; الآن فهمت! | مجلة المجتمع

العنوان الآن فهمت!

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1938

نشر في الصفحة 17

السبت 05-فبراير-2011

 «الآن فهمت».. كلمة رددها كثير من الطغاة الذين رفضوا أن يفهموا حتى يأتيهم أمر الله فيضطروا إلى النطق بها ذلًا وصغارًا.. لقد قالها «فرعون موسى» حين أدركه الغرق، فقال عنه رب العزة: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلَآنُ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس90:91).. لقد أمن الدكتاتور ولكن بعد فوات الأوان.

رئيس قناة «حياتنا» الفضائية ورئيس مركز التفكير الإبداعي

ورددها اليوم «فرعون تونس» الذي كان بالأمس يرعد، ويزبد ويقتل ويسجن، ويعذب، ويشرد، ويكتم الأنفاس، ويكمم الأفواه ويتكبر على الله تعالى وعلى دينه وعباده، ولسان حاله: «ما أريكم إلا ما أرى»، ثم فجأةً يُلقي الله الشجاعة في قلوب شعبه، فلما رأى «فرعون تونس» شيئًا من شجاعة قومه؛ إذ به يخرج عليهم ذليلًا وهو يقول: «الآن فهمت»!! لقد فهم الدكتاتور ولكن بعد فوات الأوان.

لقد أدرك التونسيون، بل أدرك العالم بأسره، أن هذا الدكتاتور الذي صوّر نفسه للناس بأنه الزعيم الذي لا يُقهر، والبطل الذي لا يُغلب، والشجاع الذي لا يجبن واستخدم أجهزة أمنه للعدوان على الناس وقهرهم وإذلالهم وكبت حرياتهم، أقول: أدرك الناس أن هذا الطاغوت العملاق ما هو إلا قزم صغير، وأن مملكته وحزبه وأجهزة أمنه ما هي إلا كبيت العنكبوت.

هل تتخيلوا أن قناة «تونس ٧» الرسمية قامت بقطع النشرة الإخبارية لبث الأذان، حيث اشتهر عهد الرئيس «المخلوع» زين العابدين بن علي بعدم بث الأذان نهائياً في التلفزيون الرسمي؟ كما اشتهر بمعاداته للحجاب، ومضايقاته لإقامة الصلاة بالمساجد، وحربه الضروس على المتدينين ونشره الدائم للفجور والفساد. 

ثم تأملوا أقدار الله تعالى في سقوط طاغية تونس، هذا الجبار المتكبر الذي لا يستطيع أحد أن ينبس ببنت شفة أمامه، إذ بعربة خضار لرجل فقير معدم تسقط هذا الجبار وتهوي به وبمملكته التي لا تقهر، حيث لما اعتدت أجهزة الأمن التونسية على «محمد البوعزيزي»، وأخذت عربته التي يبيع عليها الخضراوات، قام هذا المسكين وأحرق نفسه ليُشْعِرَ، «فرعون تونس» الذي يعيش في القصور أن شعبه يموت جوعًا، ولكنه لم يفهم، أو أن كبرياءه وجبروته حجبا عنه الفهم، فكانت النتيجة أن الأحداث قد تسارعت وخرجت عن السيطرة، وما هي إلا أربعة أسابيع حتى فر «فرعون تونس»... فما أهون الظالمين إن هؤلاء الظالمين الذين لا يعرفون الحق ولا العدل، والذين تزين لهم أجهزة أمنهم الاعتداء والظلم والكبت وسلب كرامة الناس وحرياتهم، بل وأمنهم هؤلاء الظالمين وإن تظاهروا بالسعادة والأمن والاستقرار فهم في أشد حالات الخوف والرعب وانعدام الأمن ؛ لأنهم سلبوا أمن الناس وراحتهم فأبى الله إلا أن يسلب أمنهم وراحتهم، وصدق الله تعالى حين قال: ﴿وكأين مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (الحج:48).

 يقول عبد الرحمن الكواكبي: «إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط»..

وما أجمل مقالة الرسول الفارسي لما رأى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب نائمًا تحت ظل شجرة دون حرس فقال قولته الشهيرة:

حكمت فعدلت فأمنت فنمت ...

 نعم؛ لقد تفاجأ العالم من هشاشة أعظم وأشد وأقسى جهاز أمن بي، هذا الجهاز الذي كان من المفروض أن يكون جهاز أمن ورحمة، فإذا يتحول إلى جهاز رعب ودمار، ترتكب فيه كل الجرائم والمجازر وتداس تحت أقدامه كرامة الإنسان، حتى لم يبق أحد يحب أو يحترم من ينتمي هذا الجهاز، ولذا لما سقط فرعون تونس فر كثير من المنتمين إلى هذا جهاز؛ لأنهم يدركون أن جرائمهم نحو شعوبهم لا تنسى وإنما تنتظر يوم الحساب، وكما يقول القائل: «إن الصافع ينسى ما لا ينساه المصفوع».

يحكي أحد التونسيين قائلًا : كانت صديقة زوجتي «وهي زوجة رجل مرموق لم يستطع العودة إلى تونس منذ أكثر من عشرين عامًا بسبب موقفه السياسي لا تستطيع أن تبتعد عن بلدها طويلًا، بسبب والدها المسن المريض ووالدتها وشقيقاتها الذين كانوا في حاجة لأن تزورهم وتراهم، وفي كل مرة كانت تجهش في البكاء عندما تحزم حقائبها وتتجه إلى المطار؛ لأنها مضطرة لأن تخلع حجابها بمجرد أن تقترب من مطار تونس الخضراء المسلمة ولم تسلم من هذه المهانة إلا عندما حصلت مع زوجها على جنسية دولة أوروبية يقيمان فيها حاليًا، فصار جواز سفرها الأوروبي حاميًا لحجابها إذا زارت تونس، وكانت تحكي من ذكرياتها الأليمة أن قريبة لها رفضت خلع حجابها فجرجرت إلى أحد أقسام الشرطة، وهناك خيرها الضابط بين نزعه أو اغتصابها!! 

إن زين العابدين بن علي ظلم وبغى وتجبر وحارب دين الله وكتابه وشريعته، فأصابه جزاء المفسدين في الأرض.. لقد ظل هذا الدكتاتور محلقًا بطائرته، وهو يستنجد بأحبابه الغربيين من مالطا إلى باريس إلى غيرها من الدول - وهو الذي كان لهم الذراع اليمنى - فإذا بهم يقلبون له ظهر المجن ولا يعيرونه اهتمامًا، بل وطردوا أقاربه الذين في فرنسا وتحفظوا على أموالهم التي سرقوها من الشعب المضطهد المسكين.. فهل بعد هذا من مهانة وخزي؟

إن الدروس التونسية في هذا الحدث التاريخي كثيرة وعميقة وبليغة، وعلى العقلاء أن يتأملوها، فحركة التاريخ دوارة وقوة وإرادة الشعوب ليس لها حدود وإن بدا خلاف ذلك للوهلة الأولى، فهم الذين يبقون في النهاية مهما طال ليل الظالمين ومهما امتدت أياديهم الآثمة تقتل الناس جوعًا وسجنًا ونفيًا وكبتًا. 

إن على العقلاء من الزعماء أن يفتحوا حوارًا جادًا مخلصًا مع شعوبهم، وأن يوقفوا كبتهم للحريات، وأن يدركوا أن الشعوب بحاجة إلى أن يعاملوا كبشر وليس كبهائم أو عبيد، وأن مطالب الشعوب هي في غالبها مطالب عادلة وبسيطة، ولكن للأسف لا يجدونها في كثير من الدول العربية.. كما أن عليهم أن يوقنوا أن الإسلام والتدين ليس خطرًا يُجابه، بل هو الأمن والسعادة والطمأنينة، كما أن الشريعة الإسلامية جعلت للحاكم المسلم وظيفتين هما: إقامة الدين وسياسة الدنيا به ولم تجعل وظيفته محاربة الدين والتضييق على أهله واضطهادهم، أو سياسة الناس بالظلم والكبت والطغيان، أو سياستهم بشرائع غيرهم. 

الرابط المختصر :