; اعتذاريات الشعراء للرسول صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان اعتذاريات الشعراء للرسول صلى الله عليه وسلم

الكاتب أحمد الجدع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 64

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

بعثت دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام حركة أدبية واسعة تجلت في ازدهار الخطابة والشعر وكثرة ما قيل من خطب في الدفاع عن الإسلام والدعوة إلى مبادئه وكثرة ما نظم من شعر حول الأحداث الإسلامية المتعددة.

وقد نشط الإسلام الشعراء، بل لقد قال الشعر بتأثير من الحركة الإسلامية النشطة من لم يعرف بقول الشعر من قبل.

ولقد انقسم الشعراء بين المعسكرين، معسكر الإسلام ومعسكر الشرك، فكان لكل شعراؤه المدافعون عنه والمزينون لمبادئه وآرائه..

وكان الشعراء المشركين واحدًا من اثنين، شاعر متبع لقبيلته يذود عنها وينافح عن آرائها ومعتقداتها دون اعتقاد لصحة أو خطأ ما ذهبت إليه قبيلته، متبعًا سنن الجاهلية في تبعية الشاعر لقبيلته أرشدًا كان رأيها أم غيًّا، كما عبّر عن ذلك الشاعر الجاهلي بقوله:

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت، وإن ترشد غزية أرشد

وشاعر كان يعتقد صواب ما تمسكت به قبيلته من معتقدات، فذهب يدافع عن قبيلته وما اعتقدته من دين وما أدته من نسك. وهذا الفريق من الشعراء كان إذا بان له الحق واتضح أمامه السبيل يرعوي عن باطله ويفيء إلى الحق الذي عرفه معتذرًا عما بدر منه، نادمًا على ما اقترف بحق الدين الحنيف ونبيه الكريم وصحابته الأبرار.

ولقد قام الرسول -عليه السلام- يرحب بالشعراء التائبين، ويغمرهم بعطفه وحبه، بل ويغدق عليهم الجوائز ويجزل لهم العطاء.

ويلاحظ الدارس لاعتذاريات الشعراء للرسول الكريم أن هيبته -صلى الله عليه وسلم، وسطوة الدين الجديد كانت تأخذ على الشعراء أنفسهم، وتملؤهم خوفًا وفرقًا، وهذا كعب بن زهير ضاقت عليه الأرض بما رحبت خوفًا من تهديد الرسول ووعيده، فهام على وجهه في الصحراء الفسيحة المقفرة هلعًا من سطوة الإسلام، وأهله، وهو لم يأمن نهار الصحراء فادرع ليلها وظلامها، ومع ذلك فإنه لم يزل في رعب وقلق، يخاف المثول بين يدي الرسول رهبة السؤال والحساب، فإنه لأهون عليه أن يقف أمام أشد السباع افتراسًا من أن يقف أمام هيبة الرسول وعقابه؛ لذا فإنه ما زال في خوف وهلع إلى أن نال الأمان من رسول السلام: 

لقد أقوم مقامًا لو يقوم به

أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل

لظل يرعد إلا أن يكون له

من الرسول بإذن الله تنويل 

ما زلت اقتطع البيداء مدرعًا

جنح الظلام وثوب الليل مسدول

حتى وضعت يميني لا أنازعه 

في كف ذي نقمات قيله القيل

فلهو أهيب عندي إذ أكلمه

وقيل إنك منسوب ومسئول

من ضيغم من ضراء الأسد مخدره

ببطن عثر غيل دونه غيل

وكان أنس بن زنيم الدؤلي على يقين من أن الرسول -عليه السلام- إذا توعد وتهدد فإنه سوف ينفذ وعيده وتهديده، وأن يد الرسول لا بد أن تطاله، وأنه لا يمكن أن يحميه سهل ولا جبل، ولا غور ولا نجد، لذا كان من الأفضل أن يعود إلى رشده ويسلم نفسه للرسول تائبًا طائعًا:

تعلم رسول الله أنك مدركي

وأن وعيدًا منك كالأخذ باليد

تعلم رسول الله أنك قادر

على كل صرم متهمين ومنجد

ولم يستطع عبد الله بن الزبعرى أن يغمض جفنًا منذ علم بتهديد الرسول له، فاعتراه الهم، وأنتابه الغم، وفارقه الرقاد، وارتعدت فرائصه كأن الحمى وقعت عليه، فلا يقر له قرار ولا يهدأ له بال:

بلغ الرقاد بلابل وهموم

والليل معتلج الرواق بهيم

مما أتاني أن أحمد لامني

فيه، فبت كأنني محموم

وتتجلى حكمة الرسول وسعة صدره أمام هؤلاء الشعراء المعترين، فالرسول –صلى الله عليه وسلم- لم يكن ليتوعد أحدًا إلا بذنب اقترفه، وجرم اجترمه، ومع ذلك فإنه كان يقبل اعتذارهم، ويتجاوز عن ادعاءاتهم بأن ما نسب إليهم كذب وبهتان، استمع إلى كعب بن زهير يقول في اعتذاره:

مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة ال

قرآن فيها مواعيظ وتفصيل

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم

أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل!

