; قضية الشيشان أكبر من «مسرح موسكو».. استغلال «رفض الإرهاب» لضرب الجهاد وحق تقرير المصير | مجلة المجتمع

العنوان قضية الشيشان أكبر من «مسرح موسكو».. استغلال «رفض الإرهاب» لضرب الجهاد وحق تقرير المصير

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002

مشاهدات 70

نشر في العدد 1525

نشر في الصفحة 34

السبت 02-نوفمبر-2002

لم ينقطع الحديث عن قضية الشيشان أثناء عملية احتجاز الرهائن في مسرح موسكو الأسبوع الماضي وبعدها، ولكنه كان شبه منقطع لزمن طويل قبلها. ومن السهل بعد انتهائها الحديث بلسان النصيحة أو اللوم والإدانة أو التبرير، وليس هذا ما تحتاج قضية الشيشان إليه، بل تحتاج إلى مواكبة أحداثها والتفاعل معها وعدم التغافل عن استمرار العمليات العسكرية الروسية وتصعيدها طوال الأعوام الماضية، حتى أصبح أهل الشيشان رهائن، محتجزين لدبابات السياسة المتبعة في موسكو وطائراتها.

ما جرى في مسرح موسكو، لا ينفصل عن الأرضية العدوانية للسياسات الروسية تجاه الشيشان رغم تعاقب الحكومات والاتجاهات المتباينة على موسكو من عهد القياصرة إلى اليوم، كما لا يصح الوهم بأن قضية الشيشان العادلة، يمكن تحويلها عبر استغلال هذه العملية من قضية احتلال ومقاومة إلى قضية عمليات إرهابية.

فتلك قضايا جانبية في إطار القضية الأصلية إن القيام بعملية تعرض حياة المدنيين للخطر من هذا القبيل ليس وليد نزعة إرهابية ذاتية دونما سبب إنّما هو وليد ما يصنعه الاحتلال وقد انفجر الواقع كنتيجة حتمية لعشرات الأسباب المرتبطة بما يصنع الاحتلال.

 ولئن كان قصد منفذي العملية لفت أنظار العالم إلى قضية بلادهم، فإن ما لا ينبغي الخلط فيه أيضًا أن هذه الرغبة لا تنتج أيضًا هكذا بصورة ذاتية، ولا تلجأ تلقائيًا إلى وسيلة تنطوي على ترويع المدنيين لعدة أيام، وإنما نشأت ويمكن أن تنشأ مرة بعد أخرى نتيجة ما وصل إليه مستوى التواطؤ الدولي على ما يجري تجاه استخدام عدواني لقوة عسكرية كبرى ترتكب جرائم همجية متواصلة.

ومن هنا يحمل صانعو القرار في موسكو، ومن بواطنهم دوليًا، القسط الأعظم من المسؤولية عن النتائج الناجمة عما تصنعه السياسات والدبابات والصواريخ والطائرات الروسية.

 كذلك فإن هذه الجهات نفسها تحمل القسط الأعظم من المسؤولية عن الأحداث التي أفضت فيما أفضت إليه الآن عن مقتل العشرات من محتجزي الرهائن والرهائن بالغازات الروسية السامة المحرمة دوليًا، كما حملوا من قبل القسط الأعظم من المسؤولية عمن سقط من ضحايا بعشرات الألوف في السنوات العشر الماضية، بخلاف سقوط مئات الألوف من الشيشانيين عبر العقود بل القرون الماضية. 

وإذا أنكر البعض الوسيلة، فلا ينبغي أن ينسحب ذلك على هدف التحرير المشروع الذي يتطلع إليه أهل الشيشان، والذي لا يمكن حصره في نطاق مجموعة مسلحة ولا حتى سائر المقاتلين والمجاهدين.

إن حقوق الإنسان تحمل وصف الحقوق الأساسية والأصيلة، لأنها غير قابلة للتبديل أو المسخ أو التزييف وتشمل فيما تشمل حق التحرر وحق تقرير المصير، وحق مقاومة الاحتلال، وحق ردّ العدوان وجميع ذلك ثابت في أسس القوانين والمواثيق الدولية، فلا تخضع في ثبوتها لصالح شعب من الشعوب لمناورات سياسية محلية أو دولية أو إلى استغلال وقوع أحداث مسلحة مرفوضة، أو إلى مقايضات تقوم على خدمة أوضاع عالمية على حساب تلك الحقوق وأصحابها. 

كما أنها حقوق أساسية أصيلة ثابتة، لا ينتقص منها ارتكاب الأخطاء، لا سيما إذا كان اندفاع أولئك المقاتلين في ذاك الطريق، إنما كان نتيجة مباشرة لوحشية العدوان القائم والمستمر ضدّهم وضد أهليهم وبلادهم وتاريخهم ومستقبلهم، مع ما يرافق ذلك من مواقف التواطؤ أو مواقف الصمت المخزي، عالميًا، بصورة لا تعبر عن تقدير قيم إنسانية، ولا عن اتباع حنكة سياسية، ناهيك عن الالتزام بما بالمواثيق الدولية.

حق المقاومة وحق الاستقلال

 كثيرًا ما يشير بعض المعارضين لهدف الاستقلال في الشيشان إلى أنه غير قابل للتحقيق. فلا ينبغي للشيشانيين العمل من أجله، ويعللون ذلك بتعليلات واقعية، سواء بسبب الوضع الجغرافي أو مساحة الأرض أو الاعتبارات الإقليمية للاتحاد الروسي، أو الخلل في موازين القوى.

وتأخذ هذه الاعتراضات مداها عندما تقترن بتوجيه الاتهام إلى المطالبين بالاستقلال بأنهم يخادعون شعبهم، ويجرون له الويلات وبأنهم لا يملكون القدرة على مقاومة القوة العسكرية الطاغية الروسية.

وهذا أسلوب مردود لا يصلح للنظر في قضية تدور حول حق أساسي من جهة وحول أوضاع الشيشان من جهة أخرى. ويمكن إيجاز الرد الواجب في عبارات معدودة، فليس في المسألة اختيار فقد كان الواقع الذي فرضه الاحتلال الروسي، هو الذي يخير الشيشان ما بين المقاومة والتضحية أو استمرار احتلال استغلالي قاتل، بل يسري ذلك على الجزء الأعظم من الأراضي الإسلامية الممتدة من طاجيكستان حتى غرب القوقاز، فعلاوة على جولات البطش العسكري المتكررة، كان الاحتلال الروسي باستمرار يعني الاستيلاء غير المشروع على ثروات السكان المسلمين واستغلالها أبشع استغلال لرفع مستوى المعيشة في الشمال الروسي، مقابل انخفاض مستوى المعيشة في الجنوب باستمرار، فلم تكن حتى الشيوعية في الماضي توزع الفقر بالتساوي بل وفق تمييز لا يختلف عن التمييز العنصري الذي كان في جنوب إفريقيا قديمًا، إذ كان متوسط دخل الفرد في مناطق المسلمين التي استقلت أقل من نصف متوسط دخل الفرد الروسي، وازداد هذا الخلل اتساعًا في الاتحاد الروسي، خلال السنوات التالية لسقوط الاتحاد السوفييتي.

 ويضاف إلى ما سبق، عدم صحة القول بأن مقومات الدولة المستقلة لا تتوافر للشيشان سياسيًا واقتصاديًا وشعبيًا، بل يوجد من الدول المستقرة في العالم من لا يملك ما تملك الشيشان من المقومات هذا علاوة على أن قضية القوقاز ليست قضية الشيشان وحدها، وأن هذا بالذات ما جعل موسكو تتحرك بأشد ما تستطيع من الضراوة العسكرية، فالشيشان نبهت في التسعينيات الميلادية بأن استقلال شمال القوقاز بات وشيكًا، كما استقل جنوب المنطقة والجزء الأكبر من تركستان الغربية. 

ويمكن استكمال جوانب الصورة بالإشارة إلى خطأ تعميم التصور القائل باستحالة تحقيق المقاومة الشيشانية أهدافها عبر المواجهة في ساحة القتال... ولا نعود في ذلك فقط إلى نتائج الحرب الأولى بين ١٩٩٤ و١٩٩٦م فحسب، وإنما نعود أيضًا إلى حقيقة أن تطورات حرب الشيشان تسجل حتى الآن سائر المعالم المميزة التي عرفتها حركات المقاومة الشعبية المسلحة المحدودة الطاقات تجاه قوة احتلال كبرى.. وانتهت بالاستقلال.

