العنوان افتقاد الشورى، وغياب الشفافية واحترام المؤسسة أدى إلى ما جرى
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 47
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
البروفيسور إبراهيم أحمد عمر - الأمين العام الجديد للمؤتمر الوطني السوداني -:
نسعى للتكامل مع المؤتمر الشعبي، وآمل أن يسود بيننا أدب الخلاف
• خلافتنا لم تكن أبدًا حول تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، وإنما على أسلوب الإدارة.
• سيظل الكتاب والسنة مرجعيتنا، والمشروع الحضاري والدولة الإسلامية هدفنا.
البروفيسور إبراهيم أحمد عمر- الأمين العام المكلف للمؤتمر الوطني، الحزب الحاكم في السودان - رجل مشهور بين الإسلاميين منذ فترة الثانوي والجامعة، وقد تخرج في جامعة الخرطوم كلية العلوم بتفوق، ثم التحق بكلية الآداب، وتخرج فيها بامتياز، وعين معيدًا في الجامعة، وتدرج إلى أن بلغ درجة الأستاذية في فترة وجيزة.
كان نائبًا للأمين العام د. الترابي في فترة من فترات العهد المايوي، ثم رئيسًا لمجلس شورى تنظيم الإخوان المسلمين في العهد الديمقراطي الأخير، إلى أن تفجرت ثورة الإنقاذ، وحل المجلس والحركة بالصورة التي سيوضحها الحوار بعد نجاح الثورة.
البروفيسور إبراهيم مجاهد معروف، واجه النميري أيام سطوته، ولم يتردد في مبايعته بعد إعلانه تطبيق الشريعة، ثم زج به في السجن قبيل الانتفاضة، وبعد زوال عهد النميري ترشح في دوائر الخريجين «المثقفين»، فنال ثقة المثقفين، وحصل على أعلى الأصوات في كل السودان، وبعد الإنقاذ تقلد منصب وزير التعليم العالي، فقاد ثورة التعليم، وأنشئ في عهده عشرون جامعة في الخرطوم والولايات، ثم أخيرًا تقلد منصب مساعد رئيس الجمهورية، إلى أن انتخب أمينًا عامًّا للمؤتمر بدلًا من الدكتور حسن الترابي، واستقال من منصب مساعد رئيس الجمهورية للتفرغ لمنصبه الجديد.
المجتمع التقته وحاورته بصراحة حول تحليله لما جرى، ورؤيته للمستقبل.
الخلافات التي نشبت في المؤتمر الوطني الحاكم مؤخرًا.. هل لها امتدادات قديمة، أم ظهرت فجأة بعد مذكرة العشرة الشهيرة؟
شكرًا لمجلة المجتمع الكويتية التي تكتب عن السودان بموضوعية، أما عن الخلافات الأخيرة وإن كانت قد بدأت على السطح مع مذكرة العشرة أقول: إن المذكرة هي مرحلة من مراحل هذا الخلاف، وكانت الاختلافات معلومة وظاهرة؛ بسبب المؤسسية، وقدمت المذكرة لمجلس الشورى لهذا السبب سبب المؤسسية، ولكن الخلافات في الحقيقة بدأت منذ سنوات، وهي لم تكن كبيرة ولا عميقة، ولكنها كانت بدايات كانت هناك اختلافات عندما شعر بعض الإخوة أن قلة منهم تستأثر بنصيب كبير من السلطات والقرارات، وأن الحركة تدار بشيء من الانفراد، وكانت هناك أصوات تعلو وتخفت في فترات مختلفة؛ لتغيير هذا النهج إلى نهج شوري مؤسسي، ولكن الخلافات تلك لم تأخذ في ذلك الوقت هذا المدى البعيد الذي وصلت إليه مؤخرًا لاعتبارات كان يقدرها الجميع، وهي اعتبارات متصلة بمرحلة الإنقاذ.
لكن عندما تطاول هذا الأمر علت الأصوات مطالبة بألا تدار الأمور هكذا، وأنه ينبغي ألا تكون القرارات الكبيرة المصيرية في أيدي فئة قليلة أو فرد، وينبغي ألا يكون مسار العمل كله محكومًا بنهج الشورى والمؤسسية، ونتيجة للفترة السابقة والتي كانت المبررات فيها أن الإنقاذ ما زالت في مراحلها الأولى، وبناءاتها ما زالت هشة، ظهرت بعض التشوهات الكبيرة في العمل التنظيمي والعمل السياسي، وعندما استمرت الإنقاذ، وتمكنت قليلا أصبح من غير الممكن السكوت على هذه التشوهات؛ لذلك جاءت مذكرة العشرة لتزيل هذه التشوهات، ولتقول: إن الشورى والمؤسسية والشفافية هي لا بد من أن تتحقق في العمل والتنظيم، وهكذا ندرك أن مذكرة العشرة لم تكن البداية ولم تأت فجأة، إنما تمخضت عن كثير مما كان يجري ويقال في الحركة والساحة التنظيمية.
في اعتقادكم، هل الخلافات التي أدت إلى الانفصال والانقسام أسبابها موضوعية؟، وهل كان في الإمكان تفادي ما حدث؟.
بالطبع بالنسبة للحركة الواحدة كان يمكن تفادي ذلك لو أنها التزمت بالموضوعية والشورى في كل مواقفها، والتزم الجميع بالشورى والنظم الصحيحة، والقناعة بأن العمل يحتاج إلى كل منا، ولكن للأسف لم يكن الأمر هكذا، فقد كان كثير من الأمور يدار بصورة فيها استهانة بقدر الدولة، والمحاولة من التقليل بشأن الدولة، وإزالة الهيبة عنها لصالح من ..؟، لست أدري، ولكن هكذا كانت الممارسات التي أدت إلى النتيجة الحتمية بأن يختلف الناس بشدة، ويؤدي إلى هذا الانشقاق، ولكن لو أننا سلكنا مسلكًا آخر، ولو أن قضايانا وخلافاتنا نوقشت بالصراحة والوضوح في إطار المؤسسات وبالعمل الشوري، ولو أن موقفنا من الدولة ومن التنظيم والحركة كان واضحًا لكل طرف، لما كان يتحتم علينا أن نصل إلى هذه النتيجة، والإصرار على أن تدار الخلافات بطريقة فيها الكثير من التجني على البعض، وخاصة في استهداف الدولة التي سعينا جميعًا لبنائها، واستبشرنا كثيراً بقدومها، ولم يكن الانقسام حتمًا، ولكن مسار الخلافات وأسلوب التعامل مع الخلافات أدت إلى هذا الانشقاق.
أراك تتحدث عن الشورى والمؤسسية وكأنك ترمي اللوم على الطرف الآخر على أنه لا يلتزم الشورى والمؤسسية، فهل تقصد اجتماع مجلس الشورى الأخير الذي انتخبت فيه أمينًا مكلفًا للمؤتمر الوطني بدلاً من د. الترابي، وهم لم يلتزموا بقرار الأغلبية، هل هذا هو الذي أدى إلى الانقسام وتكوين المؤتمر الشعبي؟
هذه فقط واحدة من المواقف الكثيرة في أسلوب إدارة العمل في فترة السنوات التي مضت، كيف يتكون المكتب القيادي، كيف تتكون هيئة الشورى في الحركة، وكيف تتخذ القرارات، وكيف يدار النقاش، وكيف يتم تجاوز هذه المؤسسات أحيانًا، وكيف أن قرار هيئة الشورى بأن يكون كل أعضاء المكتب القيادي أعضاء في المجلس القيادي للمؤتمر الوطني عند بنائه لا يؤخذ بهذا القرار، ويصبح مجلس المؤتمر ليس فيه رئيس الجمهورية.
الممارسات الخاطئة في الحقيقة كانت كثيرة جدًّا، لم يلتزم فيها الإخوة بالشورى، وأسفرت عن عدم حضور رئيس الدولة؛ لأنه ليس عضوًا فيها .. تصور!، وهكذا سلسلة من الخطوات، سلسلة من الممارسات، وسلسلة من الإجراءات، منهج لا يلتزم كثيرًا بالشورى؛ ولذلك كانت مذكرة العشرة حرصًا على أن تكون الشورى هي الوسيلة والمنهج لاتخاذ القرارات.
