; اقتصاد (1543) | مجلة المجتمع

العنوان اقتصاد (1543)

الكاتب المحرر الاقتصادي

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003

مشاهدات 81

نشر في العدد 1543

نشر في الصفحة 52

السبت 22-مارس-2003

الاقتصاد العربي اعتماد على عوائد النفط.. وعدم الاستفادة من الطاقات البشرية

القاهرة: عبد الحافظ الصاوي

Hafez56@hotmail.co

«ميدان القول غير ميدان العمل» مسلّمة يلمسها المطلع على أحوال مسيرة الاقتصاد العربي على مدار أكثر من نصف قرن. فالحكومات قدمت الخطط ووعدت بتحقيق معدلات تنمية والنهوض من التخلف، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، فالبلدان العربية لا تزال ضمن الدول النامية. ولعل الأسباب معلومة وأهمها إهدار الموارد المادية والبشرية، وعدم إجادة توظيفها, وقد جعل هذا الوضع الاقتصادات العربية اقتصادات تابعة تفتقر إلى توفير متطلبات الحياة الأساسية. وها هي فاتورة الغذاء العربي تزداد عامًا بعد عام على الرغم من توافر أرض الجزيرة بالسودان والتي بإمكانها وحدها أن توفر الغذاء للدول العربية ويفيض منها. أما عن مستويات التصنيع والتقدم التقني فالواقع يشير إلى تحول الأسواق العربية إلى مرتع خصب لمنتجات الصين ودول جنوب شرق آسيا. 

الهم العربي تتعدد جوانبه، ويمثل الجانب الاقتصادي أهمها، وقد جاء التقرير الاقتصادي العربي الموحد ليقدم لوحة واضحة المعالم الأوضاع الاقتصاد العربي على مدار العشرين سنة الماضية. وفي عدد عام ٢٠٠٢ أشار التقرير إلى المعادلة الاقتصادية غير المنضبطة في البلدان العربية، ففي الوقت الذي انخفض فيه معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العربي مع نهاية عام ٢٠٠١ بنحو ١,٩%, مع ثبات معدل الإنفاق الاستثماري زاد معدل الاستهلاك العام بمعدل ۱٫٥٪ في نهاية ۲۰۰۱ مقارنة بما كان عليه الوضع في عام ۲۰۰۰, وقد أدى هذا الخلل إلى زيادة العجز التجاري للعالم العربي ففي الوقت الذي زادت فيه الواردات من السل والخدمات لتبلغ ۲۹٫۳ % من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت الصادرات العربية لتصل إلى 37.2% من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كانت ٣٩.٢% في ۲۰۰۰، في حين أنه - حسب التحليل الاقتصادي السليم - ينبغي أن تقل الواردات ويضغط الاستهلاك التام في ظل انخفاض معدلات النمو الاقتصادي انخفاض أداء قطاع الصادرات وثبات الإنفاق استثماري.

معدلات التنمية لا تناسب الزيادة السكانية: مؤشرات الزيادة السكانية في العالم العربي توجب وجود أداء اقتصادي مختلف يعظم من زيادة الإنفاق الاستثماري، بدلًا من ثباته وزيادة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي لا انخفاضه فمعدلات الزيادة السكانية في العالم العربي تصل إلى 2.5% وهي من أعلى المعدلات على مستوى العالم، وتتضح أزمة الأداء الاقتصادي غير الجيد في البلدان العربية إذا ما اتضح أن التوزيع العمري للسكان يشير إلى اتساع الشريحة الوسطى للهرم السكاني المتمثلة في الفئة العمرية «١٥ - ٦٥ سنة» حيث تتراوح ما بين ٥٠ – ۷۳ % ويعتبر هذا التطور ذا دلالة مهمة لكون هذه الشريحة هي الفئة المؤهلة للمشاركة في الأنشطة الاقتصادية. لقد أشار التقرير إلى أن القوى العاملة في العالم العربي بلغت ٩٥ مليون عامل بنهاية عام ۲۰۰١ وتزيد هذه الأعداد بمعدل 3% سنويًا، وليس خفيًا أن جل البلدان العربية يعاني من بطالة كبيرة خاصة بين الداخلين لسوق العمل من المتعلمين وما زالت معدلات الأمية مرتفعة، كما أن 26% من إجمالي سكان العالم العربي محرومون من مياه الشرب المأمونة، كما يعاني نحو 10% من السكان من عدم توافر خدمات الصرف الصحي.

 الزراعة: زاد العجز في الميزان التجاري الزراعي للدول العربية من 20.4 مليار دولار إلى ٢٢,٥ مليار دولار في عام ٢٠٠١ وأصبحت الصادرات الزراعية تغطي حوالي ٢٥% من الواردات الزراعية. وتمثل الفجوة في مجموعة الحبوب حوالي ٤٧% الأمر الذي يتطلب تغييرًا جوهريًا، استراتيجية الزراعة والقضية الأكثر أهمية تتعلق بالمياه إذ يشير التقرير إلى انخفاض كفاءة استخدام الموارد المائية المتاحة بسبب اتساع نطاق الري السطحي التقليدي ولا يتم استخدام سوى ۷۰ % من المياه السطحية والجوفية المتاحة.

