; اقتصاد يختنق وآمال أطاح بها الفساد والمحسوبية | مجلة المجتمع

العنوان اقتصاد يختنق وآمال أطاح بها الفساد والمحسوبية

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 86

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 10-يونيو-1997

القدس المحتلة: محمد صالح وعطاف البرغوثي.

  • بموجب اتفاق باريس يحصل الإسرائيليون على (٨٥%) من المساعدات الدولية المقدمة للفلسطينيين.

طالما بشر موقعو اتفاقات أوسلو بقرب بزوغ سنغافورة جديدة من بين أكوام الصفيح وزحام البشر في قطاع غزة، لم تكن قيم التحرر والاستقلال والكرامة الوطنية حاضرة في الاتفاقات مع الإسرائيليين- بقدر ما كانت الوعود المنثورة برخاء اقتصادي ينهي أزمة حادة تفاقمت في بداية هذا العقد الأخير من القرن العشرين دافعة نحو مليوني فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت حزام الفقر الناري.

اليوم وعلى بعد ثلاثة أعوام أو يزيد من تلك التعهدات يقبع الفلسطينيون داخل قفص الحكم الذاتي محاصرين بالفقر والقمع، وحراب المحتل واتفاقات أتت أو كادت على كل هوامش حركتهم. 

وتشير الإحصاءات إلى نسب بطالة عالية في صفوف المواطنين العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتتراوح هذه النسب بين (37.5%) في مدن تتميز برخائها الاقتصادي، مثل: الخليل ورام الله، و(٦٠%) في قطاع غزة ومخيمات اللاجئين، فيما ينضم نحو (۳۰۰) ألف عامل جديد إلى سوق العمل الفلسطيني سنويًا حسب ما كان أعلن وزير العمل الفلسطيني السابق سمير غوشة ١٩٩٦م، مما سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع عامًا بعد عام في الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧م.

 ولم تفلح سياسات سلطة الحكم الذاتي في علاج مشكلتي البطالة والفقر، فإلى جانب ارتفاع نسب البطالة منذ وصول السلطة إلى قطاع غزة والضفة الغربية، فإن الإحصاءات الدولية تشير إلى انخفاض الناتج القومي الفلسطيني بنسبة (18.4%) خلال الفترة من ١٩٩٢ م- ١٩٩٦م.

وحسب ذات التقرير الذي أعده تيري لارسن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى مناطق الحكم الذاتي فإن دخل الفرد في هذه المناطق انخفض من (۱۲۰۰) دولار سنويًا بلغه عام ۱۹۹۳م ليصل إلى (٦٠٠) دولار فقط عام ١٩٩٦م. 

وتتكدس البضائع والمزروعات والبشر في القطاع المكتظ وفي مناطق الضفة الغربية دون أن تتمكن من الانتقال بين الضفة وغزة، أو بينها وبين المحيط العربي، ولم تفلح المساعدات الدولية في تقديم علاج أو تخفيف وطأة الأزمة، فالمساعدات التي كانت تشكل نحو) ٥٠٪) من الميزانية العامة للسلطة عام ١٩٩٥م انخفضت إلى (١٠%) فقط من حجم موازنة العام ۱۹۹۷م، وفي محاولة للتغلب على تأخر المساعدات وشروط الدول المانحة عمدت السلطة إلى تحويل معظم المساعدات الخارجية المنتظرة إلى الميزانية التطويرية في العام ١٩٩٧م. 

فالمساعدات الدولية لم تقدم لوجه الله، ولا لتحسين مستوى الشعب المطحون، ولكنها ارتبطت بعاملين أساسيين: الأول إقدام السلطة على مصادمة فصائل المقاومة، والثاني تقدم عملية التسوية، وقد شكل الشرط الثاني غير المعلن عامل ضغط إضافي على السلطة لدفعها باتجاه اتخاذ مواقف تساعد على إنجاز التسوية.

ففي شهر أبريل ١٩٩٦م كانت السلطة الفلسطينية قد تسلمت (٣٥) مليون دولار فقط من أموال المساعدات، غير أن هذه الأرقام ارتفعت لتصل إلى (٤٨٠) مليون دولار في نهاية العام الذي شهد انخراط السلطة في مارس في حملة قمع ضخمة ضد فصائل المقاومة. 

وفي ظل تعثر عملية التشويه اليوم لم تتلق السلطة سوى (۷۰) مليون دولار من أصل (896.9) مليون دولار وعدت الدول المانحة بتقديمها للسلطة خلال العام الجاري

وفيما يدفع الفلسطيني ضرائب باهظة تصل إلى نحو (٥٠%) من دخله، تحصل إسرائيل على (٨٥) سنتًا من كل دولار مساعدات يصل إلى السلطة الفلسطينية، حيث تعهدت السلطة في اتفاق باريس الاقتصادي بتنفيذ التزامات من قبيل استقبال أموال المعونات من خلال المصارف الإسرائيلية، واستيراد المواد الأساسية لإقامة مشاريع التطوير من السوق الإسرائيلي، وهكذا يحصل الإسرائيليون على (٨٥%) من أموال المساعدات الدولية المقدمة للسلطة على شكل خدمات مصرفية، وبدل شراء أسمنت وحديد وآلات.

 ثلاثة مداخل يمكن القول إنها تشكل الأسباب المباشرة للأزمة الاقتصادية التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني الفساد المستشري في أجهزة السلطة، وتضخم الجهاز البيروقراطي للسلطة، وخاصة أجهزة الأمن التي باتت تستنزف معظم أموال المساعدات، وتستهلك معظم مخصصات الموازنة السنوية، والحصار الإسرائيلي الذي تفرضه سلطات الاحتلال لفترات مختلفة على الضفة والقطاع تحت ذرائع شتى، وقد تعرض التحقيق السابق الموضوع الفساد، وبقي أن نعرض هنا للمدخلين الآخرين للأزمة الاقتصادية في فلسطين المحتلة.

تضخم الجهاز البيروقراطي:

تشير مذكرة لجنة الموازنة والشؤون المالية في المجلس التشريعي حول مشروع قانون الموازنة العامة للسلطة للسنة المالية ۱۹۹۷م- إلى أن الرواتب والأجور والعلاوات تشكل (٥٩%) من النفقات مقابل (٢٥%) من الإيرادات مخصصة للنفقات التشغيلية.

وحسب الإحصاءات الفلسطينية فإن السلطة الفلسطينية عمدت إلى توظيف أكثر من (٥٠) ألف موظف في أجهزتها المختلفة، ومن بين هؤلاء أكثر من (٤٠) ألفًا يعملون في أجهزة الأمن التابعة للسلطة، والتي يبلغ عددها (۱۲) جهازًا هي: الاستخبارات العسكرية، المخابرات العامة، الأمن الوقائي، القوة (۱۷ أمن الرئاسة)، الأمن الوطني، الشرطة المدنية، الشرطة النسائية، شرطة الآداب (وردت أنباء عن حله وتسريح كوادره ومعظمهم مقاتلون سابقون في فصائل إسلامية) جهاز أمن البحرية، المخابرات الخارجية، أمن الارتباط، أمن الجامعات.

وقد أدى هذا التضخم إلى ابتلاع كميات كبيرة من الأموال المخصصة للسلطة بدلًا من تحويلها إلى مشاريع إنتاجية، مما ساهم في تفاقم الأزمة المالية في المجتمع الفلسطيني داخل مناطق الحكم الذاتي، في العام ١٩٩٦م فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاقًا شاملًا أو جزئيًا على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧م نحو (١٨) مرة، وقد بلغ مجموع أيام الإغلاق (۱۷۰) يومًا (أكثر من خمسة أشهر ونصف منها ٩١ يومًا نحو 3 أشهر كاملة) شهدت إغلاقًا شاملًا حظر بموجبه على الفلسطينيين التنقل من وإلى المناطق الواقعة داخل الخط الأخضر

وخلال الـ (٣٩) يومًا من أيام الإغلاق الشامل جرى عزل التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عن بعضها البعض؛ مما حال دون انتقال الأهالي بين التجمعات المتجاورة التي يفصل بينها مناطق مصنفة ضمن تصنيف ب و ج حسب اتفاقات أوسلو، ويلاحظ أن عمليات الإغلاق تمت لأسباب مختلفة وذلك على النحو التالي: 

  1. عمليات عسكرية للمقاومة (مرة واحدة منه ٢١ يومًا إغلاق شامل، و٩٥ جزئيًا). 
  2. إجراءات أمن احترازية (5مرات بلغ مجموعها ٥٥ يومًا كإغلاق شامل). 
  3. أعياد يهودية مرتان منها (5 أيام إغلاق شامل، و٣ جزئيًا)
  4.  د. مواجهات جماهيرية (مرة واحدة ١٨ يومًا من الإغلاق الشامل). 
  5. أسباب أخرى (بلغ مجموعها 9 أيام إغلاق جزئي).

وحسب الإحصائية السابقة تبدو سياسة الإغلاق إجراءً عقابيًا غير مرتبط بأحداث فلسطينية غالبًا.

وقد أدت هذه السياسة إلى خسائر جرى تقديرها بنحو (6) مليارات دولار حسب إحصاءات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وذلك خلال الفترة ما بين ١٩٩٢م وحتى ١٩٩٦م.

ويقول نبيل شعث مسؤول التخطيط الدولي في السلطة إن الحصار الإسرائيلي يتسبب في خسائر  مالية تصل إلى (5) ملايين دولار يوميًا، منها على الأقل (2.6) مليون دولار أجور نحو (٣٠) ألف عامل تحول إسرائيل بينهم وبين الوصول إلى مواقع عملهم داخل الخط الأخضر، وما بين (٥٠٠) ألف دولار ومليون دولار خسائر قطاع الزراعة، حيث تمنع السلطات الإسرائيلية خلال أيام الإغلاق وصول منتوجات الفلسطينيين الزراعية إلى أسواقها، وبقية المبلغ توزع على خسائر المصانع التي تتوقف بسبب منع تصدير منتجاتها أو منع استيراد مواد خام لازمة لعملها من الأسواق الإسرائيلية، إلى جانب خسائر قطاع النقل وبقية القطاعات المرتبطة بعجلة الاقتصاد.

 ومقابل الخسائر المشار إليها لم يحصل الفلسطينيون خلال نفس الفترة إلا على (2.18) مليار دولار كمساعدات دولية، وهي لا تشكل سوى (٣٦ %) فقط من خسائرهم المالية جراء الحصار.

ورغم سماح السلطات الإسرائيلية في شهر مايو الماضي لنحو (٤٥) ألف عامل فلسطيني بالعودة للعمل في سوق العمل الإسرائيلي، إلا أن مناطق الضفة والقطاع تعاني عجزًا اقتصاديًا تراكميًا بسبب سياسة الإغلاق الإسرائيلية. 

ولم تفلح سلطة الحكم الذاتي في تحقيق أي قدر من الاستقلال للاقتصاد الفلسطيني عن الاقتصاد الإسرائيلي، مثلما فشلت في إقامة مشاريع إنتاج داخل مناطقها لتقليص حجم اعتماد العمالة الفلسطينية على سوق العمل الإسرائيلي، ولازال اتفاق باريس الاقتصادي يشكل حجر عثرة أمام تطوير علاقات السلطة اقتصاديًا مع المحيط العربي.

خاتمة:

لا يمكن إغفال عوامل أخرى ساهمت في الأزمة الاقتصادية التي يحياها الفلسطينيون في مناطق الحكم الذاتي، مثل: حرب الخليج التي أدت إلى تقلص أموال المساعدات الواردة إلى الضفة والقطاع من دول الخليج العربي، وتفتت الجاليات الفلسطينية الكبيرة نسبيًا في هذه الدول، مما أثر على حجم التحويلات المالية التي كانت تصل إلى المواطنين من أقاربهم العاملين في الخليج، غير أن هذا التقرير يرصد تجربة الحكم الذاتي وطريقة إدارة الأزمة المالية خلال ثلاثة أعوام في عمر السلطة حتى اليوم.

الهروب إلى الموت:

      أفاد تقرير أمني أن عدد حالات الانتحار بين الفلسطينيين في ارتفاع مستمر؛ فقد بلغ عدد الذين حاولوا الانتحار منذ بداية العام الجاري -الذي لم ينتصف بعد (92) شخصًا، وهو رقم يقترب من حالات الانتحار خلال العام الماضي كله التي بلغت (99) حالة.

الرابط المختصر :