; الحس الديني ليس أمرًا عرضيًا | مجلة المجتمع

العنوان الحس الديني ليس أمرًا عرضيًا

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006

مشاهدات 75

نشر في العدد 1684

نشر في الصفحة 66

السبت 07-يناير-2006

إن نزوع الإنسان إلى الخلود وامتداده إلى عالم الغيب، وتشبثه -بالتالي- بالأديان التي تتجاوز به دوائر المنظور والملموس وحواجز الغرائز والشهوات، مركزة جميعًا في فطرتنا محفورة في تكويننا، وليس كما يرى الماديون أنها محاولة بورجوازية لإسكات الجائعين وتخديرهم بالوعد بجنة أخرى موهومة غير جنة الأرض التي يتنعم بها المالكون، لأن هذا النزوع الغيبي- الديني سبق في التاريخ ظهور الطبقات وتحكم المالكين بالذين لا يملكون، وليس كذلك ما يراه تلامذة «فرويد» من أنها محاولة يغطي بها الإنسان على عقدة «أوديب» التي تدفعه إلى كراهية أبيه فيتحول بهذه التغطية إلى عبادة أبيه، وإلا لكانت عقدة «ألكترا» تسوق النساء إلى عبادة إلهات مؤنثة، وليس إلهًا يند عن هذا التقسيم البشري النسبي الزائل.

إن النزوع الديني ليس هذا أو ذاك، إنه أسبق وأعمق وأشمل من أي تفسير يريد أن يرده إلى مقولة نسبية مسبقة لكي يرغمه على الانسجام مع معطياتها، الأمر الذي نجده بارزًا في مناهج الغربيين التي تتضخم في انفعاليتها وتعميميتها إلى حد الورم الذي لا يخبئ وراءه شيئًا ذا قيمة.

إن القرآن الكريم يحدثنا بشموله وواقعيته المعهودة عن هذه المسألة، ويردها إلى لحظة الخلق الأولى، حيث هذا التقابل الفعال بين الموت والخلود، بين الفناء والبقاء ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ (طه: 120)، ونحن نعرف جميعاً ماذا كانت النتيجة، ألا يحصل آدم على الخلود إلا بعد اجتياز تجربة العمل والاختبار وإثبات الوجود في الأرض، والتي لابد لها من نهاية، وإلا فقدت مبرراتها أساسا، ويجيء الموت بمثابة إنهاء للتجربة، كي يهيئ الإنسان بعدها للحساب العادل على ما قدمت يداه هناك.

وهكذا يبرز «الموت» قيمة إيجابية فاعلة في تاريخ البشرية، وتحديًا خطيرًا يضع الإنسان دائمًا في مواقع التوتر والرد والفعل والإبداع، أكثر من هذا، أنه يعيده إلى فطرته الأصيلة وتكوينه الذاتي لكي لا يركن إلى حواسه وغرائزه وحدها فيطفو على السطح، ولكي يتذكر دائمًا أن هنالك قوى أخرى، وامتدادًا يتجاوز القريب الملموس إلى أفاق الغيب، وهو «التذكر» الذي كان بمثابة «التذكرة» لركوب قطارات الأديان وهي تشق الطريق الطويل إلى الأمل الإنساني العميق البعيد الخلود، تلك المسيرة التي تغطي مساحات شاسعة من تاريخ البشرية التي يمثل إنكارها وتجاهلها أخطر تزييف في محاولات تحليل وقائع هذا التاريخ.

والقرآن الكريم الذي يسعى دائما إلى طرح «المواقف» من كافة زواياها وأبعادها، يبين لنا في أكثر من موضع أنه ليس الموت وحده، هذا الخوف الأكبر، هو الذي يعيد الإنسان الذكي البصير إلى فطرته، ويمنحه التذكرة، إنما هنالك مخاوف أخرى عديدة وتحديات طبيعية واجتماعية متنوعة تساعد في خلق هذا التوتر الديني الذي يستمر ويزداد تألقًا لدى الذين يقدرون على تفتيت رنين قلوبهم، وكسر قشرة الصدأ المحيطة بعقولهم وأفئدتهم، بينما يغور ويختفي مرة أخرى بمجرد زوال الخطر القريب لدى الذين لا يزالون يتحركون ببطء عند حدود الملموس والمنظور، تمنعهم غرائزهم وشهواتهم الهابطة عن رؤية فطرتهم على حقيقتها، ومد مواقفهم النسبية إلى كليات الإيمان الشاملة التي جاء بها الدين لكي يتجاوز بالإنسان الواقع إلى ما وراءه، والطبيعة إلى الغيب، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا (68) أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا (69)﴾ (الإسراء: ٦٧- ٦٩)، ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: 33).

ومهما يكن من أمر فإن الحس الديني كامن في نفوسنا، تفجره لحظة الصفاء والتأمل والانسجام، تمامًا كما تبرزه واضحًا لحظات الأخطار والمخاوف والأحزان، وهو حس يمكن أن نرده إلى حاجة الإنسان الأبدية العميقة إلى قوة أكبر من قوته المحدودة الزائلة، ينتمي إليها ويحتمي بها في مواجهته للعالم والطبيعة والتاريخ، وما أكبر المساحة التاريخية التي يغطيها هذا «الحس» في امتداده وارتداده على السواء.

الرابط المختصر :