العنوان اعترافات أمريكية صريحة بالتدخل في السودان والسعي لإسقاط حكومته
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
في مؤتمر معهد الولايات المتحدة للسلام بواشنطن عن
«الدين والقومية والسلام في السودان»:
مدير الشؤون الإفريقية في مجلس الأمن القومي: نسعى لفرض عقوبات على السودان ونضغط لطرده من صندوق النقد الدولي.
كانت التوجهات الإسلامية لحكومة السودان موضوع هجوم شنه مسؤولون وخبراء أمريكيون وأفارقة في مؤتمر نظمه معهد الولايات المتحدة للسلام الذي يتلقى تمويله من الكونجرس الأمريكي يومي السادس والسابع عشر من شهر سبتمبر الجاري بعنوان «الدين والقومية والسلام في السودان».
فقد أشار جون بريندير غاست -أحد المسؤولين في مجلس الأمن القومي الأمريكي التابع للبيت الأبيض ومدير الشؤون الإفريقية فيه- إلى عواقب الوضع الراهن في السودان على السياسة الخارجية الأمريكية، مؤكدا مصلحة الولايات المتحدة في الإطاحة بنظام الحكم الإسلامي القائم في السودان، وقال: إن الولايات المتحدة لا تقصد تشويه صورة الإسلام «بإبراز الصورة الشريرة للإسلام أو الأسلمة أو الأصولية الإسلامية، بل إن مقاصدها اعتبار الإرهاب والتسلط وزعزعة الاستقرار الإقليمي وانتهاك حقوق الإنسان شياطين»، وقال جون بريندير غاست من مجلس الأمن القومي إن واشنطن تعتبر حكومة السودان «من أسوأ الحكومات في إفريقيا».
وقد حدد بريندير غاست الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية الهادفة للتصدي للسودان وعزله، وقال المسؤول إنه على الصعيد الدولي أدرجت الحكومة الأمريكية في مسعاها للقضاء على الإرهاب - حكومة السودان على قائمة وزارة الخارجية للدول الراعية للإرهاب التي تضم أربع دول أخرى في الشرق الأوسط هي إيران والعراق وليبيا وسورية، حيث تركز على القضاء على الإرهاب، ونريد من مجلس الأمن فرض عقوبات على السودان، علاوة على ذلك فإننا نحاول طرد السودان من صندوق النقد الدولي على أسس اقتصادية صرفة «بدعوى أن السودان لا يتقيد بإصلاحات اقتصادية»، كما أننا كثفنا من ضغوطنا لاحتواء الحكومة السودانية التي وصفها بـ «نظام حكم كريه».
أما على الصعيد الإقليمي فقد أشار المسؤول إلى أن الحكومة الأمريكية «تحاول التركيز على دعم دول مجاورة في القرن الإفريقي هي عرضة لتهديد السودان». وأشار إلى أنه من خلال مبادرة دول المواجهة تلقت كل من أوغندا وإثيوبيا معدات وأسلحة للدفاع عن أراضيهما، كما تقوم واشنطن بالتنسيق عن كثب مع حكومات المنطقة فيما تؤيد إعلان «إيغاد» الذي يدعو إلى محادثات سلام لتسوية الحرب في السودان، وهناك مبادرة أخرى هي مبادرة القرن الإفريقي الكبرى التي تنطوي على «منبر سياسي» بشأن كيفية مساعدة البلدان الإفريقية على تسوية مشاكلها.
وقال إن الولايات المتحدة تحاول التركيز على مساعدة دول المنطقة للوصول إلى الاستقرار، وأوضح موقف حكومته بالقول «إننا ندعم أوغندا وإريتريا وإثيوبيا ضد محاولات السودان زعزعة استقرار تلك الدول ونقوم بالتنسيق معها».
وعلى الصعيد المحلي ادعى المسؤول الأمريكي، أن واشنطن سعت «لإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان» في السودان بما في ذلك الرق والتجويع!! وكشف النقاب عن أن الولايات المتحدة هي «مانح رئيسي للمساعدات الإنسانية» وتساعد في دعم منظمات غير حكومية مختلفة في السودان في المناطق التي مزقتها الحرب بتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين من السودانيين.
وأكد بريندير غاست أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات لقوى المعارضة السودانية قائلا: «إن الولايات المتحدة تقوم بمساعدة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السودانية لتعزيز وتطوير الديمقراطية في جنوب وشرق السودان»، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تريد الديمقراطية والسلام للسودان، وأنها تركز على حل عادل ودائم للحرب الأهلية في السودان وعلى تحسين أوضاع حقوق الإنسان!!
واختتم بريندير غاست - وهو اختصاصي في قضايا بلدان القرن الإفريقي - كلمته بالقول: إن ما ستقوم به الولايات المتحدة هو شرح أهدافنا إلى السودانيين ولدول المواجهة لا سيما مواضيع التغيير الديمقراطي في السودان و«السلام العادل لشعبه»، كما أن الحكومة والكونجرس يدرسان في الوقت ذاته موضوع فرض «عقوبات شاملة» على حكومة السودان.
أما رئيس إريتريا أسياس أفورقي فقد وصف في رسالة بعث بها إلى المؤتمر ما تقوله حكومة السودان عن رفض رئيس حركة التمرد في جنوب السودان جون قرنق الاجتماع مع الحكومة السودانية لبحث إنهاء الحرب الأهلية التي أسفرت خلال السنوات العشر الماضية عن مقتل نحو مليون شخص بأنه «خدعة» لتجنب التوصل إلى حل سلمي للنزاع، وادعى أن قرنق أو مندوبين عنه على استعداد للجلوس مع ممثلي الحكومة السودانية تحت رعاية «إيغاد».
وقال أفورقي إنه مهما كان موقف التلكؤ من جانب الحكومة السودانية إلا «أن الوضع في طريقه إلى التغيير.. وهو مسألة وقت».
وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد قال خلال حفل تسلم أوراق اعتماد السفير الأريتري الجديد لدى الولايات المتحدة يوم الثامن من شهر سبتمبر الجاري: «إن حكومة السودان تواصل شن حرب يتم فيها قتل الأخ لأخيه ضد أعدائها الداخليين، وتسعى إلى زعزعة استقرار جيرانها بما فيهم أريتريا، وينبغي وقف عدوان السودان ضد جيرانه».
وقد تحدث روجر ونتر - من اللجنة الأمريكية الشؤون اللاجئين التي تعتبر مؤسسة خاصة تتلقى دعمًا وتمويلًا من الحكومة الأمريكية - واصفا نفسه بأنه غير محايد في موضوع السودان، ووصف أفكار حكومة السودان بأنها «بالية ولا تتفق مع طموحات السودانيين، وأن الحكومة السودانية نفسها هي جزء كبير من المشكلة السودانية وليست جزءًا من الحل».
وادعى ونتر يوم السابع عشر من الشهر الجاري في المؤتمر ذاته أن أغلب السودانيين في شمال وجنوب البلاد لهم مصلحة في إسقاط الحكومة الحالية في الخرطوم.
وقال ونتر إنه يمكن لحكومة السودان أن تنهار عسكريًّا الأمر الذي قد يحدث معه من الناحية الإنسانية «كارثة في السودان»، داعيًا الحكومة الأمريكية إلى أن تركز على حقوق الإنسان وأن تشجع القضاء على هذه الحكومة، مشيرًا إلى أن زعيم حركة التمرد جون قرنق يتحسن أداؤه في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية ويقدم فرصة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة!!
وتحدث في المؤتمر أيضا تيد داغني - من هيئة خدمات أبحاث الكونجرس الأمريكي - حيث قال إن القوى الإقليمية تعمل مع الولايات المتحدة وتريد إحداث التغيير في السودان بمساعدة الولايات المتحدة أو بدونها، وقال إن حكومة السودان قطعت علاقاتها مع الولايات المتحدة عام ١٩٦٧م من جراء دعم واشنطن لإسرائيل في الحرب التي نشبت في يونيو من ذلك العام، مشيرًا «إلى أن العلاقة الأمريكية بالسودان لم تكن دوما سيئة؛ ففي مواجهة السوفييت في سنوات الحرب الباردة كانت علاقات السودان بالولايات المتحدة جيدة، أما مع الإسلاميين منذ عام ١٩٨٩م فقد بدأت العلاقة بالتدهور، بدعوى أن السودان يؤيد النشاطات المناهضة للسياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة التي تدعوها الولايات المتحدة بـــ الإرهاب والمنظمات الإرهابية».
وقال داغني إن دعم الولايات المتحدة لدول المنطقة يمكن أن يعزز محاولات تلك الدول الإطاحة بحكومة السودان، غير أنه قال: «إن إسقاط حكومة السودان لا يحل النزاعات الإقليمية ولكنه خطوة مهمة». وأضاف أنه يأمل «أن تأتي قيادة مادلين أولبرايت لوزارة الخارجية الأمريكية بالمطلوب».
أما السفير السوداني لدى الولايات المتحدة مهدي إبراهيم فقد أكد في حديثه في هذا المؤتمر على أن الحكومة السودانية «تعمل جاهدة من أجل السلام»، مشيرًا إلى أنها ورثت عام ١٩٨٩م بلدًا يتهدده الانقسام والتمزق، وكانت ديون السودان قد وصلت إلى مستوى مخيف حيث بلغت ۱۸ مليار دولار، وكان حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي يتصرفان في البلاد كملكيات دينية تعود في أنسابها إلى المهدي والميرغني، وكانت الحكومة السودانية مصممة على كسر طوق السلطة السياسية المغلقة التي حكمت السودان منذ استقلاله عام ١٩٥٦م.
وقال إن «الحكومة السودانية توصلت إلى اتفاق سلام شامل تم توقيعه في الحادي والعشرين من إبريل الماضي، وتم استثناء ولايات الجنوب السوداني العشر من حكم الشريعة الإسلامية، ولدينا نائب رئيس جمهورية مسيحي ومسيحيون في عضوية المحكمة العليا في السودان». وقال بأن «صندوق النقد الدولي اعترف مؤخرا بالإنجازات الاقتصادية التي حققها السودان»، وأوضح السفير السوداني أن بلاده تواجه عدوانا مستمرًا من إريتريا وإثيوبيا وأوغندا التي تقدم تأييدًا ودعمًا مباشرًا للمتمردين من الجنوب، وقد واجه السودان عقوبات فرضها مجلس الأمن وكذلك ضغوطًا من الولايات المتحدة.
وعزا السفير مهدي إبراهيم محمد أسباب الحرب الأهلية في السودان إلى حرمان الجنوب من الحكم المحلي وإلى الظلم في توزيع الثروة وإقامة البنى التحتية الأساسية، وقال إنه إذا استمر جون قرنق في اللجوء إلى السلاح فسوف تضطر حكومة السودان إلى إتمام السلام دون مشاركته، مضيفا أنه «ينبغي على قرنق أن يأخذ العبرة».