العنوان رأي المجتمع .. أصوات ناصحة من داخل الولايات المتحده هل يستمعون اليها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 9
السبت 14-ديسمبر-2002
منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م، ثم تجريد الولايات المتحدة حملتها الواسعة ضد ما يسمى بالإرهاب، والذهاب إلى أبعد من ذلك وهو محاولة الضغط على الشعوب العربية والإسلامية لتغيير مناهجها وقيمها وأخلاقها، والانتقادات الدولية لسياستها تتزايد، بما في ذلك الانتقادات التي يوجهها كتاب ومحللون من داخل أمريكا ذاتها، ومرد ذلك وسببه سياسة الهيمنة والغطرسة والقرارات الأحادية في التعامل مع القضايا الدولية والنظرة الاستعلائية التي تنتقص من المنظمات الدولية وتتجاهل الاتفاقيات وتضع أمريكا في مرتبة فوق ذلك كله، وهو ما يثير استهجان ومعارضة حلفائها في الغرب مثل غيرهم، ويجعل العديد من المفكرين والسياسيين والقريبين من صناع القرار في الولايات المتحدة ينظرون إلى تلك السياسة بتوجس. وقد دفع ذلك الوضع الكاتب الأمريكي توني يوت لحد وصف الولايات المتحدة بأنها أعدى أعداء نفسها.. وهو يتقصى جذور المشكلة قائلًا: إن بعض العداء الذي تثيره الولايات المتحدة هو إحدى وظائف وجودها، فقبل ارتقائها إلى الهيمنة على الكون كان زوارها من الخارج ينتقدون اعتزازها الوقح بنفسها وثقة الأمريكيين النرجسية بتفوق القيم والممارسات الأمريكية وعدم اهتمامهم بالتاريخ والتراث. وقد تغيرت الأمور في الفترة الأخيرة إلى الأسوأ فكثيرًا ما تكون الولايات مواطنًا دوليًا، عاصيًا للقوانين، ذلك أنها تتردد في الانضمام للمبادرات أو الاتفاقيات الدولية سواء ما يتعلق بالاحتباس الحراري أو الحرب البيولوجية أو العدالة الجنائية أو حقوق المرأة، فالولايات المتحدة هي إحدى دولتين لم تصدقا على اتفاقية حقوق الطفل لعام ۱۹۸۹، كما سحبت توقيعها على معاهدة روما الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وأقل ما يوصف به موقف الولايات المتحدة من الأمم المتحدة ومنظماتها أنها باردة وينطبق الشيء نفسه على ممارسات الولايات المتحدة التجارية فهي تدعو إلى العولمة حيث رأسمالية السوق الحرة لا تقيدها الحدود، أو المصالح الخاصة لكنها تطبق التعريفة الجمركية وهو ما يراه النقاد الأجانب تناقضًا في سلوكها يوحي بالنفاق.
أما جوزيف ناي عميد كلية كيندي بجامعة هارفارد الذي كان مسؤولًا في الدفاع والاستخبارات في عهد الرئيس كلينتون، فقد كتب أكثر من مرة منتقدًا النزعة الأحادية في السياسة الأمريكية متهمًا إياها بعدم إعطاء أولوية للاهتمام بالحقوق أو القوانين أو الأهداف الأخلاقية قاصرة الدبلوماسية على دعم المصالح الأمريكية بكل وسيلة مناسبة. ويقول ناي: إن مشكلة المسؤولين تشكيل السياسة الأمريكية وتوصيفها في الوقت الراهن هي أن رؤيتهم تنحصر في القوة العسكرية الضاربة، وهؤلاء الذين يوصون بسياسة خارجية أمريكية تقسم بالهيمنة وتقوم على التوصيفات التقليدية الخاصة بالنفوذ الأمريكي يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على تحليل غير واف.
بل إن ناي وهو الخبير الاستراتيجي يرى أن الأمريكيين قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانوا يصمون أذانهم عمدًا عما يدور في العالم المحيط بهم، بل إنهم كانوا سعداء بتجاهل من حذروهم عام ١٩٩٩ من كارثة مقبلة مثل جاري هارت ووارين رودمان حين قالوا إن الأمريكيين قد يلقون حتفهم على التراب الأمريكي وربما بإعداد كبيرة ويعلق توني يوت على ذلك قائلًا: وقد يكون الحادي عشر من سبتمبر دعوة واضحة إلى منظور جديد ولكن يبدو أن القيادة الأمريكية الحالية لا تصيخ السمع... إن أمريكا تتولى القصف بالقنابل، أما أعمال إعادة الإعمار المعقدة والخطيرة فتتركها لغيرها.
يضيف ناي ولا شك أن هناك انبهارًا بالقوة العسكرية والاقتصادية جعل الإدارة الأمريكية تظن أنه بإمكان واشنطن المضي في خططها خط حول العالم وحدها دون أن تراعي مصالح حلفائها الغربيين أو حتى تستشيرهم فيما تفعل وذلك يشعرهم بان مصالحهم ليست في الاعتبار أو أنهم مستبعدون من اللعبة الدولية وذلك يزيد من مشاعر العداء ويوسع من رقعته حيال السياسة الأمريكية من أصدقائها وحلفائها في الغرب. وإذا كان هذا هو الحال مع الحلفاء الغربيين كما يصوره خبراء ومفكرون مثل توني بوت وجوزيف ناي وغيرهما فإن الحال أشد سلبية في التعامل الأمريكي مع المنطقة العربية والإسلامية إذ لم يعد خافيًا أن الولايات المتحدة تتعامل بمنطق مصالحها فقط وتتحدث بلهجة القوة والهيمنة ولا تبغي سماع غير الطاعة لما تطلب والتنفيذ لما تريد، متجاهلة مصالح المنطقة وخصوصية شعوبها العربية المسلمة، وأصبح واضحًا للعيان من خلال المشاريع السياسية والبرامج الثقافية التي يجري الإعلان عنها بقوة في الفترة الأخيرة أن الولايات المتحدة تسعى إلى إحداث انقلاب ثقافي وسياسي في المنطقة يعيد ترتيبها من جديد ويصبغها بالصبغة الأمريكية بعيدًا عن هوية الأمة ودينها وقيمها وثقافتها، وقد اتخذت في سبيل ذلك العديد من الإجراءات والمواقف تمثلت فيما يلي: أولًا: ممارسة الضغوط الشديدة على الحكومات لإلغاء التعليم الديني أو تضييق دائرته وشل فاعليته بزعم أنه يسهم في صناعة ما يسمى زورًا الإرهاب، وفي الوقت نفسه تقديم المنح والمعونات المالية لتشجيع التعليم المختلط.
وقد طرح مجموعة من أعضاء الكونجرس الأمريكي مؤخرًا مشروعًا بعنوان الجسور الثقافية، يرمي لأول مرة لاستقدام طلاب المرحلة الثانوية المتفوقين إلى الولايات المتحدة في منح دراسية في إطار برامج التبادل الثقافي أملًا في صناعة قيادات جيل المستقبل صناعة ثقافية تشكل العقول وفق الهوية الأمريكية، وقد شدد مقدمو المشروع على أن مقاومة الإرهاب لا تكون بالقوة العسكرية وحدها وإنما بمثل هذه المشاريع أيضًا.
وغني عن البيان أن الاستعمار الغربي ركز منذ وطئت أقدامه أرض العالم الإسلامي على التدخل في المنظومة التعليمية وفرض مناهج تشكل عقلية مفرطة في الدين والقيم والأخلاق وقد نشطت هذه الخطة في الفترة الأخيرة بزعم مقاومة التطرف والإرهاب في مناهج التعليم الإسلامية وذلك كذب مفضوح، فالمناهج الإسلامية في بلادنا أبعد ما تكون عن التطرف والإرهاب بل هي تكافحهما وتسعى لاستئصالهما من المجتمعات، وترسيخ القيم والأخلاق والفضيلة ومكافحة الرذيلة والمجون مما انتشر في الغرب ويعاني من ويلاته وأمراضه. ثانيًا: محاولة تغيير النظم السياسية في العالم الإسلامي تحت شعارات براقة مثل الإصلاح الديمقراطي، والترويج المبادرات وبرامج أمريكية في هذا الصدد مثل مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي مؤخرًا، وهي المبادرة التي تضمنت ما سمي ببرنامج الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط، وتلك المبادرات والبرامج ترمي إلى تغيير أنظمة الحكم تحت شعار تحقيق الديمقراطية ورفع الحيف والكبت عن الشعوب من النظم الدكتاتورية وهي شعارات مخادعة، فأمريكا هي التي جاءت بتلك الأنظمة العسكرية التي توهم الناس بأنها تريد أن تنقض عليها، وهي التي رعتها وحمتها وأمدتها بالمساعدات لكبت حريات الشعوب ومنعها من تحقيق أمالها وطموحاتها. والمتفحص للخريطة السياسية في المنطقة الإسلامية يكتشف بسهولة أن الأنظمة الثورية الدكتاتورية الجاثمة على أنفاس شعوبها هي صناعة أمريكية، وقد أسهم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي لها في مدها بعوامل البقاء، ولولا هذا الدعم لأسقطتهم شعوبهم منذ أمد بعيد.
واليوم وقد خرجت الولايات المتحدة إلى العالم الإسلامي بسيناريو جديد يقتضي تغيير خريطة المنطقة فهي لا تتورع إعلاميًا عن الكشف عن نيات التخلي عن تلك الأنظمة بدعوى إنقاذ حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية، متناسية أن تلك المفاهيم قد ديست وأهملت على عينها لعشرات السنين.
إن الولايات المتحدة استمرارًا في سياستها المعتمدة على القوة والهيمنة والنظرة الأحادية من زاوية مصالحها إنما تسير نحو مخاصمة نفسها والإضرار بمصالحها فتلك السياسة تفقدها رويدًا رويدًا أصدقاءها وشركاءها، كما تزيد من إشعال نيران العداء، بينها وبين شعوب العالم الإسلامي التي لن تقبل التفريط في دينها وقيمها وأخلاقها وثوابتها، فهل تراجع أمريكا سياساتها وخططها.. قبل فوات الأوان فالقوة لا تدوم والهيمنة والغطرسة تؤدي بالأمم إلى مهاوي الهلاك... والدرس والعبرة ماثلان في تاريخ الإمبراطوريات السابقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل