العنوان الأئمة في مختلف العهود كانوا أعلام دين وسياسة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1984
مشاهدات 71
نشر في العدد 663
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 20-مارس-1984
لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف- مفتي الديار المصرية سابقاً
الشيخ حسن البنا- أنزله الله منازل الأبرار- من أعظم الشخصيات الإسلامية في هذا العصر، بل هو الزعيم الاسلامي الذي جاهد في الله حق الجهاد، واتخذ لدعوة الحق منهاجًا صالحًا وسبيلًا واضحًا استمده من القرآن والسنة النبوية ومن روح التشريع الإسلامي، وقام بتنفيذه بحكمة وسداد وصبر وعزم، حتى انتشرت الدعوة الإسلامية في آفاق مصر وغيرها من بلاد الإسلام واستظل برايتها خلق كثير.
عرفته- رحمه الله- منذ سنين، وتوثقت الصداقة بيننا في اجتماعات هيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين الجريحة، وتحدثنا كثيرًا في حاضر المسلمين ومستقبل الإسلام، فكان قوي الأمل في مجد الإسلام وعزة المسلمين إذا اعتصموا بحبل القرآن المتين،واتبعوا هدي النبوة الحكيم، وعالجوا مشاكلهم الاجتماعية والسياسية وغيرها بما شرعه الله في دينهالقويم.
ففي الإسلام من المبادئ السامية والتعاليم الحكيمة ما فيه شفاء من كل مرض وعلاج لكل داء وحل لكل مشكلة، وفيه من الأحكام ما لو نفذ، ومن الحدودوالعقوبات ما لو أقيم؛ لسعد الناس في كل زمان ومكان بالاستقرار والاطمئنان، وعاد المسلمون إلى سيرتهم الأولى يوم كانوا أعزاء أقوياء.
تلك لمحة من دعوته وهي عقيدة كل مسلم وأمل كل غيور على الإسلام، غير أن العلماء حبسوا هذا العلم الزاخر في الصدور ولم يرددوه إلا في حلقات الدروس وفي زوايا الدور.
أما الشيخ البنا- رحمه الله- فقد أخذ على نفسه عهدًا أن يرشد العامة إلى الحق وينشر بين الناس هذه الدعوة، وينظم طرائقها ويعبر سبلها، ويربي الناشئة تربية إسلامية تنزع من نفوسهم خواطر السوء وأخطار الهواجس، وتعرفهم بربهم وتدنيهم من دينهم الذي ارتضاه الله لهم، فكان له ما أراد، وتَحَمَّل في ذلك منالمشاق والمتاعب ما لا قبل باحتماله إلا للرجل الصبور والمؤمن الغيور الذي يبغي رضاء ربه بما يعمل، ويشعر بدافع نفسي قوي إلى إنقاذ أمته من شر وبيل وذل مقيم.
من الطبيعي وهذه دعوته أن يمس السياسة عن قرب، وأن يأخذ في علاج مختلف الشؤون على ضوء التعاليم القرآنية، وهنا يقول الأستاذ بحق ما نقوله نحن و يقوله كل من درس الإسلام و أحاط خبرًا بالقرآن: إن الإسلام دين ودنيا وسياسة ودولة، والمسلم الحق هو الذي يعمل للدين والدنيا معًا.
فقد جاء القرآن بالعقائد الحقة، وبالأحكام الراشدة في العبادات والمعاملات ونظم الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وجاء بالأوامر والنواهي وما يصونها من العقوبات والزواجر، وألزم المسلمين كافة العمل بها وإقامة الدولة على أساسها، فإذا دعا الشيخ حسن البنا إلى ذلك فقد دعا إلى ما دعا إليه الله و رسوله ودعا إليه الصحابةوالتابعون وسائر الأئمة والفقهاء و زعماء الإسلام في كل زمان.
يعيب عليه بعض الناس أنه توغل في السياسة، وقد نوهت بالرد على ذلك في عدة أحاديث أذعتها في مناسبات شتى، فالسياسة الراشدة من صميم الدين، والصدارة فيها من حق العلماء، بل من واجبهم الذي لا يدفعهم عنه أحد، وما أصيب العلماء بالوهن والضعف وما استعلى عليهم الأدنون وتطاول عليهم الأرذلون إلا من يوم أن استكانوا لأولئك الذين يحاولون احتكار السياسة و يستأثرون بالسلطات في الشعوب والأمم الإسلامية قضاء للباناتهم، واغتصابًا للحقوق.
وإذا صح فصل الدين عن السياسة أو بعبارة أخرى الحجر على رجال الدين في الاشتغال بسياسة الدولة- بالنسبة لسائر الأديان- فلا يصح بالنسبة للدين الاسلامي الحنيف الذي امتاز على غيره بالتشريع الكفيل بسعادة الدين والدنيا معًا.
وقد كان الأئمة في مختلف عهود الإسلام أعلام دين وسياسة فما بال الناس اليوم ينكرون على علماء الإسلام أن يعنوا بشؤون الشعوب الإسلامية، ويغضبوا لكرامتها ويجاهدوا لإعزازها و رفع نير الاستعباد عن أعناقها، وتبصير الناس بما يموه به الاستعماريون من حيل ويدبرون من فِتن و يدسون من سموم.
وما الذي خولهم حق احتكار السياسة والحكم؟!
إن من حق العلماء- وأعني بهم القائمين بالدعوة إلى الله لا خصوص حملة الشهادات العلمية الرسمية- أن يمثلوا في كل شؤون الدولة وخاصة في السلطة التشريعية، حتى لا يشرع في الدولة الاسلامية ما ينافي أحكام الإسلام، وأن يكون للتشريع الإسلامي الذي لهم به اختصاص الأثر الواضح في التشريع والتنفيذ.
إن الدعوة في جوهرها دعوة واضحة المَعالِم، والقلوب الموفقة قد انعطفت إليها، والشعب قد أمَن بها. ومن إنكار الحقائق أن يزعم زاعم انصراف السواد الأعظم من الأمة عنها.
وكلما أمعنت السياسة في توهينها ازدادت قوة وذيوعًا، وأيقن الناس بما فيها من خير وصلاح. ومن الإخلاص لولاة الأمور الصدق في القول والأمانة في الأداء.
فليعلموا أن الدعوة عقيدة استقرت في النفوس، وأن مقاومة الساسة لها ولدعاتها لا يزيدها إلا ثباتًا ورسوخًا، وأن من الراسخ في العقائد أن اليهود ومن ورائهم الدولة الغاصبة والدول الاستعمارية هم الذين يكيدون لها، و يبذلون كل ما في استطاعتهم لاستئصالها، ولكنهيهات ما يريدون.
وبعد: فإنا نسأل الله تبارك وتعالى للمسلمين خيرًا عميمًا، ورشدًا مبينًا، وتوفيقًا سديدًا لكل من يدعو إلى خير ورشادورحمة واسعة للأستاذ العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل