; اضطهاد النساء في الغرب | مجلة المجتمع

العنوان اضطهاد النساء في الغرب

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997

مشاهدات 86

نشر في العدد 1233

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 07-يناير-1997

بلا حدود

     يستطيع كل من تتاح له الفرصة للاحتكاك بالمجتمعات الغربية من داخلها أن يلمس مدى البؤس والشقاء الذي وصلت إليه النساء هناك، ومدى حجم العقد النفسية والدمار الأخلاقي والاجتماعي الذي تعيشه المرأة في تركض في الشوارع مثل الرجال، فأصبحت تعمل وتساهم في الإنفاق على البيت، وتحمل وتلد وترضع، وتنظف الأطفال وترعاهم، وتقوم على شؤون البيت واحتياجاته لتجد نفسها في النهاية تعيش في ظلم واضطهاد؛ لأن زوجها سرعان ما ينصرف عنها إلى أخرى لا تحمل هذه الأعباء، فيؤدي هذا إلى تفكك الأسرة وانهيارها ومن ثم تفكك المجتمعات وتلاشيها، وهذا ما ينحدر إليه المجتمع الغربي الآن، بل إن بعض المجتمعات مثل المجتمع الأمريكي بدأت فطرة الإنسان فيه تنقلب، فأصبحت المرأة هي التي تخرج وتعمل، فيما الرجل يجلس في البيت يرعى شؤون الأطفال وحاجات البيت، وهذا ما أكدته صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية في تقرير نشرته في شهر ديسمبر الماضي، حيث أكدت الصحيفة أن «أرباب الأسر الأمريكية من العاملين في مختلف المهن يعانون من عدم تمكنهم من التوفيق بين التزاماتهم الأسرية وحاجاتهم إلى تحقيق النجاح المنشود في مجال عملهم، الأمر الذي يلقي بظلاله على علاقة هؤلاء بأطفالهم، وأشار التقرير إلى أن «ظاهرة ذهاب الأمهات إلى العمل وبقاء الآباء في المنازل تشكل تهديدًا خطيرًا على حياة الأسر الأمريكية. 

     ونقلت الصحيفة عن البروفيسور جوين نادين أستاذ علم الاجتماع في كلية أوكتون في دس بلينس بولاية إلينوي الأمريكية: «إن قضايا، مثل؛ ميزانية الأسرة، والنظام، والعمل المنزلي، وتوازن القوة في الزواج- بدأ يتفاوض حولها الزوجان لإعادة الترتيبات الأسرية كلها من جديد»، كما أشارت دراسة أخرى إلى أن ثلاثًا من بين كل أربع أسر أمريكية تعيش حياة مفككة، إما بسبب الانفصال، أو الطلاق، أو ظروف العمل التي فرقت الأبوين، وهذا أمر تكون له انعكاساته المدمرة على نفسيات الأطفال، وعلى نفسيات النساء على وجه الخصوص، ولذلك فإن الأنانية التي هي محور حياة الغربيين كثيرًا ما تدفع الرجل إلى أن يهجر المرأة إلى غيرها إذا فكرت في الحمل والولادة؛ لأن معنى ذلك مجيء أطفال، وتحمل أعباء أسرية يهرب الجميع منها؛ لأنها تحرمهم من حياة الملذات والفردية التي يعيشونها، وأذكر أني حينما كنت أنتقل في رحلة بالطائرة بين جنيف وروما كانت تجلس إلى جواري فتاة سويسرية، وحينما أكدت على المضيف أني قد طلبت مسبقًا وجبة طعام خاصة للمسلمين، سألتني الفتاة قائلة: هل أنت مسلم؟ قلت: نعم، وكان هذا مدخلًا لحديث طويل حول الحياة الاجتماعية في الإسلام، والحياة الاجتماعية والأسرية في الغرب، وكشفت الفتاة في حديثها عن بؤس نفسي تعيشه المرأة في الغرب عمومًا؛ لأنها تظل تفتقد شيئين رئيسيين، وتظل تركض وراءهما طوال حياتها دون أن تدركهما:

الأول: هو الاستقرار العاطفي والأسري، وهو لا يتحقق إلا بالزواج، أما حياة الرفقة التي انتشرت بين الغربيين، فقد جعلت الزواج أمرًا لا يفكر فيه إلا القليل من الناس وبحسابات معقدة، كتلك التي أشار إليها البروفيسور جون نادين في حديثه إلى صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الذي أشرنا إليه مسبقًا، ولذلك حينما حدثتني تلك الفتاة عن حياتها الاجتماعية، وكيف أنها تركت بيت أسرتها في الثامنة عشرة من عمرها، وتتنقل من وقتها من رفيق إلى آخر حتى استقرت بها الأمور منذ عامين مع رفيق جديد فسألتها: أما تفكرين في الزواج به؟ قالت باستغراب ولم نتزوج؟ قلت حتى تكون لكم أسرة وأولاد؟ قالت: نحن نعيش سويًا ولا حاجة لنا للأولاد، كما أني لم أبلغ الثلاثين بعد، ولا زالت أمامي متع كثيرة في الحياة أريد أن أحققها، أما الأسرة والأطفال فهي مسؤولية لم أفكر فيها بعد، حتى وإن ألحت عليَّ مشاعر الأمومة أن يكون لي طفل فيمكنني الحصول عليه دون زواج.

     وهذا الأمر للأسف أصبح يدخل في إطار إعلانات تعلنها بعض النساء الغربيات أنهن يردن معاشرة رجل به مواصفات معينة لأجل الحمل فقط، ثم تنتهي مهمة الرجل، وليس هذا الأمر قاصرًا على عموم الناس، بل إن ابنة الرئيس الفرنسي شيراك وضعت في العام الماضي طفلاً من غير زواج ومن أب غير معلن، وهذا ما وصلت به الحضارة الغربية بأهلها، وبالتالي فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل على المرأة في الغرب أن تشعر بالاستقرار العاطفي الأسري في ظل هذا الواقع.

      أما الجانب الآخر فهو الاستقرار الاقتصادي، فالحياة الغربية حولت الإنسان إلى آلة، ومع غياب الأسرة وعائل الأسرة يغيب الاستقرار الاقتصادي للمرأة فتعيش في دوامة تفضي بها في النهاية إلى الأمراض النفسية والعصبية التي تبدأ بكراهية الولد المراهق الذي يريد أن يعتدي عليها وهي طفلة بعد في الثانية عشرة في المدرسة، ثم بالأب الذي يخرجها من البيت وهي في الثامنة عشرة حتى تعتمد على نفسها، ثم في المرافق الذي لا ينظر إليها إلا على أنها مصب لشهواته يبدلها ويغيرها وقتما شاء، ثم في الزوج -إن تزوجت- الذي يجبرها على المشاركة في مصروفات البيت وفي العمل والحمل والولادة وتربية الأطفال ورعايتهم وتنظيف البيت ورعاية شؤونه، ثم يهجرها بعد ذلك إلى غيرها، هذه الحياة البائسة للمرأة الغربية جعلت شياطين الغرب -بعد عجزهم عن إعادة الكيان إلى الأسرة الغربية- يفكرون في تدمير المجتمعات المتماسكة في الشرق وأهمها المجتمعات الإسلامية، باعتبار الفرد والأسرة هم عمادها الرئيسي، ولذلك قاموا تحت شعار الأمم المتحدة بإقامة (7) مؤتمرات عالمية في الفترة من 1975م وحتى 1996م؛ بهدف تدمير الأسرة في العالم الإسلامي تمامًا، كما دمرت في الغرب عن طريق تدمير المرأة، ودفعها للخروج للعمل والمناداة بالحرية والمساواة مع الرجل.

     فعقد في المكسيك مؤتمر المرأة الأول في عام 1975م، ومؤتمر المستوطنات البشرية الأول في كندا عام 1976م، ومؤتمر المرأة الثـاني في كوبنهاجن في عام 1980م، ومؤتمر المرأة الثالث في كينيا عام 1985م، ومؤتمر السكان في القاهرة عام 1994م، ومؤتمر المرأة الرابع في الصين عام 1995م، ومؤتمر المستوطنات البشرية الثاني في تركيا عام 1996م، وهدف هذه المؤتمرات في عمومها هو تفتيت المجتمعات التي لا زالت متماسكة في العالم، وأهمها المجتمعات الإسلامية، فالدول الغربية تنهار الآن اجتماعيًا وأسريًا بشكل سريع يتضح من خلال انخفاض معدلات النمو السكاني بها، ومن ثم فإن نشر الإباحية والإجهاض وخروج المرأة للعمل في المجتمعات الإسلامية، ومن ثم قلة الاهتمام بالأسرة والأولاد سوف يؤدي إلى انهيار المجتمعات الإسلامية تمامًا كما انهارت المجتمعات في الغرب، ولذلك فقد قامت كثير من الجمعيات في الدول الغربية لتطالب بإنصاف المرأة الغربية، وإنقاذها من الاضطهاد الذي تعيش فيه، وتحذير المجتمعات الإسلامية من الانزلاق وراء هذه الدعوات، وهذا ما جعل الأمريكية «دالي أدلياري» رئيسة «جمعية الأمهات الصغيرات» تصرخ بأعلى صوتها في المؤتمر الدولي للسكان الذي عقد في القاهرة في سبتمبر 1994م محذرة المسلمين من الانزلاق وراء الدعوات الهدامة التي يروج لها هؤلاء قائلة: «لقد دمروا المجتمع الأمريكي، وجاؤوا الآن بأفكارهم للمجتمعات الإسلامية حتى يدمروها، ويدمروا المرأة ودورها فيها»، أما السيد بيل شيروين رئيس «جمعية الحق في الحياة الدولية»، فقد قال عن الذين يدعون إلى تحديد النسل وتدمير الأسرة: «إن هؤلاء ضد الحياة، ولا يريدون للبشرية أن تنمو، إن الذي يحركهم وبدعمهم هم الساسة الكبار في أمريكا لنشر مبادئهم في كل أنحاء العالم، وإن هدفهم هو القضاء على الإنجاب بشتى الطرق».

     إن هذه الحقائق تدفعنا إلى إدراك حقيقة الإنصاف الذي تعيشه المرأة المسلمة، وحقيقة الاستقرار العاطفي والأسري والاقتصادي الذي يكفله الإسلام للمرأة، وحقيقة الاضطهاد والظلم الذي تعيشه المرأة في الغرب، وبالتالي فإن الفائز في النهاية ليس الذي يملك الإمكانات المادية والتقدم التكنولوجي، ولكن الفائز من يسلك طريق الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

165

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

518

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال