العنوان اقتراح بإنشاء مؤسسة علمية ثقافية لهذا الغرض.. إحياء تراث البنا
الكاتب د. سالم نجم
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 11-يوليو-2000
يعترف كثير من دعاة الصحوة الإسلامية وكثير من الصحفيين المرموقين ورجال الفكر والإصلاح، أن الإمام الشهيد حسن البناء يعتبر بحق مجدد الدين الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري تصديقًا لقول رسول الله ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (سنن أبي داود).
فقد سقطت الخلافة العثمانية عام 1343هـ - 1924م على يد مصطفى كمال، وبدعم من أعداء الإسلام، وكان هذا الحدث قمة انهيار الأمة الإسلامية، بعد أن قسمت تركة الرجل المريض «الخلافة العثمانية» بين الدول الأوروبية وتم احتلال معظم البلاد الإسلامية.
فانتشرت الفوضى في ربوع الأمة الإسلامية، وانحطت الروح بين العلماء إلا من رحم الله، وانطفأت شعلة الجهاد في سبيل الله، واستكانت الشعوب لأعدائها المحتلين من الأجانب والمنافقين والخونة من أبناء المسلمين.
▪ الشاب حسن البنا ذو الاثنين والعشرين ربيعًا
نهض حسن البنا المولود عام 1324هـ - 1906م بالدعوة إلى الله على علم ونور وبصيرة وهمة عالية وعزم قوي، وأسس جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية بمصر عام 1347هـ - 1928م، وظل يجاهد ويدعو إلى أن استشهد عام 1368هـ - 1949م، عند اكتمال رجولته وقمة شبابه عن عمر يناهز اثنين وأربعين عامًا، لكنه ورث العالم جماعة الإخوان المسلمين صرحًا شامخًا أثر في شعوب العالم أجمع حتى يومنا هذا.
فقد استطاع الشهيد أن يكون أكثر من أربعة آلاف شعبة على أرض مصر في المدن والقرى والنجوع، وبلغ عدد الإخوان في مصر مليون عضو.
كما امتدت الدعوة إلى السودان وسوريا ولبنان والعراق والأردن والشمال الإفريقي.
وشارك الإمام بفاعلية في الأنشطة السياسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها على مستوى العالم العربي والإسلامي، ولم يأل جهدًا في العمل على تحرير الشعوب الإسلامية المحتلة على امتداد الساحة الدولية، وكان المركز العام للإخوان المسلمين في القاهرة ملاذًا ومأوى للزعماء المسلمين المضطهدين في بلادهم، حيث وجدوا الرعاية والدعم لقضاياهم من الإمام الشهيد وإخوانه.
ولقد حمل لواء الإسلام الشامل الكامل لكافة أنشطة الحياة المطلوبة لصلاح الدنيا والآخرة، فهو نظام ومنهج وأسلوب حياة وتعامل على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب والدول.
وقام بتربية جيل مسلم ملتزم بأخلاقيات الإسلام، سليم العقيدة متمسك بحبل الله المتين، مجاهد في سبيل الله بكل صور الجهاد المعلومة شرعًا، ثم نشط هذا الجيل- بعد استشهاده رحمة الله عليه-وانطلق بالدعوة الإسلامية الصافية وبالمفهوم الإسلامي الشامل إلى شعوب العالم أجمع، والتحم بمعظم الجماعات العاملة للإسلام على الساحة الدولية فتوجد أسلوب الدعوة بمقتضى الآية الكريمة ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل: 125)، واستقر مفهوم عالمية الإسلام وشموله بين معظم الجماعات العاملة على الساحة، والاستقامة على أمر الله وشريعته، والقناعة بأن يتم الإصلاح عن طريق تربية الشعوب وشحذ إرادتها، ورفع مستواها الفكري والحضاري، ليتحقق التغيير بالوسائل السلمية، إن رسائل الإمام الشهيد وتاريخ حياته في الدعوة وكتاباته الغنية بالفكر المستنير والنظر الثاقب والبصيرة الملهمة لهي خير زاد لأجيال هذا القرن وما يليه ليس فقط للإخوان المسلمين، ولكن على مستوى الداعين إلى الله على امتداد العالم أجمع.
لقد انتهج الوسطية الفكرية والسلوكية والتعبدية دون إفراط أو تفريط، كما استنكر الاعتداء والظلم والإرهاب من أي طرف كان، يستوي في ذلك الأفراد والجماعات والحكومات، وبذلك وضحت دعوة الحق وعدالة الإسلام وشموليته واحترام حقوق الإنسان وتكريمه وإقامة العدل ورفع الظلم عنه، ومقاومة الباغين المعتدين، وأن الشريعة الإسلامية جاءت لتحكم الناس وتقيم العدل والأمن لهم بصرف النظر عن ألوانهم وأجناسهم وعقائدهم، فالإسلام دين العالم والناس جميعًا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107) دين يحمل الخير والمساواة والنور للبشرية جمعاء.
لقد بلغت دعوة الإخوان كافة أطراف المعمورة وأصبح لها وجود فعلي في أكثر من ثمانين قطرًا، وأحدث ذلك صحوة إسلامية رائعة شملت الأقطار الإسلامية والأقليات المسلمة في العال رغم كيد الكائدين ومكر المتآمرين.
ولأسباب كثيرة أهمها عداء اليهود للإسلام والمسلمين وانحياز القوى العظمى لليهود ودعمه لهم بغير حدود على كل المستويات عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، ومنها تحجيم الصحوة الإسلامية بهدف القضاء عليها للمحافظة على أمن (إسرائيل) ومصالحهم، وانضمت إلى هذه الأطراف المعادية فئات ضالة مضلة ممن يتسمون بأسماء إسلامية عن قصد أو غير قصد مقابل ثمن رخيص وعرض زائل، تشكلت جبهة من هؤلاء وهؤلاء وألصقوا بالمسلمين كل نقيصة ورموهم بتهم باطلة وحاصروهم بكل الوسائل ليصدوا عن سبيل الله وليطمسوا نور الله وما هم ببالغيه ووعد الله نافذ ومتحقق والنصر قادم لا شك فيه طال الزمن أم قصر والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ونتيجة لهذه الجهود، فإن شريعة الإسلام تسير حثيثًا نحو الهدف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى- ويقولون متى قل عسى أن يكون قريبًا- لقد خفقت رايات الجهاد في سبيل الله وارتوى ضمير الأمة الإسلامية بروح الفداء والعودة إلى الله والالتزام بآداب الإسلام.
لقد مضى أكثر من نصف قرن على استشهاد الإمام حسن البنا، ودعوة الإخوان المسلمين في صعود وازدهار ملء السمع والبصر في أنحاء الدنيا.
هذا قليل من كثير مما قدمه الإمام الشهيد على مدى عشرين عامًا وهي فترة زمنية تعتبر بكل المقاييس قصيرة في عمر الدعوات والأمم، فهل تجاوز الحد أولئك الذين قالوا إن الإمام الشهيد يعتبر بحق مجدد القرن الرابع عشر الهجري؟
وهل آن الأوان بعد مرور أكثر من نصف قرن على غيابه أن نقيم مؤسسة علمية ثقافية إحياء لتراث البنا؟
مهما أطنبت وأطنب غيري في تعداد مناقب الشهيد البنا، فلن نوفيه حقه، وعزاؤنا أنه شهيد الإسلام، ومأواه الجنة إن شاء الله في صحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
(*) أستاذ جامعي بالأزهر الشريف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل