العنوان اشفعوا فلتؤجروا
الكاتب رياض بن ناصر الصريحي
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 145
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 57
السبت 07-يوليو-2001
قضت حكمة الله سبحانه وتعالى - أن جعل خلقه درجات، وميز بينهم في الأموال والأعمال والإدراكات، ذلك كله لـ ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف:32) ... فكل مسخر لخدمة الآخر، وقضاء حاجته.
ومن نعم الله تعالى على عبده ما يعطيه إياه من الجاه، والمكانة بين الناس، وهي كغيرها من النعم إن شُكرت دامت وزادت، وإن كُفرت كانت حسرة ووبالًا.. قال ﷺ: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» (رواه مسلم).
ولقد تناسى أصحاب المكانات والرئاسة، وحتى من لهم أدنى سلطة، الفضل العظيم الحاصل بالشفاعة الحسنة والسعي في حاجات الناس.. «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» (رواه البخاري ومسلم).
وقال ﷺ عندما أتاه سائل: «اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان رسوله ما شاء» (رواه البخاري - الفتح ١/451).
والشفاعة الحسنة تُبذل لكل مسلم، ولا يخص بها المعارف والإخوان فقط: فـ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
وحتى تنفع الشفاعة صاحبها، وتزيد في رصيد حسناته، فلا بد أن تتوفر فيها شروط هي:
1- ألا تكون في حد من حدود الله: عن عائشة -رضي الله عنها - «أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ؟! فكلّم أسامة رسول الله فقال ﷺ: «أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فخطب فقال: «يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» (رواه البخاري).
وقد عد ابن القيم الشفاعة في الحدود من الكبائر.
2- أن تكون شرعية: فمن الشفاعات ما لا يقره الشرع، كمن يشفع ليغتصب حقًّا أو يظلم محقًّا أو يأكل مالًا باطلًا.. وفي ذهن كثير من الناس تصور خاطئ بأن كل شفاعة أو واسطة فإن فيها أجرًا وثوابًا ونسوا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (النساء: 85).
3- ألا تضيع من له حق، فكل شفاعة أضاعت حقًّا من حقوق المسلمين فهي محرمة... ومن الرزايا التي ابتلينا بها في هذا الزمان ما يضيع من الحقوق بسبب مكالمة قصيرة أو ورقة صغيرة يظن أنها من الشفاعة الحسنة.
ولا يجوز للشافع أن يأخذ مقابلًا على وساطته، فقد روى الإمام أحمد عن أبي أمامة مرفوعًا: «من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (يقول الشيخ ابن باز يرحمه الله: ظاهر الحديث يشمل الأخذ ولو بدون شرط مسبق).
قال الشافعي - يرحمه الله-: «الشفاعات زكاة المروءات» (كشف الخفاء 1/ 129).
وفي يوم القيامة تزول كل الشفاعات، ولا يبقى إلا شفاعة من أذن له الله ورضي له قولاً، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (المدثر: 48).
اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.