فهو يدعي أن ما وصم به إنما هو كذب وشاة، وأنه أقاويل مدعين، ومع ذلك لم يراجعه الرسول ولم يكذبه واكتفى منه بالتوبة.

وهذا أنس بن زنيم الدؤلي يقول:

تعلم بأن الركب ركب عويمر

هم الكاذبون المخلفو كل موعد

ونبوا رسول الله أني هجوته

فلا حملت سوطي إليّ إذن يدي

فإني لا ذنبًا فتقت ولا دما

هرقت، تبين عالم الحق وأقصد!

فهو يدعي كذب من بلغ الرسول بهجائه، وهم صادقون، ثم ينفي عن نفسه كل ذنب، ومع ذلك يتجاوز عنه الرسول الكريم ويقبل اعتذاره.

زد على ذلك كله أن لهجة الاعتذار عند زنيم فيها من عنف البداوة وجفائها ما جعل الشاعر يقول للرسول: تبين عالم الحق وأقصد!، ومن يقصد إن لم يقصد الرسول عليه السلام؟؟ ومع هذا فإن الرسول كان يتجاوز عن كل هذا ويوسع صدره لأولئك المعتذرين...

ولعل قمة الجفاء الأعرابي كان في اعتذار أبي سفيان بن الحارث حين قال بين يدي الرسول حين تقدم للاعتذار:

هداني هاد غير نفسي ونالني

من الله من طردت غير مطرد

فهو يدعي أنه «طرد الرسول كل مطرد»، ومع ذلك فإن الرسول الهدى لم يزد على أن ضرب في صدره بلطف وقال منبهًا الشاعر إلى شططه: أنت طردتني كل مطرد؟

ونحن نشعر مدى ما في هذا الموقف النبوي من حزم وعطف وتجاوز، تمتزج كلها في صورة رائعة لحكمة النبي المرسل – صلى الله عليه وسلم- حكمة لا يمكن أن نجدها عند أحد سواه، وأدب لا يمكن أن يصدر إلا عمن أدبه ربه وصنعه على عينه.

ومع ذلك فأن أبا سفيان بن الحارث يعترف صراحة بأنه كان ضالًا مخطئًا حين وقف يقاوم الدعوة الإسلامية ويقف في وجه الحق الذي جاء به الرسول:

لعمرك أني يوم أحمل راية

لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله

فهذا أواني حين أهدى وأهتدي

ويدعي ابن الزبعرى معتذرًا بأن قبائل قريش هي التي دفعته إلى غوايته وضلاله، وأنه بعد أن وقف أمام الرسول وعرف الحق الذي جاء به خالط الإيمان قلبه ولم يعد في قلبه للشرك موضعًا:

إني لمعتذر إليك من الذي

أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

أيام تأمرني بأغوى خطة

سهم، وتأمرني بها مخزوم

واليوم أمن بالنبي محمد

قلبي، ومخطئ هذه محروم

ويؤكد ابن الزبعرى هذا المعنى مرة أخرى معتذرًا عما فعله مؤكدًا مخالطة الإيمان لكل جزء من أجزاء نفسه:

يا رسول المليك إن لساني 

راتق ما فتقت إذ أنا بور

إذ أباري الشيطان في سنن الغي

ومن مال ميله مبتور

آمن اللحم والعظام لربي

ثم قلبي الشهيد أنت النذير

وقد نوه الشعراء في اعتذارياتهم بالصفات التي تحلى بها الرسول الكريم وجعلتهم يهرعون إليه تائبين، ويسارعون إلى حظيرة الإسلام مؤمنين، فكعب بن زهير يرى أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- نور من الله يهدي الحائرين ويرشد الضالين إلى صراط العزيز الحميد، وهو سيف سلطه الله على المعاندين والمكابرين، وسلطه على المشركين والغاوين:

إن الرسول لنور يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلول

أما أنس بن زنيم فقد وصف الرسول بأنه أوفى ولد آدم، وأبر الناس بالناس، وأنه كريم فياض يعطي عطية من لا يخشى الفقر أبدًا، كما يردد ما قاله كعب بن زهير بأن الرسول سيف الله المجرد على الكافرين:

وما حملت من ناقة فوق رحلها

أبر وأوفى ذمة من محمد

أحث على خير وأسبغ نائلًا

إذا راح كالسيف الصقيل المهند

وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله

وأعطى لرأس السابق المتجرد

وينوه ابن الزبعرى بنسب الرسول، فآله أشرف قريش، والرسول فيهم واسطة العقد، والذروة العليا التي لا تسامى.

والله يشهد أن أحمد مصطفى

مستقبل في الصالحين كريم

قرم علا بنيانه من هاشم 

فرع تمكن في الذرى وأروم

ويؤكد ابن الزبعرى ما قاله كعب وأنس بأن الرسول نور من الله بعثه لعباده لإخراجهم من ظلمات الكفر ومتاهات الضلال إلى المحجة البيضاء والطريقة السمحاء

وعليك من علم المليك علامة

نور أغر وخاتم مختوم

وإذا التفتنا إلى دراسة هذه الاعتذاريات من الناحية الفنية لنرى مدى ما توافر لها من متانة الأسلوب وجزالة الألفاظ، ومدى ما توافر فيها من صدق العاطفة وإخلاص التوبة، ومدى تأثير الشعراء بالمفاهيم الإسلامية الجديدة، لرأينا أن أسلوب هذا الشعر قريب إلى النفس متخفف من الألفاظ الغريبة الوحشية، لا يحتاج قارئه إلى تقليب صفحات المعاجم اللغوية بين بيت وآخر كما هي العادة في الشعر المعاصر آنذاك، ولعل هذه السهولة وهذا المأخذ القريب، مع جودة السبك وروعة الأداء، متأثر بالأسلوب الواضح الرصين الذي استنه الإسلام بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

أما من حيث صدق الشعراء في اعتذارهم وتوبتهم عما سلف، فإن قارئ هذه الاعتذاريات ليلمس ذلك في كل بيت من أبيات هذه القصائد، أكان ذلك من حيث عميق التأثير الناتج عن تهديد الرسول ويقينهم من صدق وعيده وشعورهم بجسامة ما اقترفوه بحق الرسول والمسلمين، كما نرى ذلك بارزًا بشدة في قصيدة كعب بن زهير، أم في صدق التوبة والإصرار عليها، والتأكيد على لفظ الماضي واستحالة العودة إليه كما في قصيدة ابن الزبعرى الأولى إذ يقول:

مضت العداوة وانقضت أسبابها

ودعت أواصر بيننا وحلوم

فاليوم آمن بالنبي محمد

قلبي ومخطئ هذا محروم

وكما في قصيدته الثانية إذ يقول:

آمن اللحم والعظام لربي

ثم قلبي الشهيد أنت النذير

أما عن تأثر الشعراء في اعتذارياتهم بالمفاهيم الإسلامية وبأسلوب الإسلام وألفاظه فإن ذلك ملاحظ في هذه القصائد؛ فالرسول نور من الله يهتدى به، وهو رسول المليك إلى عباده، وهو النذير إلى العالمين، والله أعطاه نافلة القرآن، وفي القرآن مواعيظ وتفصيل لكل شيء.

على أننا يجب أن لا نأخذ هؤلاء الشعراء بالأسلوب القرآني جملة وتفصيلًا، كما ينظر الدارسون لهذه الفترة بحيث يريدون من هؤلاء الشعراء أن يصطبغوا بالأسلوب القرآني بين عشية وضحاها؛ فالتأثير في الأسلوب يتدرج من اللمحات السريعة والومضات الخاطفة إلى التعمق فيه ودراسته والتملي منه حتى يخالط القلب ويعانق الوجدان وينزلق إلى اللسان وينساب في صفحات البيان وهكذا كان الشأن مع الشعراء الداخلين في هذا الدين الحنيف، التقطوا في بداية تأثرهم الألفاظ العامة والمفاهيم الرئيسية وضمنوها أشعارهم، ولعل دراسة أخرى لما قالوه من شعر بعد ذلك تظهر تقدمهم خطوة أخرى في تأثرهم بالقرآن الكريم والحياة الإسلامية بعامة.

أحمد الجدع

 

هدايا المؤلفين

تلقت المجتمع بعض الكتب التي أرسلها مؤلفوها هدية لمكتبتنا

فقد أرسل إلينا الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر ثلاثة من مؤلفاته الجديدة هي:

  1.  الإصلاح والتعديل فيما طرأ على اسم اليهود والنصارى من التبديل.
  2.  كتاب الصيام وفضل شهر رمضان.
  3.  الحكم الإقناعي في إبطال التلقيح الصناعي وما يسمى بشتل الجنين.

كما تلقت المجتمع هدية من الدكتور عبد الرحمن علي الحجي، أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد بكلية الآداب في جامعة بغداد، وهي كتابه التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة -92 -897هـ -711- 1492م

ومن البرازيل، أرسل لنا الأستاذ أحمد صالح محايرى كتابه الطريق إلى الإسلام باللغتين العربية والبرتغالية.

وأسرة التحرير في المجتمع تتقدم إلى السادة المؤلفين المذكورين بخالص الشكر والتقدير، داعية الله أن يسدد خطانا جميعًا لما يحبه ويرضاه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

156

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 33

137

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

والشعراء يتبعهم الغاوون

نشر في العدد 243

112

الثلاثاء 01-أبريل-1975

قضّية فكر