العنوان اغتيال أشهر علماء الذرة والكيمياء علنًا في شوارع بغداد
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 79
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 20
السبت 11-يونيو-2005
تقرير أمريكي: علماء العراق أخطر من الأسلحة النووية
منذ الغزو الأمريكي للعراق قبل عامين لا يمر شهر دون أن تنشر وسائل الإعلام العراقية خبرًا على استحياء في ذيل صفحاتها عن مصرع عالم عراقي شهير من علماء العراق الخبراء في شؤون السلاح أو الذرة أو الكيمياء وغيرها في حادث إطلاق نار أو سيارة، أو داخل المعتقلات الأمريكية.
أحد هؤلاء الذين جرى الكشف عنهم قدرًا هو عالم الذرة طالب إبراهيم الظاهر الذي اغتاله مسلحون مجهولون في مدينة بعقوبة في ديسمبر ٢٠٠٤م وهو في طريقه إلى مقر عمله أثناء عبور سيارته أحد الجسور في مدينة بعقوبة، مما أدى إلى مقتله وسقوط السيارة في نهر «خريسان». وكذلك البروفسور في العلوم الكيميائية الدكتور محمد منعم الأزميرلي الذي كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير صحافي مطول نشرته على صفحتها الأولى يوم ٢٤ مايو ٢٠٠٤م أنه توفى «في ظروف غامضة في المعتقل الأمريكي في العراق»، إثر اعتقاله من منزله بعد سقوط حكم صدام حسين حيث كان واحدًا من قائمة ٢٠٠ مطلوب القبض عليهم. وهناك قصص أخرى عن عشرات العلماء والأطباء العراقيين وأصحاب الخبرة والاختصاص في مختلف المجالات العلمية الذين تعرضوا لعمليات اغتيال وخطف من جهات ما زالت مجهولة.
وليس صحيحًا أن مقتل هؤلاء العلماء أو تصفيتهم جاء؛ لأنهم كلهم من المتعاونين مع النظام العراقي السابق أو أنهم راحوا ضحية السرقة أو حوادث كما صورت الأمر قوات الاحتلال الأمريكية، ولكن الأمر نية مبيتة للقضاء على العلماء العرب عمومًا.ففي أواخر أكتوبر 2002م كتب «مارك كلايتون» المحرر في صحيفة «كريستين ساينس مونيتور»، يحذر من العقول المفكرة «التي تقف وراء المخزون العراقي من الأسلحة» حسبما قال, وبعد أن قدم لائحة بعدد من علماء العراق الذين تدربوا في الولايات المتحدة قال: «إن هؤلاء العلماء والفنيين أخطر من أسلحة العراق الحربية لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة», وأضاف: «إذا عاد مفتشو الأمم المتحدة قريبًا إلى العراق، فلن تكون أسلحة الدمار الشامل فقط هي التي سيبحثون عنها, ولكن محاولة إيجاد الأشخاص الذين يعرفون كيف يصنعونها!».
وعدد كلايتون- نقلًا عن خبراء- قرابة 15 من كبار الخبراء النوويين العراقيين قال إنهم تدربوا في الولايات المتحدة ضمن خطة تعليمية كبرى لصدام حسين، ونقل عن «الدكتور كاري» كبير مفتشي الأسلحة السابق في العراق قوله إنه أثناء زيارة قام بها إلى جامعة مشيجان في آن آريور عام ١٩٩٣ اكتشف أنه بعد حرب الخليج، بقي كثير من الطلاب العراقيين ملتحقين بجامعات أمريكية لدراسة الفيزياء والهندسة النوويتين، فأثناء إلقائه محاضرة أمام عدد من طلاب صف التخرج في الهندسة النووية كانوا يملؤون الغرفة, دهش إذ وجد هناك حوالي اثني عشر طالبًا عراقيًّا.
وأوضح كلايتون «أن دراسة جرت مؤخرًا لشهادات الدكتوراه المحصلة في الولايات المتحدة أيدت تلك الملاحظة الشخصية، فقد وجد باحثون في جامعة جورجيا في أتلانتا أنه خلال الفترة من ١٩٩٠ إلى ۱۹۹۹، منحت ۱۲۱5 شهادة دكتوراه في العلوم والهندسة لطلاب من خمس من الدول السبع المصنفة من قبل وزارة الخارجية الأمريكية على أنها دول ترعى الإرهاب تمثل ٢٪ فقط من الشهادات التي منحت لطلاب من مواليد دول أجنبية», حيث نال العراقيون ۱۱۲ شهادة دكتوراه في العلوم والهندسة، ومن هؤلاء كان هناك ١٤ طالبًا فقط يدرسون مواضيع حساسة كالهندسة النووية، أو الكيميائية، أو البيولوجيا المجهرية.
ولذلك عندما قررت الأمم المتحدة إعادة المفتشين الدوليين للعراق «قبل الغزو» سارعت واشنطن لعرقلة عودتهم والإصرار على إصدار قرار جديد لمجلس الأمن «١٤٤١» ينص بوضوح في الفقرة الخامسة على ضرورة سماح العراق للمفتشين باستجواب علماء وفنيين عراقيين, حتى لو تطلب الأمر تسفيرهم هم وعائلاتهم خارج العراق لضمان الحصول على معلومات منهم بأية وسيلة عن برامج التسلح العراقية.
أيضًا كشف جنرال فرنسي متقاعد عقب احتلال العراق عن وجود ۱5۰ من وحدات الكوماندوز الإسرائيلية داخل العراق لاغتيال ٥٠٠ من العلماء العراقيين ممن لهم صلة ببرامج التسلح العراقية الكيماوية والبيولوجية والنووية والصاروخية وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين! وقال الجنرال الفرنسي إن مخطط الاغتيال هذا تم وضعه من قبل مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، وأن لديه معلومات دقيقة بوجود الكوماندوز الإسرائيليين داخل العراق حاليًّا بهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا نواة برامج التسلح الصاروخي والنووي والكيماوي التي أرعبت إسرائيل وعددهم - حسب الجنرال الفرنسي - قرابة 3 آلاف و ٥٠٠ عالم عراقي عالي المستوى من بينهم نخبة تتكون من ٥٠٠ عالم اشتغلوا في تطوير مختلف الأسلحة وهذه النخبة هي المستهدفة من العمليات الإسرائيلية بالدرجة الأولى.
كذلك كشف علماء عراقيون- في نداء استغاثة عبر البريد الإلكتروني- أن قوات الغزو الأمريكية والبريطانية التي لديها كشوف بأسماء وعناوين هؤلاء العلماء تداهم منازلهم وتحقق وتعتقل بعضهم، وتطالبهم بتسليم ما لديهم من أبحاث وأوراق.
كما أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية قائمة تتألف من ٥٢ مسؤولًا عراقيًّا من المطلوبين بينهم عدد من علماء العراق النوويين والبيولوجيين، وشرح البريجادير جنرال فينسنت بروكس في مقر القيادة المركزية في قطر حينئذ أهمية هؤلاء العلماء بقوله إن الولايات المتحدة «لها أهداف أخرى أيضًا غير الإطاحة بصدام، وعلى الأخص القضاء على مقدرة العراق على تطوير أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية.. وما زال أمامنا كثير من العمل الذي يجب أن نقوم به ضمن برنامج القضاء على أسلحة الدمار الشامل»!. وتكشف هذه المعطيات أحد الأهداف الحقيقية للحرب, غير الاستيلاء على النفط العراقي بالطبع، ثم تطور الأمر إلى مطاردتهم على غرار ما حدث للعلماء الألمان عقب الحرب العالمية الثانية وتجنيد من يرغب منهم وقتل من يرفض التعاون.
فقد أرسل عدد من علماء العراق وأساتذة الجامعات نداء استغاثة عبر البريد الإلكتروني أشاروا فيه إلى أن قوات الاحتلال الأمريكي تهدد حياتهم، وقال عدد منهم في رسالة بالبريد الإلكتروني- اطلعت المجتمع على نسخ منها- إنهم أملوا هذه الرسالة لأحد العلماء العراقيين الشرفاء في هولندا بالهاتف عن طريق القمر الصناعي، وطلبوا منه أن يرسلها لكل الجهات المعنية للعمل على إنقاذهم من عمليات المداهمة والتحقيق والاعتقال التي تنفذها ضدهم قوات الاحتلال وتطالبهم خلالها بتسليم ما لديهم من وثائق وأبحاث علمية خصوصًا علماء الفيزياء والرياضيات والكيمياء.
وكشفت الرسالة التي حملت توقيع «علماء الأمة المهددة» أن بعضهم تم تحديد إقامته في بيته ووضع حراسة عليه، وتم منعهم من الذهاب لجامعاتهم ومعاملهم، في حين بدأت مفاوضات مع البعض الآخر من جانب من يعتقد أنهم رجال مخابرات أمريكيون لنقلهم إلى مراكز بحثية غربية لم تحددها الرسالة التي ناشدت العالم إنقاذهم من العدوان الأمريكي عليهم الذي يتعمد طمس العقل العراقي والهيمنة عليه. وأوضحت الرسالة أن قوات الاحتلال تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون بها، مما يسهل لهم عمليات التهديد والتحقيق في ظل غياب كامل لأية سلطة وانشغال العالم بالفوضى الحادثة في العراق.
وأشارت الرسالة إلى أن جنود الاحتلال يشجعون أعمال السلب والنهب, ويقومون بنقل غوغاء على عربات خاصة إلى المؤسسات العلمية، ومنها جامعة الموصل والمعاهد التعليمية، ويستغلون هذه الفوضى في تدمير مراكز الأبحاث ومصادرة كل الوثائق وأوراق المشروعات الأكاديمية الموجودة بهذه المؤسسات لحرمان العراق من أية نواة لنهضة علمية على حد تعبير الرسالة. وقد دفعت هذه الأعمال الأمريكية رئيس هيئة الطاقة الذرية محمد البرادعي لتوجيه رسالة إلى واشنطن يطالبها فيها بحماية معاهد الأبحاث النووية العراقية, ومنع تخريبها أو إخراج مواد نووية منها.
قانون أمريكي لتهجير علماء العراق!
وقد سعت واشنطن بوسائل عدة لتفريغ العراق من كفاءاته العلمية مستكملة خطة صهيونية قديمة لتصفية أي عالم نووي عربي «قتلوا المشد وسميرة موسى وغيرهم!»، ولهذا صدر عام ٢٠٠٢م قانون أمريكي لتهجير علماء العراق قبل الغزو، حيث أقر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون حمل عنوان «قانون هجرة العلماء العراقيين 2002 »، ينص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات «ذات مصداقية» بشأن برامج الأسلحة العراقية, تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة.
وبموجب هذا القانون تم منح وزير الخارجية أو وزير الدفاع الأمريكي صلاحية اقتراح بطاقة إقامة دائمة, من دون المرور بالإجراءات العادية على كل عالم عراقي «يملك معلومات محددة وذات مصداقية عن أي برنامج عراقي من هذا النوع». ويبدو أن الخطوة الأخيرة كانت قتل هؤلاء العلماء ومنع انتقالهم لدول عربية أخرى، خشية أن يطوروا أسلحة هذه الدول ويعيدوا تكرار تجربة العراق وتهديده للكيان الصهيوني بالصواريخ والأسلحة غير التقليدية التي نزعتها الأمم المتحدة.
وقد أصر المسؤولون الأمريكيون على عدم الاكتفاء بالتدمير المادي للأسلحة العراقية أو الآلات التي تنتجها, بل الذهاب إلى مدى أبعد والعمل على وضع تقويم للمعارف والخبرات التي طورها العراق في هذا الميدان، وهو ما عبر عنه رئيس بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العراق جاك بوت بكل وضوح ودون مواربة حين قال: «يجب أن نحدد ما إذا كانت توجد قدرات نووية أم لا!؟ وبالنسبة لي فإن ذلك يشمل العقول والأسلحة»!؟. كما دعا الكاتب الأمريكي توماس فريدمان- قبل الغزو- لتفعيل خطة استجواب علماء عراقيين وتهريبهم مع عائلاتهم لو أمكن للخارج للحصول منهم على معلومات عن أسلحة العراق بدلًا من تضييع الوقت في ضرب العراق واستنزاف تكاليف للبحث عن هذه الأسلحة.
ضياع رأس مال العراق العقلي
وربما لا يدرك الكثيرون أن تكلفة تدريس وتخريج طالب كلية الطب في العراق بلغت أكثر من ١٥ ألف دينار عراقي في السبعينيات أي حوالي 45 ألف دولار، أي أن وجود أكثر من ۲۰۰۰ طبيب عراقي يعملون في مستشفيات بريطانيا الآن على سبيل المثال كلف خزينة الدولة أكثر من ١٠٠ مليون دولار. أما تكلفة علماء الذرة والكيماويات والبيولوجي فهي لا تقدر بمال، ويكفي أن واشنطن بدأت خططًا لمنع تدريس طلاب الدول العربية مواد علمية متقدمة مثل الذرة والفضائيات والهندسة النووية. تصفية علماء العراق نموذج واضح بالتالي لكيفية التعامل المطلوب مع علماء العرب النابغين في مجالات علمية تقدمية مهمة، وهو نموذج مكمل لعملية إغراء وخطف العلماء الآخرين بالترغيب للعمل في خدمة دول الغرب ولصالحها دون العالم العربي والإسلامي!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل