ترفض هذه القرارات. إن الاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية ورفض القرارات الدولية الداعية للانسحاب لا يختلف في نوعيته عن احتلال الهند غير الشرعي لولاية جامو وكشمير ورفض القرارات الدولية لإجراء استفتاء لتقرير مصير الولاية، ومن هنا فإن اعتراف باکستان بوجود «إسرائيل» يعتبر اعترافًا بدولة أنشئت بطريقة غير شرعية مخالفة لميثاق الأمم المتحدة. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى هل يبقى لدى باكستان مبرر للاعتراض على الهند لاحتلالها ولاية جامو وكشمير؟ وعلى أي أساس تطالب باكستان الهند حينئذ بتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بكشمير؟

 وهناك جانب آخر للقضية لا يقل أهمية عن الجوانب المذكورة وهو أنه منذ أول يوم لوجود «إسرائيل» غير الشرعي في عام ١٩٤٨م وهي تواصل إرهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل حيث تقوم قوات الاحتلال الصهيوني بقتل المدنيين الفلسطينيين الأبرياء رجالًا ونساًء وأطفالًا ليلًا ونهارًا علاوة على هدم وإحراق المنازل والمتاجر والقرى، لا لذنب إلا لأنهم مسلمون يطالبون بحقهم في أراضيهم ومقدساتهم، مدعومين بذلك بمئات القرارات الدولية.

 ومن هنا يأتي السؤال الآخر وهو: إن اعترفت باكستان بإرهاب إسرائيل الحكومي المنظم ضد المدنيين الفلسطينيين، فماذا سيكون لديها من مبرر للاعتراض على الإرهاب الحكومي الهندي في كشمير المحتلة؟

الأمر الأكثر أهمية من ذلك أن الأمة الإسلامية مثلها كالجسد الواحد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586) باختلاف يسير). ولذلك فإن المسلمين في باكستان يتألمون لآلام إخوانهم المسلمين في فلسطين ويشعرون بالحمى مثل إخوانهم لكونهم جسدًا واحدًا، فكيف يجوز للحكومة الباكستانية أن تعترف بـ «إسرائيل» ويداها ملوثتان بدماء المسلمين؟

أما القول إن «إسرائيل» صديقة للولايات المتحدة وأن الاعتراف بها قد يثمر العديد من المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، فهذا أيضًا لا يقوم على أي دليل منطقي ذو أهمية، لأن هذه المصالح مصالح موهومة ولا يمكن لأحد أن يضمنها، وليس من الضروري أن يكون الاعتراف «إسرائيل» وصداقتها سببًا لجلب هذه المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، وإن علاقات الصداقة بين باكستان والولايات المتحدة نموذج حي لذلك، فلا يخفى على أحد أن تاريخ علاقات الصداقة بين باكستان والولايات المتحدة يعود إلى أكثر من نصف قرن، ورغم ذلك لا يستطيع أحد أن يضمن المصالح الاقتصادية والدبلوماسية الباكستانية في الولايات المتحدة، وبعد أحداث 11 من سبتمبر عام ۲۰۰۱م وقفت باكستان مع الولايات المتحدة خلال الحرب لضرب أفغانستان الشقيقة كونها دولة واقعة على الخط الأول، ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة رفضت تأييد مطالب باكستان لحل القضية الكشميرية وفقاً للقرارات الدولية، ورفضت كذلك القيام بالوساطة لحل القضية، بل ما هو أكثر من ذلك أنها تعتبر الهند دولة حليفة طبيعية لها وتمارس الضغوط على باكستان لإيقاف دعم حركة المقاومة الكشميرية التي هي حركة شرعية وفقاً للقرارات الدولية، وهكذا فإن الكونجرس الأمريكي اشترط لتقديم الدعم الأمريكي لباكستان إيقاف ما تسميه الهند «الإرهاب القادم من وراء الحدود» أو بالتنازل عن تأييد حركة المقاومة الكشميرية الشرعية.

جملة القول إن علاقات صداقة باكستان مع الولايات المتحدة لأكثر من نصف قرن لم تضمن المصالح الدبلوماسية والاقتصادية الباكستانية، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن تكون علاقات الصداقة مع «إسرائيل» ضمانًا للمصالح الدبلوماسية والاقتصادية الباكستانية؟، ومن هنا ليس من المعقول أن تتنازل باكستان عن القدس الشريف وعن قضية المسلمين الأولى من أجل هذه المصالح الدبلوماسية والاقتصادية الموهومة.

ولا ينبغي لنا أن ننسى حقيقة أنه حتى مع الاعتراف بوجود «إسرائيل» لا يمكن أن تبلغ علاقات باكستان مع «إسرائيل» مستوى علاقات الأخيرة مع الهند، كون الهند حليقة طبيعية ل «إسرائيل»، وهناك رابط قوي يجمع بينهما وهو عداوتهما الشديدة للإسلام والمسلمين والذي يشير إليه قول الله سبحانه وتعالى ﴿لتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا (المائدة:82) وتاريخ العلاقات بين الطرفين لأكثر من نصف قرن الماضي خير شاهد على ذلك. 

وأخيرًا نظرًا لما أسلفناه نرى من واجبنا أن نقوم بلفت انتباه المسؤولين في باكستان لأن يكونوا على بصيرة وحذر من أضرار ومفاسد الاعتراف بـ «إسرائيل» وأن يجتنبوه اجتنابًا كاملًا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة: 51).

الرابط المختصر :