; استمرار الطاعة.. وحسن العمل والانتصار لقضايا الأمة | مجلة المجتمع

العنوان استمرار الطاعة.. وحسن العمل والانتصار لقضايا الأمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مشاهدات 62

نشر في العدد 1432

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مضى شهر رمضان وفرغ المسلمون من عبادة الصوم واحتفلوا في مشارق الأرض ومغاربها بعيد الفطر المبارك، ولكن هل معنى الفراغ من هذه العبادة التي هي ركن من أركان الدين الحنيف أن يركن المسلمون إلى السكون والراحة، أو أن يتكاسلوا عن أداء بقية العبادات والأعمال الصالحات؟ إن العكس هو الذي يجب أن يكون حيث ينبغي أن يخرج المسلم من هذا الشهر الفضيل وقد تزود بخير زاد يعينه على مواصلة الطاعات، ويجعله يقيم من نفسه رقيبًا يقظًا على ذاته لينعكس ذلك بشكل إيجابي على كل جوانب حياته، ومن ثم على حياة أسرته، ومجتمعه الذي يعيش فيه، وأمته التي ينتمي إليها.

ومن جوانب العظمة في مفهوم العبادة، في ديننا الإسلامي الحنيف أنه مفهوم شامل يتسع لكل ما يصلح من شأن الإنسان في أمور دنياه وفي آخرته، ولا تقتصر العبادة على العلاقة الروحية بين العبد وربه دون أن يكون لها أثر على سلوكه اليومي، وعلى جميع علاقاته ومعاملاته مع الناس.

 وإذا كانت العبادة -كما يقول العلماء- هي أعلى مراتب الخضوع لله والتذلل له، وهي أيضا اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والأعمال الظاهرة والباطنة فإنها -كما يقول العلماء كذلك- تهذيب للنفس وتقويم للسلوك بالتقرب إلى الله وبالإحسان في معاملة الناس.

وهكذا تتجلى خاصية أساسية من خصائص الإسلام، وهي أنه منهج شامل للحياة، دين ودنيا، شريعة وقانون، عبادة وعمل، لا ينفك أحدهما عن الآخر.

وكما ينطبق هذا المفهوم الشامل لمعنى العبادة على الصلاة والزكاة والحج ينطبق أيضًا على الصيام، وعلى سائر أنواع العبادات والقربات التي يبتغي بها المسلم وجه الله تعالى.

وما أحوج المسلمين في هذا العصر إلى إدراك هذا المعنى العميق للعبادة الذي يربط بين شؤون الدنيا والآخرة، وبين صلاح الفرد وصلاح المجتمع، وإخلاص النية وإتقان العمل وإعمار الحياة والفوز بالجنة.

لقد كان رمضان -وسيظل دومًا- موسمًا للعبادة والقرب من الله وللتربية الأخلاقية والسلوكية ومدرسة -في الوقت نفسه- لتعليم قيم الحياة العملية وفي مقدمتها الجهاد.. جهاد النفس وجهاد الأعداء والصبر والصدق والتجرد ومحاسبة النفس، وتحريرها من أسر الشهوات، والمسلم الفطن هو الذي يستطيع أن يستصحب معه هذه الدروس وتلك القيم التي تعلمها في رمضان، ويلزم نفسه بها في غير رمضان، ويجعلها معيارًا لكل أعماله وتصرفاته، سواء في علاقته مع الله تعالى، أو مع الناس المحيطين به، أو مع نفسه التي بين جنبيه.

ولقد عاش المسلمون طوال شهر رمضان وهم يسمعون ويرون ما يحدث لإخواننا المسلمين في فلسطين من بطش وتنكيل على يد الصهاينة.. فماذا أعددنا لإنقاذ الشعب الفلسطيني من ذلك المخطط الإجرامي الذي تقف وراءه الصهيونية العالمية، والكيد الغربي والذي لا يستهدف فلسطين وحدها بل سائر المنطقة؟ ماذا استفدنا من دراسة وتذكر موقعة بدر التي وقعت في رمضان وفتح مكة الذي حدث في رمضان؟

إن مراجعة تلك الأحداث ينبغي أن تشكل لنا زادًا ونقطة انطلاق نحو إعادة مجد الإسلام وتكرار انتصارات المسلمين.

إن أخطر ما يصيب كثيرًا من المسلمين هو حالة الفصام بين ما يؤدونه من عبادات، وبين ما يقومون به من أعمال حيث لا يظهر أثر للعبادة في العمل، وتكون هذه في واد وذاك في واد آخر، وإذا ما حدث مثل هذا الفصام تحولت العبادة إلى مجرد التزام شكلي وأداء وقتي أو موسمي ينتهي بمجرد الفراغ منه دون أن يترك الأثر المطلوب في تقويم سلوك الفرد أو دفعه لتحقيق آمال الأمة.

وإذا كان من الواجب شرعًا، على كل مسلم ومسلمة أن يعلم الأحكام الفقهية المتعلقة بأمور العبادات المفروضة عليه كالصلاة والصيام والزكاة والحج، فإن من الضروي أيضًا، وبخاصة في عصرنا الراهن أن تكون لديه ثقافة شرعية عامة لا تقتصر فقط على العلم بالأحكام الفقهية، وإنما تتسع أيضًا لتشمل المعرفة بعلاقتها بقضايا الأمة وشؤون الحياة والحكمة من التشريع وأثرها في تقويم السلوك، وفي إشاعة الفضائل، وتقوية الإيمان، وتوثيق الروابط الإنسانية، وتزكية مشاعر المحبة والأخوة بين المسلمين وحث الناس على التعاون على البر والتقوى، ومنعهم من التعاون على الإثم والعدوان.

وتتحمل مناهج التربية ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية مسؤولية كبيرة في القيام بهذا الدور، فضلاً عن أنها تتحمل وزر الإسهام في تشويه معنى العبادة في أذهان المسلمين ومحاولة صرفهم عنها وإلهائهم بمختلف ألوان الفنون الهابطة والمواد التافهة التي تبث معاني الانحلال وتشجع على الرذيلة، وتصرف عن قضايا الأمة ولا تحض على سلوك مسالك الرشد، أو الالتزام بالقيم والأخلاق القويمة أو الأعمال الصالحة.

إن التحديات التي تواجهها أمتنا كثيرة ومعقدة، ونحن في أمس الحاجة لحشد كل ما لدينا من طاقات وإمكانات لمواجهة هذه التحديات بالإيمان الصادق، وبالعبادة الخالصة وبالعمل الصالح كما فعل أسلافنا الأوائل؛ إذ كانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، أدركوا حقيقة العبادة فأدوها على الوجه الأكمل الذي يرضي الله تعالى، وكانت حياتهم كلها عبادة وجهادًا دائبين متواصلين، فأثابهم الله حسن ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، قال تعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فسيرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بما كنتم تعملون﴾ (التوبة: 105).

الرابط المختصر :