أنتم قمتم كفرد . د حسن الترابي الأمين العام للحركة ، أو كجماعة وأنت كنت رئيس مجلس الشورى، قمتم بحل تنظيم الحركة الإسلامية «تنظيم الإخوان المسلمين الداخلي»، وهي غير الجبهة الإسلامية «الواجهة السياسية للإخوان»، ألا ترى أن هذا الحل للحركة التي جاءت بالثورة قد أدى إلى غياب المرجعية والمؤسسية التي تشكو منها، وكان هذا خطأ كبيرًا ارتكبتموه، وأدى إلى ما حدث؟.
الحل لم يكن قرارًا منفصلًا، وإنما كان معه قرار آخر، وهو أن يبدأ فورًا لبناء الحركة من جديد لمواجهة واقع جديد، وكان الحل نهاية مرحلة وتجديد للحركة في إطار ما تمخض عن قیام ثورة الإنقاذ؛ لذلك في اليوم الذي حل فيه التنظيم السابق كان ينبغي أن نواصل المسيرة الجديدة لبناء التنظيم من جديد؛ ليواكب المرحلة الجديدة، الخلل ليس في الحل بقدر ما هو التباطؤ في بناء التنظيم من جديد؛ لأن المفروض منذ اليوم الأول أن نبدأ في تشكيل الحركة الإسلامية بأعداد مقدرة تتطور وتستوعب كل الأوعية السابقة، وتزيد في إطار الإنقاذ والأوضاع الجديدة التي أتت بقطاعات وشرائح لم تكن معنا، هنا الخلل لم ينفذ القرار كما يجب؛ لذلك شعر كثير من أن غياب الشورى، وغياب المؤسسية، وغياب المنهجية الصحيحة، وغياب احترام المؤسسية وقراراتها هو الذي أدى إلى الخلل وليس قرار تجديد أجهزة قائمة في التنظيم، وبداية بناء جديد.
هذا يعني أن قرار الحل كان مقبولا، ولكن بشرط البدء فورًا في التكوين الجديد لمواكبة المرحلة الجديدة، وقد تأخر هذا البدء، أليس كذلك؟
سارت بخطى بطيئة، وصار وكأنه من اختصاص شخص واحد أو شخصين أو مجموعة قليلة، وكأن التنظيم أصبح يبنى من قبل شخص أو بعض أشخاص في غياب الآخرين، وكأن التنظيم خاص بهم.
في مرحلة من مراحل التطور فتحوا التنظيم على مصراعيه، وأتوا بـ ٧٥% من خارج الحركة، وأبقوا على ٢٥% فقط من أعضاء الحركة في الحركة والدولة، فهل القادمون الجدد كانوا سببًا في الخلاف؟.
لا اعتقد أن القادمين الجدد كانوا سببًا في الخلاف، الخلافات التي حدثت كانت بين الإسلاميين القدامى، أولا بدأ الخلاف عندما أبعد بعض قياداتنا وأقصوا من غير سبب، وطلب منهم الجلوس والابتعاد عن العمل العام الذي تولاه الشباب، فارتفع لهم صوت لماذا يُطلب من الكبار والشيوخ أن يبتعدوا عن العمل؟، ولو كان العمل للشباب وهم قليلو الخبرة، ويحتاجون لتوجيهات الكبار، ثم بعد ذلك كان الخلاف بين مجموعة من القدامى وبين المجموعة العاملة تحت القيادة، ثم كان الخلاف بين المجموعة القديمة من المدنيين والعسكريين، فهي ليست خلافات تسبب فيها من جاء من مايو أو من الشرائح غير الإسلامية، كلا إنما الخلاف كان بين الإسلاميين القدامى.
هذه الخلافات هل كانت خلافات مبادئ وأفكار أم خلافات شخصية؟ وهناك اتهامات لكم بالنكوص عن المشروع الإسلامي؟.
لم يكن الخلاف حول تطبيق الشريعة الإسلامية، نحن في المؤتمر الوطني على ما قمنا عليه من الحرص على الإسلام والشريعة والدولة، التي تطبق أحكام الشريعة والإسلام كمنهج شامل يشمل مناحي الحياة كلها، ولم تكن عن منهج جديد لأصول الدين أو لقيم الدين، وإنما كانت في الطريقة التي تدار بها المؤسسات والأسلوب الذي تتخذ به القرارات، وعن من المسؤول الأول؟، وكيف ينظم العمل في إطار الدولة والحزب؟، هذه كانت الخلافات، صحيح أن الإدارة فكر أيضًا، والأسلوب فكري، فمن هذا الباب يمكن أن تسمي الخلاف فكريًّا، ولكن عندما نقول خلاف فكري، نقصد: أسلوب وطريقة إدارة الحركة، ولا نقصد به ما ظهر في ندواتهم الأخيرة إن هناك نكوصًا عن الشريعة، وليس صحيحًا أننا تخلينا عن الدين وعن المشروع الحضاري الذي تبنيناه ولا عن الدولة الإسلامية التي بنيناها، ولا عن أساس واحد من أسسها وثوابتها، ولا عن منهجها، ولا عن مرجعيتها في الكتاب والسنة، هذا أمر لم يقل به أحد قط، ولم يقل أحد في المجلس القيادي أو مجلس الشورى أو أي موقع من المواقع إننا نختلف حول الكتاب والسنة كمرجعية أو حول تطبيق الشريعة أو الحريات المنصوصة في الدستور، ولا عن الحقوق، إننا باقون على العهد، ولا نكوص إن شاء الله.
حدث ما حدث من الانقسام، فهل في نيتكم وإمكانكم أن تجعلوا ما حدث وسيلة للتكامل والتعاون بدلاً من التراشق بالكلمات، وربما بالطلقات - لا قدر الله -؟.
كانت هذه دعوتنا عندما بدأ هذا الخلاف يأخذ منحى بعيدًا، والحمد لله ليس هنالك اقتتال أو إضراب، وإن كان هناك تثبيط عن الجهاد، وهناك هجوم على الدولة بالذي فيها، والذي ليس فيها، وهناك اتهام أن الناس خرجوا عن الإسلام وعن الشريعة!!.
وكل هذه الاتهامات ليست صحيحة، إذا كانت المعارضة التي قامت إسلامية صحيحة، إذا كانت عفيفة اللسان وموضوعية تتقي الله فيما تقول، وتنقد نقدًا بناء للبناء لا للهدم، فهذا ما نرجو.
الحمد لله، حتى الآن هناك حكومة إسلامية، وهناك دولة إسلامية تلتزم بالإسلام، وهناك معارضة من إخواننا في المؤتمر الشعبي إن شاء الله إسلامية (حزب د. الترابي الجديد)، ولكن بعض الألفاظ والاتهامات يجب ألا تكون على المنحى السابق، ونأمل في المستقبل إن لم يعد الصف كما كان أن نكون حزبين، أحدهما: في الحكومة، والثاني: في المعارضة، نأمل أن يسود بيننا أدب الخلاف الإسلامي حتى نتكامل ونتعاون.
ما الاحتياطات التي اتخذت لتفادي تكرار ما حدث؟
نحن منذ وقع ذلك الاختلاف حرصنا على ألا نعمل عملًا أو نقول قولًا يؤدي إلى التوتر في العلاقات، وحرصنا على ألا نكون سببًا في ظلم أي أحد في الطرف الآخر بهدف احتواء الاختلاف؛ حتى لا يتطور ويمتشق الحسام أو ترفع البندقية، والأمل أن الإخوة في الطرف الآخر أن يكونوا على نفس المستوى والمسؤولية، فلا يؤلبوا ولا يصعدوا الخلاف.
والمؤكد أن الذي حدث محصور في شريحة صغيرة جِدًّا، وأن جل أعضاء الحركة الإسلامية ما زالوا صمام الأمان، وسيظلون إن شاء الله.