العنوان اعتقال د. سامي العريان.. أم استهداف الإسلام؟
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 110
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 38
السبت 22-مارس-2003
أمريكا: هل هي نهاية حلم؟
كثير من المسلمين في أمريكا والناشطين من أصول فلسطينية بدأ يراودهم هاجس الرحيل عن أمريكا!
لا يكاد المرء يُصدق ما يسمع ويرى، فقد جاء اعتقال د. سامي العريان واتهامه بالإرهاب صدمة موجعة لكل الذين عرفوه وتعاملوا معه عن قرب من عرب وعجم، فالدكتور سامي من أطهر وأنبل رجالات الجالية العربية والإسلامية، تشهد له الأوساط الأكاديمية بالنباهة والجد.. وكانت له تحركاته الواسعة مع مؤسسات واتحادات دعاة الحقوق المدنية ولقاءاته المتكررة ببعض أعضاء الكونجرس الأمريكي بهدف حشد التأييد لرفض وإلغاء قانون الأدلة السرية.. ذلك القانون الذي عانت من جراء تطبيقاته أشد المعاناة شخصيات مرموقة من جاليتنا العربية والإسلامية، وعاشت بسببه في حالة من الفزع والقلق.. ولعل جهود د. سامي العريان وآخرين أثناء لقاءاتهم الرئيس جورج بوش – إبان حملته الانتخابية – هي التي دفعت الرئيس ليقول خلال مناظرته مع آل جور بانه سيعمل - إذا ما تم انتخابه – لإلغاء هذا القانون.
د. سامي العريان من أبعد الناس عن مثل هذه الاتهامات التي ألصقتها به وزارة العدل الأمريكية... لن يصدق هذه الاتهامات أحد سبق له الالتقاء أو التعرف على د. سامي العريان عن قرب أو حتى سمع به عن بعد، فالرجل سيرته حميدة وذكره تطيب به المجالس، وما يعرفه الناس عنه أنه رجل غيور على دينه وقضية شعبه في فلسطين، فهو صاحب همة ومسكون بهموم أمته العربية والإسلامية. وإذا كانت هذه تهمة يحاسب عليها أكاديمي أعطى عمره وعلمه – بكل صدق وتفان وإخلاص – إلى البلد الذي تعلم فيه، ووطن نفسه على البقاء فيه خدمة لمصالح الجالية العربية والإسلامية، فإن هذه التهمة ستبقى عارًا على أمريكا وشعاراتها الإنسانية، ومهزلة لا تليق بها... إنه لشيء محزن حقًا أن يصل الحال إلى هذا الدرك الهابط من الممارسات اللاإنسانية، فالحرية والديمقراطية واحترام الحقوق الإنسانية التي طالما تغنت بها أمريكا، وباهت بها العالمين في السبعينيات والثمانينيات، أصبحت اليوم محل شك وعجب وتساؤل!!
من د. سامي العريان؟
تعود معرفتي بالدكتور سامي العريان إلى أواخر السبعينيات عندما كنت طالبًا بجامعة الأزهر – كلية الهندسة، وكان محل سكني في نفس الحي الذي تقيم فيه أسرته بمدينة نصر بالقاهرة.. وقد التقيته مع عدد كبير من الطلبة الفلسطينيين في جلسة استمرت قرابة ثلاث ساعات، جاء فيها يحدثنا – بانشراح – عن أمريكا، وكان في حديثه إشادة بالفرص المتاحة للدراسة والعمل فيها، وبأجواء الحرية المتاحة بشكل واسع للتحرك والنشاط، وتحمل البشرى بمستقبل زاهر للإسلام والمسلمين في هذه القارة. كان حديثه ممتعًا وشيقًا وإن كان يحمل في طياته بعض الأسى والهموم جراء الخلافات التي كانت تدور بين الطلاب العرب والمسلمين في الجامعات الأمريكية حول قضايا مذهبية، والموقف من الثورة في إيران.. وهذه إشكالية للأسف لم تكن غائبة أيضًا حتى عن نقاشات الطلاب في الجامعات المصرية فالمكر الرسمي جعل من هذه القضية الخلافية مشغلة قاتلة يتلهى بها جيل الصحوة الإسلامية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
منذ ذلك اللقاء في القاهرة تعلق قلبي بأمريكا وبحب القدوم إليها للدراسة، والتمتع بأجواء الحرية ومستويات التطور والتقنية التي كانت حلمًا ومطلبًا للغالبية في الشرق العربي والإسلامي, وقد شاعت إرادة الله أن نحصل - بعد عدة سنين – على منحة دراسية من دولة الإمارات العربية المتحدة لاستكمال التحصيل العلمي ونيل درجة الماجستير والدكتوراة بالولايات المتحدة.. وفي أمريكا التقينا مرة أخرى الدكتور سامي، وإن كنت لا أتذكر تاريخ أول لقاء رأيته فيه، ولكنه كان لقاء من أجل فلسطين، ويهدف تفعيل دور الجالية العربية والإسلامية، وتنظيم وجودها ودعمها لقضية أهلنا في الوطن المحتل.. إن ما يحضرني الآن هو أن هذا اللقاء كان في شيكاغو وتم تحت مظلة الاتحاد الإسلامي لفلسطين، وكان الاتحاد - آنذاك – وليدًا ولكنه جمع في قيادته شخصيات ورموزًا فلسطينية مثل البروفيسور إسماعيل الفاروقي – يرحمه الله – والدكتور على مشعل، والشيخ محمد الحانوتي والدكتور سامي العريان وآخرين.. وكان د. العريان من بين المتحدثين وأصحاب المبادرة بأن يكون الاتحاد الإسلامي لفلسطين هو مظلة عملنا الفلسطيني للتحرك بشفافية ووضوح وسط جاليتنا العربية والإسلامية، والتنسيق مع باقي المؤسسات والجمعيات والمراكز الإسلامية العاملة على الساحة الأمريكية، والاستفادة من مساحات الحرية التي تسمح بها القوانين والتشريعات، ويكفلها الدستور الأمريكي.
لقد كان د. سامي طاقة إعلامية هائلة وبدأ عمله مع الاتحاد الإسلامي بإصدار مجلة طريق فلسطين باللغة العربية، وكانت متميزة في موضوعاتها وإخراجها، ثم بعد ذلك أصبح رئيسًا لتحرير مجلة المعرفة Inquiry الصادرة باللغة الإنجليزية عن لجنة فلسطين الإسلامية. كان ماكينة عمل لا تهدأ، وكانت آراؤه وطروحاته جريئة ورائدة، وجلساته تشعرك بأنك لا بد أن تتحرك وتعمل، فلا أحد يمكن أن يتفلت من المسؤولية، أو يتهرب بالأعذار الكل مطلوب منه عمل شيء، ومجالات العمل كثيرة تستوعب كل الطاقات والهمم.
لقد كان للدكتور سامي وبعض الناشطين من جيل الرواد الأوائل على ساحة العمل الإسلامي فلسطين – أمثال الشيخ الحانوتي، والدكتور على مشعل والشيخ جمال سعيد، والدكتور موسى أبو مرزوق والدكتور عمر الصوباني وآخرين – فضل كبير في تحريك وعي الجاليتين العربية والإسلامية بالقضية الفلسطينية، وجعلها على رأس الأولويات في قائمة العمل العربي والإسلامي على الساحة الأمريكية، وخاصة عندما انطلقت الانتفاضة الفلسطينية المباركة في الثامن من ديسمبر ۱۹۸۷م قد كان للجهد الكبير الذي قامت به مؤسسات إسلامية فلسطينية مثل الاتحاد الإسلامي لفلسطين ولجنة فلسطين الإسلامية أبلغ الأثر في استمرار الانتفاضة، وتعزيز صمود أهلنا بالأرض المحتلة..
لقد كان للمظاهرات والاعتصامات والمهرجانات التي دعت إليها وحركتها المؤسسات الفلسطينية الإسلامية، وتجاوبت معها قطاعات عريضة من العرب والمسلمين الأمريكيين، أصداء واسعة في الشارع الأمريكي، الذي بدأت تظهر عليه حالة من التعاطف الإنساني مع معاناة الشعب الفلسطيني تؤثر فيه، حيث كانت المشاهدات اليومية على شاشات التلفاز تستنهض فيه همة التحرك والمشاركة مع الجهود العربية والإسلامية لوضع حد للكارثة الإنسانية التي طالت هذا الشعب الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي العسكري، وتطالب برفع الظلم الواقع عليه جراء هذا الاحتلال.
لقد كان د. العريان في قلب هذه الأحداث، وفي عين العاصفة كما يقولون كتلة من الهمة والنشاط وشعلة من الوعي والتفاني.. فكانت المؤتمرات التي احتشد إليها آلاف الطلاب من جنسيات عربية إسلامية مختلفة تهتف كلها من أجل فلسطين وشعب فلسطين.
لا شك أن حجم المأساة الفلسطينية وعظم الجريمة الصهيونية، وصور الأطفال تطاردهم الدبابات بمدافعها الرشاشة، ومشاهد الجرافات الإسرائيلية وهي تقتلع الأشجار والبيوت قد جعلت كل مسلم يهتف من أعماق قلبه تسقط إسرائيل، والموت لإسرائيل.. ويتمنى كل من كان في قلبه ذرة من إيمان ورجولة أن يفعل أكثر من هذا الهتاف لنجدة فلسطين وأهلها... وكان في مساحات الحرية المتاحة للتعبير فسحة لأن نعبر من غضبنا بكل ما تسمح به قوانين البلاد التي أصبحنا جزءًا منها، والديمقراطية فيها تمنحنا الكثير من الحقوق لم نتجاوزها ولم نخرج عنها.. كانت الأنشطة كلها في العلن وعلى المكشوف وبلا تردد أو خجل.
لم يكن يخطر ببال د. العريان ولا غيره ممن كانت فلسطين سكنًا لهم، أن يأتي هذا اليوم الذي قلب لهم فيه هذه البلاد ظهر المجن، وتحاسبهم على مركبة في فضاء منحته لهم.. من كان يصدق أن أمريكا التي هاجر العالم كله إليها طلبًا للحرية هربًا من الاضطهاد على فترة تجاوزت القرنين من الزمان، تتحول بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبتحريض من قوى يهودية صهيونية – إلى دولة يحاسب المرء فيها بأثر رجعي على حركاته ونشاطه في فترات وعقود سابقة؟!
لا يمكن أن تكون هذه أمريكا التي عرفتها شعوب العالم، وكانت الأحلام تراودها في الهجر إليها والتماهي فيها.
هل يمكن أن تتحول أمريكا صاحبة أوسع موسوعة من المبادئ والقيم الإنسانية في الحرية والديمقراطية والحقوق المدنية إلى دولة قهر واستبداد بوليسي..؟ هل تصبح أشبه بدول العالم الثالث والاتحاد السوفيتي إبان عهد ستالين حيث كانت تتحكم أجهزة الاستخبارات والأمن السياسي في جميع أنشطة الحياة العامة والخاصة، وكان المرء لا يأمن على نفسه وعورته من العيون المراقبة والمتابعة له حتى في غرفة نومه، وإذا طلع النهار عليه حمد الله أن أنجاه من غارات الليل وزوار الفجر؟
الأصابع الصهيونية خلف الاعتقال
إن الكثيرين من المسلمين في أمريكا بعد هذه المداهمات والاتهامات المتكررة للمؤسسات الإسلامية والناشطين المسلمين من أصول فلسطينية، بدا يراودهم هاجس الرحيل عن هذه البلاد، والهجرة من جديد إلى أماكن أخرى ووطن بديل مثل كندا والبرازيل أو بلاد أخرى لا يلاحقون فيها بجريرة أنهم خصوم «إسرائيل».
إن أمريكا بسياستها المؤيدة للعدوان الإسرائيلي على العالمين العربي والإسلامي، خلقت حالة من العداء والحقد والكراهية لها غير مسبوقة بين شعوب المنطقة، وبدلًا من أن تستثمر أمريكا وجود الملايين العرب والمسلمين لإصلاح علاقتها بشعوب المنطقة والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فيها، نجدها تتعدى من خلال أجهزتها الأمنية على هذه الجالية بالإساءة والإهانة، رغم أن هذه الجالية وقفت بجميع قياداتها ومؤسساتها معها، وشجبت الإرهاب وأصدرت البيانات التحذيرية من محاولة استغلال الإسلام لتبرير أعمال التطرف والإرهاب.
لقد شجب الدكتور العريان الإرهاب من على شاشات التلفاز، وخلال العديد من المحاضرات وفي المساجد والمراكز الإسلامية، وعبر هاتفه النقال.. المراقب ليل نهار ولكن يبدو أن كل هذا لم يشفع له.. وكان هو بعد ذلك ضحية لتآمر القوى الصهيونية التي استغلت هستيريا الحادي عشر من سبتمبر للتخلص من الناشطين الإسلاميين، وخاصة الفلسطينيين منهم.
لقد بدأت هذه الحملة من التحريض والتشويه والملاحقة منذ أوائل التسعينيات بهدف القضاء على كل جهد إسلامي أمريكي لدعم قضية فلسطين، وقد نجحوا في مساعيهم تلك، حيث تم إغلاق العديد من المؤسسات الخيرية مثل مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية ومؤسسة النجدة العالمية ومؤسسة البر الدولية وجمعية عن المحتاجين... والآن هم بصدد ملاحقة كل عمل تدخل في تركيبته فلسطين. هذه الحملة التحريضية لن تقف عند اعتقال د. سامي العريان، فهناك ملفات أخرى يجري تحضيرها بالتعاون مع الموساد وأجهزة الأمن الإسرائيلية، لإدانة واتهام مؤسسات عربية وإسلامية أخرى.
خاتمة وتعقيب:
لأخي وصديقي د. سامي العريان للأب الذي أحسن إعداد أسرته وتعليم أبنائه فكانوا طلابًا في أرقى الجامعات الأمريكية مثل جورج تاون للرجل الذي كان لنا خير مثال وقدوة في شجاعته وطموحاته الدعوية والحركية لرائد حركة الإصلاح على الساحة الأمريكية، المعلم الذي وعى مبكرًا دوره الرسالي، وظل وعيه حاضرًا بالتحديات والمشكلات والهموم التي تعيشها جاليتنا العربية والإسلامية وكانت خطاه هديًا للسائرين على درب الإسلام وفلسطين، للأخ الذي اختلفت معه حول أولويات العمل الفلسطيني وكان بيننا جدل طويل حولها في منتصف الثمانينيات، ولكنه كان لي نعم الأخ القريب والحبيب على مدار كل تلك السنين، ما غاب احترامي له، وكانت إشادتي به – بظهر الغيب – لا تنقطع ولا تغيب.. إنه أمة في رجل، وأحد أبرز رواد العمل الإسلامي لفلسطين على الساحة الأمريكية، وواحد من جيل الرجال الذين خطوا الصعاب لتعيش فلسطين وأهلها بعزة وكرامة، وحملوا قضايا الجالية العربية والإسلامية، وتحركوا مع الجميع وفي مختلف المحافل الأمريكية لحمايتها والدفاع عنها إلى أخي سامي مانديلا المسلمين في أمريكا لن نتخلى عنك، حتى ونحن نعيش في الزمن الصعب، وتطاردنا الابتلاءات والمحن والهواجس والكل فينا خائف يترقب، فأنت لنا البسمة في وجه الردى، واعلم أخي وأستاذي أن الثبات في المحنة هو معراج المؤمن إلى الآخرة وعليين.
أخي سامي: إن تهمتك أنك فلسطيني من أرض الحمى، وإن ذنبك أن جهدك بالمعالي قد سما، لقد كنت عظيمًا في همتك ونشاطك، وستبقى لنا رمزًا عظيمًا في سجنك واعتقالك، وستخرج – بإذن الله – عظيمًا فلا يرهبنك كيد من أرادوا تغييبك في السجون، وتضييع تاريخ نضالاتك بالاتهامات والظنون، ستبقى أكبر من كيدهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين إنك في معية الله والله ناصرك ومعينك، وما هذه الخلوة في السجن إلا الابتلاء الأخير إن شاء الله، وحسبك الله، فأنت في العيون أهل وقدوة وشجون.. وتذكر أبا عبد الله سيرة أولئك العظام الذين سبقوك في تاريخ أمتنا المجيدة، فأنت – إن شاء الله – صفحة ناصعة من هذا التاريخ، والله يحفظك ويرعاك.