النفط: أثر انخفاض أسعار البترول خلال عام ۲۰۰۱ مقارنة بعام ۲۰۰۰ على أداء القطاع الصناعي خاصة فيما يتعلق بالصناعات الاستخراجية كما تأثرت الموازنات الحكومية، فانخفضت الإيرادات العامة بمعدل 4.2% مقارنة بعام ٢٠٠٠ كما انخفضت الإيرادات غير الضريبية بنحو 12.1% والإيرادات النفطية بنحو 7.3%, وزادت النفقات العامة بنحو ٧% وقد بلغ العجز الكلي ما قيمته ١٧.٤ مليار دولار، وارتفعت الديون الداخلية العربية بمعدل ٨,١% لتصل إلى ۳۳۱ مليار دولار، وبلغ الدين العام المحلي نسبة 60.3% من الناتج المحلي الإجمالي وهو ما ينذر بالدخول في مرحلة الخطر حسب المعدلات العالمية. أما فيما يخص الدين الخارجي فيشير التقرير إلى وجود تحسن طفيف خلال عام ۲۰۰۱ إذ انخفض الدين العام الخارجي إلى ١٤٢.٢ مليار دولار بعد أن كان 143.8 مليار دولار. وظل يمثل أقل من نسبة ٥٠% من الناتج المحلى.

المعونات الإنمائية

توجد دلالات مهمة فيما يخص المعونات الإنمائية التي تقدمها الدول العربية فهي تقدم دون تقييد بشرط التوريد والتنفيذ من قبل الدول المانحة التي لا تتدخل في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية للدول المستفيدة. ومن هنا يتضح الجانب الحضاري للمعونات الإنمائية العربية، وتكون المقارنة واضحة عند النظر للمعونات المقدمة من البلدان المتقدمة فتلك تقدم مع معوناتها أجندة اجتماعية وثقافية تصطدم بكثير من خصوصيات البلدان المتلقية، فضلًا عن شروط سياسية ضارة بالدول المتلقية. وثمة جانب آخر وهو أن الدول المانحة العربية.. في غالبيتها دول نامية. ويزيد إجمالي ما قدمته الدول العربية من مساعدات خلال الفترة من ۱۹۷۰ - ۲۰۰۱ على ۱۱۰ مليارات دولار ونظرًا للسياسة الاقتصادية التي تتبعها معظم البلدان العربية من توسيع نشاط القطاع الخاص فقد توجهت المؤسسات العربية المانحة لدعم مؤسسات القطاع الخاص.

تراجع الاقتصاد الفلسطيني

على الرغم من أن التقرير الاقتصادي العربي الموحد يتناول المؤشرات العامة للبلدان العربية بشكل إجمالي دون التعرض لتفصيلات كل قطر على حدة. إلا أن التقرير - منذ صدوره - حرص على أفراد فصل خاص للاقتصاد الفلسطيني. وفي هذا العام أشار التقرير إلى تأثر أداء الاقتصاد الفلسطيني خلال عام۲۰۰۱ بالسياسات القمعية والتدميرية للاحتلال والمتمثلة في إغلاق المدن الفلسطينية وعزلها عن العالم وتدمير البنى الأساسية ومؤسسات السلطة وتجريف الطرق والأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار المثمرة وقد أدى ذلك إلى تدني أداء الاقتصاد الفلسطيني وتراجع مؤشرات أداء القطاعات الاقتصادية، وتفشي البطالة لتصل إلى معدلات تفوق ٨٠٪، وتراكم الدين العام وتقدر خسائر الاقتصاد الفلسطيني خلال عام ٢٠٠١ بحوالي ٧.٥ مليار دولار. 

٤٢ مليون عاطل عربي نتيجة الحرب على العراق

الحرب التي تعد لها الولايات المتحدة ضد العراق، سيكون لها ما بعدها من تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة، على مستوى العالم بشكل عام، وعلى دول المنطقة بشكل خاص، في الوقت الذي لا تزال فيه اقتصادات المنطقة تعاني من تبعات أزمة الخليج الثانية.

ونظرًا لخطورة الآثار المتوقعة فقد أعدت منظمة العمل العربية تقريرًا لهذه التوقعات تناول الأوضاع الاقتصادية التي آل إليها الاقتصاد العراقي وما تحمله في ظل الحصار المفروض عليه منذ ۱۲ عامًا. ولعل أبرز هذه الآثار تراجع ترتيب العراق وفقًا لدليل التنمية البشرية بين بلدان العالم من المرتبة ٥٥ عام ۱۹۹۰ إلى المرتبة ١٢٧ عام ١٩٩٥، كما تراجع ترتيبه بين البلدان العربية من الثالث إلى الخامس عشر وغاب العراق ومؤشرات التنمية البشرية فيه عن التقارير الأخيرة سواء على المستوى الدولي أو العربي. وعمومًا فإن البلدان العربية جميعًا تصنف ضمن البلدان النامية ولا تتحمل تبعات وقوع حرب، يتوقع التقرير أن تحدث أضرار بالغة في القطاعات الآتية:

السياحة: يوظف قطاع السياحة في البلدان العربية ٨,٤٪ من القوى العاملة، ويشكل عائد السياحة في الدول العربية غير النفطية ١٠ ٪ من إجمالي الدخل القومي. وتحتل السياحة مرتبة متقدمة بين موارد النقد الأجنبي في العديد من للبلدان العربية ويشهد قطاعها معدلًا للنمو قدره ٤,١% وبطبيعة الحال فهذا القطاع لا يزال يعاني من أثار أزمة سبتمبر الأمريكية والعدوان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويتوقع التقرير أن يصاب قطاع السياحة العربي بانتكاسة كبيرة، قد تطول من حيث المدة نتيجة الآثار النفسية ومشاعر الكراهية التي ستنتج عن الحرب وما قد يسفر عن هذه المشاعر من ردود فعل غاضبة يكون لها أثاره السلبية على السياحة وفرص العمل المتاحة والمتوقعة، مما يفاقم من مشكلة أزمة البطالة وارتفاعها إلى معدلات لا تحتمل.

 قطاع النفط: يتوقع التقرير أن تؤدي الحرب إلى الإضرار بمنشآت النفط في العراق والدول المجاورة، إلى جانب الخطر على نقل النفط أو إغلاق المضايق أو نسف أنابيب الشحن أو حرق بعض آباره، وهذا من شأنه أن يرفع أسعار البترول. 

ويبرز التقرير دور الشركات الأمريكية العاملة في مجال النفط والتي تسعى للسيطرة على بترول العراق، فكل انخفاض في أسعار النفط بمعدل دولار واحد يعني انخفاض الفاتورة النفطية الأمريكية بمقدار ٤ مليارات دولار في العام. وعلى صعيد البلدان العربية فإن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون ۲۰ دولارًا للبرميل، سيؤدي إلى انخفاض الناتج القومي للدول العربية المصدرة للبترول، ويؤثر بشكل سلبي على خطط التنمية وفرص العمل وتكون النتيجة ازدياد نسبة البطالة وخفض الإنفاق على خدمات الأساسية وتراجع معدلات التنمية البشرية.

الخسائر في التبادل التجارى: تطورت الحركة التجارية لعدد من البلدان العربية مع العراق في مدار السنوات السابقة - أغلبها في اتجاه واحد وتعد مصر الشريك التجاري الثاني للعراق بعد آسيا، وستتعرض بالتالي للخسارة، لكن الخسارة بالنسبة للأردن أشد إذ عليه البحث عن بديل للنفط العراقي الذي يحصله بصورة يصعب تحققها من مصدر آخر فهو يحصل على نصف النفط مجانًا للنصف الآخر بأسعار تفضيلية. وبالمثل سوف تواجه سورية مشقة لإيجاد سوق بديل لصادراتها السوق العراقي, وتمثل الصادرات السعودية قدرًا لا بأس به للسوق العراقي. 

البطالة: توقع التقرير أن تخلف الحرب أعدادًا من العاطلين تصل إلى نحو ٤٢ مليون عاطل في البلدان العربية, ومن خلال تحليله لهذه القضية قسم تقرير المنطقة العربية إلى ثلاث مناطق:

الأولى: وتشمل مصر، الأردن، سورية عراق، لبنان، فلسطين وسيكون العاطلون فيها ١٣ مليون ليرتفع إجمالي العاطلين إلى نحو ٢٠ مليون عاطل ويتوزع هؤلاء على:

- قطاع الخدمات ٩.٤ مليون عاطل، والصناعة ٢٢ مليون والزراعة ٢ مليون.

- أما المجموعة الثانية فتضم بلدان الخليج العربي فمن المتوقع أن تخلف الحرب نحو ۱,۸ مليون عاطل، فضلًا عن نحو 0.5 مليون عاطل الآن. 

- المجموعة الثالثة وتضم بقية البلدان العربية ومن المتوقع أن يكون بها ٩,٨٦ مليون عاطل... بالإضافة إلى بطالة متراكمة بنحو ٩,٥ مليون عاطل.

 التنمية: من المتوقع كما يشير التقرير أن تتراجع الاستثمارات المباشرة في البلدان العربية مثل مصر والأردن وسورية، كما تتأثر عوائد مدخرات المهاجرين، إضافة إلى نقص فرص التصدير والسياحة والنقل. وجميع ذلك سوف - يمثل ضغوطًا شديدة على العملات المحلية ويعمق مظاهر الكساد الاقتصادي والذي قد يترافق مع التضخم ويتراجع نتيجة ذلك دخل الأسر ونمو الناتج المحلي الإجمالي. ففي مصر بدأ الإعداد لتقديرات في النمو تمثل نصف ما كان متوقعًا قبل أزمة العراق. 

الرابط المختصر :