العنوان استمرار الحرب الروسية القذرة ضد مسلمي الشيشان
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 81
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 04-أبريل-1995
· أحد قادة
المقاومة الشيشانية: إذا سقطت مدن الشيشان فإن جبال الشيشان لن تسقط أبدًا.
إسطنبول: مراسل المجتمع
بينما تتجه أنظار عواصم العالم إلى شمال
العراق تتابع عمليات الغزو التركي وتقيم نتائجها على مصالحها، تزداد وتيرة الحرب
القذرة في الشيشان. وكأن العالم يبحث عن مبرر للإشاحة بوجهه عن مأساة الشيشان التي
تساهم في إحساسه بالشعور بالذنب، ففي يوم الغزو التركي 20/3 لشمال العراق كان
القائد الشيشاني سعيد حسن تاتاييف يصرخ في وجه العالم: «القوات الروسية على بعد 20
كيلومترًا من مدينة شالي العاصمة الجديدة، بعد تدمير جروزني.. القصف يشتد، يسقط
المدنيون صرعى القصف الجوي والمدفعي،
مأساة جروزني تتكرر».. الكلمات لا تفيد بالطبع
لأنها تذهب أدراج الرياح مثلما حدث من قبل، ولا ينفع في مثل تلك الأحوال إلا
القتال حتى النهاية، فالشعار الحالي إما الشهادة وإما الشهادة، وكلاهما بالمفهوم
الشيشاني يعني النصر.
شامل داكوييف -رئيس بلدية افتوري التي تبعد
مسافة 15 كيلومترًا جنوب العاصمة- يصرخ هو الآخر، فالطائرات الروسية تقصف المناطق
السكنية وتدمر أكثر من 12 منزلًا، ويطالب بالنجدة لإنقاذ المدنيين دون جدوى. إلا
أن الله لم يترك افتوري وحدها، فبسلاح الضباب الكثيف اصطدمت طائرة هيلوكوبتر
بالجبال الشامخة فسقطت، وقتل الروس الثلاثة بها، فشكرًا لله فهو الداعم الدائم
للشيشان -كما قال داكوييف.
مولودي أدوجوف -المتحدث باسم الرئيس الشيشاني-
ذكرني [بما] كان قد قاله من قبل إنه يخشى عندما تطول الحرب أن ينسى العالم الشيشان
أو يتعود على الشعور بالألم فيبقى الوضع على ما هو عليه. وقال في اتصال هاتفي مع «المجتمع»:
«القوات الروسية الغازية تستهدف أرجون الإستراتيجية وشالي العاصمة. المقاتلون
الشيشان نجحوا في وقف الهجمات والحد من الاندفاعة الروسية، نعرف أن البقاء في
المدن أمر صعب، ولكننا لن ننسحب إلى الجبال إلا بعد أن تتحول كل المدن إلى رماد
وأطلال لتكون وصمة عار في جبين روسيا وتذكارًا لحروب الإبادة ورمزًا للبربرية
وتقاعس الإنسانية».
شامل باسييف -أحد قادة المقاومة- يقول: لا
أعرف كم سيمكننا المقاومة، أرجون محاصرة من كل اتجاه، والمقاتلون الشيشان يحاولون
فتح الثغرات في ذلك الطوق الفولاذي، فكسره ضروري جدًّا لأن المدينة الإستراتيجية
تمسك في راحتيها الطرق بين المدن الهامة مثل جودار ماسي وشالي.
وأضاف باسييف في كلماته لـ«المجتمع»: سيتلقى
الروس العتاة درسًا لن يكون أقل من جروزني، وإذا كان عدد القتلى الروس قد بلغ حتى
20 مارس 1995م حوالي 18 ألف قتيل مقابل ألف شهيد شيشاني، فإنه في أرجون وشالي قد
يكون أكثر من ذلك بكثير: فلن يصعد المجاهدون الشيشان إلى الجبال بشكل كامل إلا بعد
أن يلقنوا الأعداء الروس درسًا تاريخيًّا جديدًا، فالعبرة ليست في احتلال أطلال
المدن فقط، بل في البقاء فيها بشكل آمن، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى في جروزني.
وقال بكلمات مفعمة بالتصميم والتحدي والحزن:
قد تسقط سكريورت وأرجون وشالي، إلا أن جبال القوقاز لن تسقط أبدًا. فهي خط الدفاع
الذي لا يقهر، كما أن الاحتياطي الإستراتيجي المتمثل في النفسية الشيشانية
الإسلامية الاستقلالية لا ينفد أبدًا، فالمقاومة ستستمر حتى النصر.
فشل موسكو في تشكيل الإدارة
ويمكننا بالتالي معرفة حقيقة الأوضاع في
الشيشان من خلال تلك العينة من أقوال سعيد حسن تاتاييف وشامل داكوييف وشامل باسييف
ومولودي ادوجوف. فالحرب القذرة تشتد، والقصف لم يتوقف لحظة، والقوات الغازية مصممة
على مواصلة غيها. وقد يستمر ذلك حتى العام المقبل الذي ستتم فيه الانتخابات
الروسية على المستويين الرئاسي والبرلماني، ولن يكون للرئيس الروسي أية فرصة في
الفوز إلا إذا نجح في القضاء على مقاومة الشيشان لتكون بذلك فرصة للمباهاة القومية
يعرضها في الدعاية الانتخابية، وهو ما يصمم أسود الشيشان على عدم منحه إياها، فكلما
ازداد النزيف في الشيشان اتسع الجرح في الكرملين، ولذلك تزداد ضراوة المعارك بين
الجانبين، فلكل أهدافه الإستراتيجية إلا أنها في النهاية تصب لصالح الشيشان مهما
كانت النتائج المنظورة على ساحة القتال.
ويكفي أن يلتسين حتى نهاية شهر مارس الماضي لم
يتمكن من فرض إدارة شيشانية تتولى بشكل دستوري، رغم أنه وعد بذلك في يناير الماضي،
وكل ما فعله لم يعد أكثر من توقيع قرار رئاسي بضرورة عمل دستور جديد وإجراء
انتخابات جديدة في الشيشان، ولا أحد يعرف أية شيشان يقصد، فوفقًا لتقرير وفد لجنة
حقوق الإنسان التابعة للبرلمان الأوروبي التي زارت المنطقة خلال الشهر الماضي
«مارس» قالت: إن عدد اللاجئين في جبال الشيشان بلغ حوالي 200 ألف، وهناك 150 ألفًا
آخرون في جمهورية الداغستان، ويوجد أيضًا 120 ألفًا في الأنجوش، فهل ستجرى الانتخابات
في الجبال ومعسكرات اللاجئين؟!
وكان كونستانزا كرهل -رئيس اللجنة- قد أكد في
تقريره مخالفات وانتهاكات روسيا لكافة مواثيق حقوق الإنسان، وقال: إن ما رآه وما
سمعه أثناء التحقيقات صدمه جدًّا.
وهل يقبل الشعب الشيشاني أن يتولى عمر
افتخارنوف -رئيس المجلس المؤقت والعميل الروسي الذي باع وطنه مقابل دراهم معدودة
لموسكو- أن يكون هو رئيسه المقبل؟
بالطبع لا. ولكن لا يوجد بديل آخر لدى موسكو
إلا هذا الرجل الذي حاول تجميل وجهه بانتقاد بعض الممارسات الروسية في الشيشان رغم
أن القوات الروسية دخلت الشيشان من خلال مناطق نفوذه، وهي خيانة قومية لا تغتفر.
الموقف الدولي
وعلى صعيد الموقف الدولي مازال الاتحاد
الأوروبي على موقفه، إذ إنه في انتظار أن تنفذ موسكو مطالبه بضرورة إيجاد حل سياسي
للأزمة الشيشانية من أجل توقيع الاتفاقية. هذا ما أعلنه كل من كلاوس كينكل -وزير
الخارجية الألماني- والان جوبيه -وزير الخارجية الفرنسي- في الأسبوع الأخير من شهر
مارس الماضي.
أما وارن كريستوفر -وزير الخارجية الأمريكي-
فقال فيما يشبه التحذير لموسكو وفقًا لما ذكرته صحيفة بني يوزيل يوم 23/3/1995م [إن]
علاقات روسيا مع مجموعة السبع الكبار ستدخل مرحلة الخطر بسبب استمرار استخدام
القوة في الشيشان، مشيرًا إلى أن الشدة في الشيشان خطأ حقيقي.
فالصورة المفجعة في الشيشان في نهاية شهر مارس
الماضي تزداد قتامة ودموية، فالقصف الروسي من الجو والبر مازال مستمرًّا، والمدن
تتهاوى وتتحول إلى أنقاض، والشعب إما يسقط ضحية للقصف أو يلجأ للجبال التي تستعد
لاستقبال المقاتلين الذين ما زالوا يقاتلون في المدن. والاتحاد الأوروبي والولايات
المتحدة يكتفيان بالتهديد ملوحين بعدم توقيع المعاهدة مع روسيا في محاولة لامتصاص
ضغوط الرأي العام لديهما أولًا، ولإيجاد المبرر بعدم توقيع ذلك ثانيًا. وبالتالي
يوظفون الورقة الشيشانية لتحقيق ذلك وليس من أجل عيون الشيشان، فالمصالح فقط هي
التي تحكم سياسة هؤلاء.
والنتيجة النهائية خلال أربعة شهور من القتال هي: إمكانية المقاومة مهما كانت قوة العدو، وسقوط ورقة التوت عن عورة دعاة حقوق الإنسان من دول ومنظمات إذ ثبت أنها وسيلة لإخضاع المخالفين فقط، وبالتأكيد على أننا نعيش زمن غثاء السيل إذ تتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فهناك قصعة في فلسطين، وأخرى في البوسنة والهرسك، وثالثة في كشمير، ورابعة في طاجيكستان، وخامسة في الشيشان، وسابعة في شمال العراق، وثامنة وتاسعة وعاشرة... إلى ما لا نهاية.