 إن من يدعو الشيشانيين إلى التخلي عن هدف التحرر تحت عنوان تخفيف معاناتهم والخشية على الضحايا، ينبغي أن يوجه جهده للعمل من أجل وقف العدوان الروسي لمنع سقوط الضحايا.. وليس العمل من أجل وقف المقاومة.

أهمية الرأي العام وشروط تفعيله

ما سبق لا يعني المسارعة إلى اتخاذ موقف التأييد أو التبرير لسائر ما تقوم به هذه المجموعة أو تلك من مجموعات المقاومة. ولكن لا ينبغي في الوقت نفسه القبول بمواقف المسارعة إلى الإدانة دون وضعها في موضعها من إدانة أكبر لما صنعته وتصنعه القوات الروسية، فالإجرام العسكري الروسي المتواصل هو السبب من وراء نشأة أجيال متعاقبة تقاوم بما تملك من إمكانات محدودة، كما أن القتل الروسي الفتّاك هو الذي يجعل بعض فئات من ضحايا التشريد والقهر والفقر والاستغلال، ومن ذوي ضحايا الشهداء يلجؤون إلى استخدام وسائل في المقاومة، لا يميزون فيها بين هدف عسكري وآخر مدني. 

 بعض من يكتبون ويتحدثون عن المجاهدين الشيشانيين، يسارعون إلى تأكيد أن الروس يقتلون المدنيين الأطفال والنساء والشيوخ ويدمرون كل هدف عسكري ومدني دون تمييز... فعلام لا يرد المقاتلون عليهم بالمثل؟.. وهل يمكن أن يلام الطرف الأضعف عسكريًا في هذه الحالة؟..

وشبيه ذلك من الحجج يتكرر عند التذكير بأهمية كسب الرأي العام، مقابل التأثير السلبي لهذه العمليات على الشعوب، فالجواب في غالب الأحوال، هو القول إن الرأي العام لم يؤثر على مجرى أحداث القضية على كل حال..

وعلى أي حال لا يفيد الجدل حول أهمية الرأي العام، أو عدم أهميته، إنما ينبغي طرح السؤال الأهم عن كيفية دفعه إلى التحرك والتأثير الإيجابي، فأهميته مرتبطة بتأثيره وليس بمجرد وجوده!

هنا ينبغي الرجوع للفترة التي سبقت عملية موسكو، إذ إن الرأي العام الغربي على الأقل بدأ يتنبه تدريجيًا إلى قضية الشيشان، ولفت النظر أن وقوع عدد من العمليات الشيشانية ضد أهداف عسكرية وشبه عسكرية روسية مؤخرًا، لم يجد أصواتًا من جانب الرأي العام الأوروبي تلوم وتدين، بقدر ما وجد أصواتًا تقارن بين بطولات شيشانية وهمجية عسكرية روسية. كذلك فقد بدأت تتجدد الانتقادات العلنية لمسؤولين سياسيين باعوا قضية الشيشان وأهلها وسكنوا عما يصنعه الروس فضحوا بها وبحقوق الإنسان على مذبح لعبة الحرب الأمريكية الجديدة.

هل يبرر خلل ميزان القوى عمليات ضد المدنيين؟

ما الذي يمكن أن تصنعه قوة محدودة للمقاومة.. تجاه قوة احتلال عسكرية عاتية؟.. 

ألا يوجب الخلل الكبير بين الجانبين لجوء الأضعف إلى توجيه ضربات فعالة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى مواجهة نقاط الضعف عند الطرف الآخر؟..

هذه تساؤلات مطروحة وتحتاج إلى جواب ولكن لا ينبغي فصل الجواب عن سواه من جوانب الموضوع، فهو جزء من الرؤية الشاملة للقضية ويرتبط مباشرة بالتأكيد المتكرر على أنها قضية احتلال وتحرير وتأكيد مشروعية المقاومة، وتأكيد أهمية اختيار السبل القويمة لكسب التأييد لصالحها.. وفي هذا الإطار يمكن القول: 

١. إن الإمكانات المحدودة نسبيًا، تستدعي تجنب صرفها في تنفيذ عملية ضد مدنيين، لا تظهر بطولة حقيقية، وتنتهي غالبًا بنتائج سلبية. قد تسبب سقوط مسؤول أو أكثر بدعوى التقصير في الاحتياطات الأمنية أو خطأ في اتخاذ الإجراءات المضادة، لكنها لا تغير مجرى الأحداث ونهجها العام. 

2- إن الفاعلية الأكبر للنيل بإمكانات محدودة من عدو مدجج بالسلاح هو استعراض القدرة على توجيه الضربات الشديدة له، وذلك في مواقع تحصينه، فهذا ما يبين عدم جدوى استخدام السلاح لقمع الشعوب.

 3- لم يسبق أن أدت عمليات ضد المدنيين إلى تحقيق هدف من قبيل تحرير بلد وشعب.. ولكن بالمقابل أمكن من خلال المواجهة العسكرية أن تحقق مجموعات مقاومة محدودة العدد والعدة غالبًا، هدف الاستقلال، أو هدف رد عدوان عسكري خارجي وإن تفاوتت موازين القوى العسكرية تفاوتًا كبيرًا. 

4- إن أهل الشيشان أصبحوا على امتداد سنوات عنوانًا للجهاد ضد قوات احتلال أجنبية طاغية، حتى بدأ ينتشر الاقتناع بين الروس أنفسهم بأن ما يجري في الشيشان هو قتال ضد شعب صغير بسبب مطامع اقتصادية في الدرجة الأولى، وقد بلغ هذا الاقتناع درجة واسعة النطاق دفعت الرئيس الروسي السابق يلتسين عشية جولة انتخابات جديدة إلى القبول بإنهاء الحرب التي بدأها من قبل، والانسحاب العسكري عام ١٩٩٦م. ويمكن أن يرغم تبدل موقف الشعب الروسي الرئيس الحالي بوتين أو من يتبعه في السلطة على التراجع أيضًا. 

إن العدد الأكبر والأهم من مفاتيح قضية الشيشان هو في الأيدي الشيشانية لا الروسية فالمجاهدون قادرون على تحقيق النصر من خلال: 

١- وضوح أهدافهم المشروعة وأسلوب طرحها بصورة قويمة.

 ٢. البطولات التي تثبت وجودهم وقدراتهم في ساحات القتال على أرضهم.

3. الحرص على إظهار وحشية الطرف الآخر في جبهة القتال مع تجنب الظهور في وضع يماثل وضعه.

ومن الضروري الإشارة هنا إلى عدم صحة المقارنة بين وضع المقاومة في الشيشان ووضعها في فلسطين، فلكل قضية معطياتها الذاتية وإن تطابقت بعض العناصر بينهما.. وتأتي المقارنة عند محاولة تبرير عمليات من قبل عملية مسرح موسكو، عبر المقارنة بمشروعية العمليات الاستشهادية في فلسطين.. فالواقع أن من أكد هذه المشروعية في فلسطين، وضع لها شروطًا عديدة منها مثلاً طبيعة الاحتلال الاستيطاني العسكري لفلسطين. 

إنما تبقى من وراء ذلك المقارنة الثابتة في وعي المسلمين أن بطولات المجاهدين في الشيشان وتضحيات أهلها كبطولات المجاهدين بفلسطين وتضحيات أهلها أضاءت للمسلمين، آفاقًا كانت مظلمة من قبل، وبدأت تعيد الأمل في تحقيق الأهداف المشروعة للمسلمين، تحريرًا للأرض والإنسان، واستعادة للحقوق والكرامة.. مع إحياء روح الجهاد من جديد بمختلف وسائله المشروعة، وهذا في عالم معاصر يزداد اعتماد القوى المهيمنة فيه على البطش في مواجهة الشعوب وحقوقها الأساسية، وفي الحيلولة دون أن تصل القضايا العادلة إلى غاياتها المشروعة.

الرابط المختصر :