العنوان اعترافات زوج.. الزوجة الطفلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1993
مشاهدات 29
نشر في العدد 1047
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 27-أبريل-1993
بعد وفاة والدي انشغلت بتدبير أمر الثروة الطائلة التي تركها لنا ولأنني الأكبر في إخوتي فقد كانت أمي تعتمد عليَّ اعتمادًا كبيرًا، مما دفعني بالتالي إلى تأجيل مشروع الزواج حتى تستقر الأمور.
مرت السنوات وتزوج جميع إخوتي
وأخواتي، كل منهم انشغل ببيته وأطفاله، وظللت أنا وحيدًا بلا زوجة رغم أنني قد
تجاوزت الأربعين.
خلا البيت الكبير ممن فيه من إخوتي
وبقيت وحدي مع أمي المريضة أرعاها وأعتني بها، وقد رغبت كما يرغب كل شاب في تكوين
أسرة وأن يكون لي أطفال يملأون حياتي بهجة، ولم أجد مبررًا لتأجيل أمر زواجي أكثر
مما أجلته فصارحت أمي برغبتي، ولدهشتي لم أجد منها ترحيبًا كما توقعت وإن كانت في
نفس الوقت لم تبد اعتراضًا.. لست أدري لماذا خيل إليَّ أن أمي ترغب ببقائي عزبًا
إلى جوارها طوال العمر!
راحت أمي تبحث لي عن عروس مناسبة،
وكنت أظن أن هذا الأمر لن يستغرق سوى فترة بسيطة، لكن الفترة طالت ومرت الشهور
وأمي لا تزال تبحث عن تلك العروس التي تليق بي حسبًا ونسبًا.
أصرت أمي على ألا يزيد سن العروس عن
العشرين عامًا، ولم يعجبني إصرارها هذا، فهذه السن ليست مناسبة لي وأنا الذي أقترب
من الخمسين، لكن أمي أصرت ولم أملك إلا الرضوخ أمام إصرارها.
قامت أمي تقنعني بوجهة نظرها: «من
حقك أن تقترن بعروس صغيرة في السن تعوضك عن سنوات عمرك الماضية»، قلت لها في شك:
«لكن يا أمي من هذه العروس الصغيرة التي تقبل بكهل مثلي؟ إنك تضعين شروطًا
تعجيزية.. تريدينها صغيرة وجميلة وذات حسب ونسب!».
قالت في ثقة: «أنت تستحق كل ذلك.. ثم
إنك ثري والمرأة ضعيفة أمام إغراء المال!».
لم تكن أمي صائبة في توقعاتها فكل
فتاة كانت تختارها لي كانت ترفض، وكان سبب الرفض في كل مرة هو كبر سني ولم تشفع لي
ثروتي في ذلك الأمر كما توقعت أمي!
طالت رحلة البحث عن العروس الموعودة
ومرت سنوات وسنوات حتى جاوزت الخمسين وأمي مازالت على نفس شروطها، حتى تسرب الملل
واليأس إلى نفسي وازددت يقينًا بأنها لا تريد تزويجي؛ لذلك تبحث لي عن عروس صغيرة
السن لأنها تدرك يقينًا أن مثل هذه العروس سترفضني، لذلك فقد صارحتها ذات يوم ساخطًا:
«أنت لا تريدين تزويجي يا أمي هذا كل ما في الأمر».
انزعجت أمي من صراحتي وقالت بأسى:
«كيف تتهمني بهذا يا ولدي»، قلت بألم شديد: «لقد مرت سنوات وأنت تبحثين عن هذه
العروس المزعومة دون جدوى، لا أدري سبب إصرارك على أن تكون صغيرة السن وقد تزوج
إخوتي جميعهم من فتيات تجاوزن العشرين».
قالت بثقة: «إنني أريد سعادتك يا
ولدي».
قلت منفعلًا: «لم أعد صغيرًا يا أمي،
وسنوات عمري تمضي لن أجد سعادتي مع فتاة صغيرة جدًا، وأي بأس إذا ما تزوجت فتاة في
الثلاثين؟»
شهقت أمي فزعة: «يا إلهي.. تتزوج
فتاة في الثلاثين! لن تكون مناسبة لك، ستكون كبيرة جدًا!»
قلت ضاحكًا: «اطمئني يا أمي سيكون
فرق السن بيني وبينها عشرين عامًا».
لم تقتنع أمي بوجهة نظري، ولم أستطع
بدوري إقناعها رغم توسلاتي ومضت تكمل رحلة البحث عن العروس وفي كل مرة كان يزداد
رقم الفتيات الرافضات، حتى إنني صرت أفكر جديًا في الإقلاع عن فكرة الزواج!
وكان يوم جاءت أمي فيه مستبشرة
أخبرتني أنها عثرت أخيرًا على العروس المناسبة، فتاة في العشرين، جميلة ومن عائلة
ذات حسب ونسب.
سألتها في تردد: «هل أخبرتها عن
سني؟»
قالت في ثقة: «نعم.. هي وأهلها
موافقون.. ألم أقل لك إن ثروتك الكبيرة سيسيل أمامها اللعاب».
تم الزواج بسرعة، فقد كان يكفيني ما
ضاع من سنوات العمر، لقد كنت سعيدًا بالتخلص من قيد العزوبية الذي ظل ملازمًا لي
فترة طويلة من حياتي.
لم تطل سعادتي بهذا الزواج كثيرًا،
فبعد أشهر قليلة وبعد أن عرفت زوجتي جيدًا، أدركت أنني قد تزوجت طفلة، أي والله
طفلة في تصرفاتها وتفكيرها وميولها.
كانت في العشرين من عمرها، لكن
الناظر إليها كان يعتقد أنها أصغر من ذلك بكثير، كانت باختصار فتاة تنقصها
الرزانة، ورغم أن العديد من النساء قد يتزوجن في مثل هذا العمر، إلا أنني كنت أشعر
أنني تزوجت طفلة ليس لها من هم سوى اللهو، كانت تتعامل معي وكأنني طفل آخر تريد أن
تلهو معه، وحين كنت أذكرها بسني وأنه لا يليق بي كذا وكذا، كانت تضحك مني ساخرة
وتصر على مطلبها، مثل الطفلة المدللة التي تصر على مطالبها من والدها.
حاولت أن أعدل من سلوكها نوعًا ما،
أن أطعم طباعها بشيء من الرزانة التي أراها في زوجات إخوتي، فقد كانت تصرفاتها
الطفولية تسبب لي حرجًا كبيرًا، لكن كل محاولاتي معها باءت بالفشل.
كانت المنازعات بيننا تثور لأتفه
الأسباب، فقد كانت كما ذكرت الطفلة المدللة التي لا تحتمل أن يرد لها طلب!
كانت تشعرني أنها قد تكرمت عليَّ حين
وافقت على الزواج من شيخ كبير مثلي، خصوصًا وهي تعلم عدد الفتيات اللواتي رفضن
الزواج مني قبلها.
لقد شعرت أنها تزوجتني لثروتي، لا
لسبب آخر، ولست ألومها في ذلك فلست من حملة الشهادات أو الشخصية اللامعة، كل ما
أملك في الحياة هو ثروتي الطائلة، ورغم أنني كنت أحاول تلبية مطالبها المادية
العديدة، إلا أنها تجاوزت حدود المعقول كثيرًا، وصارت تنظر إليّ كقطار يوصلها إلى
المحطة التي تريدها، وهي اللهو ولا شيء غير اللهو!
لم أحتمل تلك الحياة مع مثل هذه
الزوجة اللاهية العابثة، لقد أصابتني خيبة أمل مريرة، أبعد كل ذلك الصبر والانتظار
يكون هذا نصيبي من الزواج!
لم يطل ترددي كثيرًا فقد طلقتها قبل
أن ينقضي العام الأول لزواجنا رغم اعتراض أمي وسخطها، لكنني لم أبال باعتراضاتها،
فهي السبب الأول في هذا المقلب!
لم تبال برغباتي وشروطي، طلقتها وأنا
غير آسف عليها، فمثل تلك الزوجة الطفلة لا يأسف عليها شاب صغير، فكيف بكهل مثلي قد
حنكته تجارب الحياة ويرغب بالراحة والاستقرار في أواخر أيامه!
كانت مسألة الطلاق مفاجأة كبرى
لزوجتي التي ما تصورت أنني سأقدم في يوم ما على هذه الخطوة الجريئة، وهي التي كما
ذكرت قد أنعمت عليَّ حين قبلت الزواج مني!
بعد الطلاق بفترة قصيرة أخبرت أمي
أنني سأبحث هذه المرة عن زوجة مناسبة بنفسي، لأنني لم أعد أثق في اختيارها.. وعن
طريق أحد أصدقائي الأوفياء وفقني الله لزوجة طيبة تجاوزت الثلاثين من عمرها.. شرطي
الأول كان العقل والرزانة، وهذان بحمد الله قد توفرا في زوجتي الثانية التي عوضتني
عن معاناتي مع زوجتي الأولى.
أنا اليوم سعيد بهذه المرأة الصالحة
وقد ازدادت سعادتي حين رزقني الله تعالى الولد منها.
أمي وافقت على هذه الزوجة على مضض
فهي حسب رأيها من عائلة ليست ذات حسب والأهم من ذلك أنها كبيرة في السن، غير أن
تلك الاعتراضات من أمي قد تلاشت مع مرور السنوات حين رأت من خلق زوجتي ورزانتها ما
أعجبها وقد اعترفت لي مؤخرًا: «لقد كان اختيارك أفضل من اختياري».
زوج
اقرأ أيضًا:
من الحياة.. كيف تجعلها رحلة سعيدة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل