العنوان استغلال الأدب
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973
مشاهدات 11
نشر في العدد 149
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-مايو-1973
«هذه أحاديث نفس قلقة على مصير ثقافة هذه الأمة وما يتعاورها من تيارات داخلية من قِبَل أبنائها وما هو وافد من الخارج»
الناظر في الأدب العربي المعاصر يجد أنه لم تلتئم ولم تتوحد أواصره، ولم يأخذ سمتًا معروفًا، وإنما هو أشتات أفكار موزعة.. لا تعرف الانتماء إلى هويتها، وإنما مثلها مثل الغريق في بحر لجيّ، ومن هنا يأتي ضياعها وبعدها عن واقعها الذي تنبت فيه.. ولذلك لا تصل هذه الآثار إلى درجة معلومة من الفهم والأخذ بالعمل بها.. أو تقديم أية أهمية لحياة الناس من واقع هذا الأدب المعروف في عالمنا العربي والإسلامي.
ثمة أمور كثيرة تتعاور على هذه الثقافة لتبعدها عن مجالها الرئيسي حتى لا تجد لها الميدان الذي تعمل فيه، وجاءت من ذلك نواحٍ عدة أفقرت الروح العربية المعاصرة عن أن تؤدي دورها المنشود.. وحالة هذه الأمة منذ زمن الركود وعصائب الاستعمار الوافدة، وما صاحب هذه الفترات التي مرت بها من أعاصير ثقافية ممزوجة بالحقد على ثقافة الأمة المسلمة لتشوهها وتفارق صورتها الأصلية الوضيئة من أذهان أبناء هذه الأمة؛ ضاعت فكرة هذا الجيل.. بل أجيال سبقت من قبله عن إشعاعات ثقافتها العريقة الممتدة ذلك الامتداد العجيب في الفكر العالمي ومدى تأثيره الذي طُمِس من أكثر من جهة.
رجعية الفكر أو هكذا يظنون!
من الأمور التي تلفت النظر وتبعث على الدهشة هو هذا الذي نراه في كتابات كتابنا ممن يدعون التعمق في الدراسات، ويظن أحدهم -عن إعجاب بنفسه- أنه بلغ شأوًا في النواحي الفكرية وأدى إلى الإنسانية وإلى أمته خاصة خدمات جليلة؛ لأنه ناصر القضية المعلن عنها في بيئة لم يسمع بها أحد.. أو أنه ناصر داعية من دعاة التشويه وأصحاب الأغراض ممن يستهدفون دفن قيمنا.. هذا الداعية الذي ناصر ذاك في إسقاط القديم والتنكر له يظن -تعاليًا على أمته وعلى فكرها- أنه لا يبارَى في ميدان هذه الدراسات!
وحال النقاد لا يخفى، فهذا دأبهم، ويؤسفني أن أذكر أن أكثر نقادنا هم أولئك الذين شاعت فيهم روح العصر الغربي، فيكاد أحدهم يفقد روحه كمسلم وكعربي لولا أنه يتكلم العربية على الرغم من تشدقه بكلمات أجنبية في مجالات لا تسمح لها الكلمة العربية أن تأتي به.. أما الفكر وما يدبجه فهو أبعد ما يمكن عن روح هذه الثقافة العريقة وعن روح هذه اللغة العظيمة.
ومما يبعث على الأسف أيضًا هذا التهافت العجيب على الثقافة الغربية والتشبع بمبادئها ومذاهبها واعتبارها بالتالي مصدرًا ثرًا لإحياء تراثنا أو لتوجيه التهم إلى عظمة تراثنا، حتى يبدو بصورة ضعيفة واهنة أمام تيارات الفكر الغربي.. لكن أيما رجل يملك قليلًا من حصافة الرأي وسعة الاطلاع.. أو حتى من بداهة التفكير يدرك تمامًا سفاهة هذا المشاع وعظمة ذاك الذي يحاول البعض إخفاءه.
وأعجب من هذا أنهم في وضع كان من الواجب عليهم أن يبرزوا التراث العظيم الذي وضع لكل شيء أساسه، وترك للناس بعد ذلك البحث والنظر..
في هذه الحالة الواهنة الضعيفة القاتلة لأدبنا المعاصر يُشاع كل هذا ويُذاع، ويُروج له ويُنادى على كل منبر، وعجبًا للميت يريد أن يمد الحي بروح من عنده!
ولا أدري هل أحس المعاصرون أنهم قد فهموا اللغة أكثر من القدماء.. وهم يتفاصحون عليهم وكثير منهم لا يحسن ضبط كلمات بيت شعر قديم، أم أنهم بنظرتهم هذه يسخرون من هؤلاء العمالقة في فنهم الذين لم تجد الدنيا من يباريهم سعة فهم وبعد إدراك وقوة شكيمة في الصبر على العلم وتتبعه وإطالة نظر واستقصاء؟
ويح هؤلاء الذين يخشون إن عادوا إلى منبع القوة في الأدب العظيم لأمتهم أن يُرموا بكلمات يخافون أن تَعْلَق بهم، أعني خشيتهم من الاتهام برجعية الفكر أيضًا..
الصحافة والأدب الهزيل
ما من شك أن البراعة تنفتح حين تتهيأ لها الأسباب، لكن هذا لا يعني زيادة الأسباب التي توفر لها، فتطغى عليها، وبالتالي تؤدي إلى فنائها وهلاكها.
وواقع صحافتنا واقع ينضوي تحت أكثر من خط.. ينحني تارة، ولا يتحدد اتجاهه في أكثر الأوقات.. هذا متمثل فيما نقرأه في أكثر المجلات التي دأبت على أن تجعل صفحة أو أكثر لما يكتبه القراء حتى لقد أصبح سمة من سمات هذه المجلات.
شيء جميل أن يكون هناك تشجيع من جانب الصحافة للناشئة حتى يحسوا بمواهبهم تنمو، لكن الذي يفسد كل هذا أن هذه الصحف تنشر كل رديء ومستهجن على سبيل كسب القراء.. وهي بذلك توجه صفعات حارة للأدب الممتهن اسمه من خلال هذا الكلام الذي اصطلحوا على تسميته ظلمًا بـ«الأدب»، وأغلب ما يلاحظ من تلك الكلمات الضائعة ذلك التغني بالجنس.. وإثارة كوامن النفس.. حتى لكأن شباب هذه الأمة لم يجدوا سوى هذه الاهتمامات.. ونسوا أنهم يعيشون هذه الحياة التي تحمل نذرها كل يوم داهية من دواهي زمن أغبر يبشر بوروده على الأنفس الضائعة فيزهقها في ساعة من ليل أو نهار.. هذه هي السمة العامة لما يُكتب.. ثم إنه من الظلم والشناعة أن نسمي ذلك كتابة فضلًا عن أن نسميه أدبًا.. فقبل أن «يتحرر» الشعراء من الأوزان ما وجدنا من هذا من شيء، فلما أحسوا الانفلات.. سالت الأقلام ودبج اليراع.. ما دامت القيود قد فكت والأوزان قد أخلت وانتهكت كل قوانين الأدب وأصوله، فلا على أي شخص مهما كان أن يدخل هذا الميدان يعرض تجارته في سوق خاسرة.. يربح هو فيها نشر اسمه على الأقل.. ويباهي بهذه الكلمات التي أملاها عليه شيطانه ووهمه.
هذه السانحة طالما أملت علي أفكارًا كثيرة.. لكني رددتها.. لأني أعرف أنها إلى زوال إن عاجلًا أو آجلًا، هذا جانب.. والجانب الآخر.. تلك المجلات الأدبية الكبيرة التي يشرف عليها بعض الأدباء وتصدر في أنحاء العالم العربي.. كم تنشر من هذا الغث؟ ولا أطيل فيها.. فقد حدثني أستاذ جامعي التقى مع رئيس تحرير مجلة أدبية ودار بينهما نقاش حول ما ينشر من هذا الهراء، وقال له: كان على المجلة أن تربأ عن نشر مثل هذه الكلمات المحنطة! فقال له رئيس التحرير: للعلم أقول إن ما ينشر هنا.. هو زبدة ما يصلنا.. وبعد جهد جهيد وفحص دقيق عميق نستخلص ما ترى.. أما ما تعرفه سلة المهملات فلا أصفه لك وكفاك فهمًا لما أريد قوله.
هذه هي المجلات الأدبية وكتابها الذين ينشرون فيها قصائدهم بهذه الرداءة، فكيف ما ينشر بالمجلات الرخيصة التي تحاول جذب القارئ في سبيل الحفاظ على شراء المجلة؟
هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى.. هذا الهزال البادي في شعر الشعراء المعاصرين الذي حدثتك عن نشره في هذه المجلات.. ولا يتورع أحدهم عن تسفيه الشعر القديم جاهليه وإسلاميه حتى لكأنه قد فاق هؤلاء جميعًا وتقدم الصف وهو هو من لا يستطيع ضبط الكلمة.. أو إقامة وزن البيت.. مدللًا بذلك كله على حرصه على مشايعة الفكر الوافد!
هذه مفارقات عجيبة تبعث الأسى وتزيد في الحزن.. كما أنها ضحك مشوب بالبكاء.
إحياء الموتى.. وحالات الجهل
ثمة أمر آخر وهذا ليس بجديد.. ذاك الذي نقرؤه بالعامية، وأقول من حسرة قاتلة إنهم أيضًا يسمونه «أدبًا»!
لماذا يصرون هذا الإصرار ويخصصون له الصفحات الملونة المزركشة؟
ونحن نعلم أن الدعوة إلى العامية لم تفلح حتى في ظلال الاستعمار أيام كان يحاول طمس كل روح إسلامية وكل لسان عربي يتحدث بلغة الضاد بكل ما أوتي من قوة وتحت تهديد السلاح والدمار والفناء.. أيام إن كان له الملك والصولجان في هذه البقاع، وكانت ملايينه تهدر على حفنة من المشعوذين ليصطنعوا له تمكينًا من لغة هذا الشعب وثقافته ودينه.
وكانت معارك شديدة قاسية.. تلك التي أضرموا نارها.. لكنها خمدت وأصبحت رمادًا ذرتها الرياح منذ زمن.
على أن المخدوعين ظلوا يتحينون الفرص ويهتبلون أوقاتًا مناسبة لعلهم يستطيعون أن يقدموا للمستعمر يدًا.. وكان الخسران نصيبهم.. وما عادوا بفائدة.
مع كل هذا ما زال هناك عدد من الذين يناصرون هذه الدعوة ويقيمون لها وزنًا -في أنفسهم- وإن كانت الحقائق تدمغها بالفشل.
وعندي أن المسألة لا تتعدى حالات الجهل المتمكنة في نفوسهم.. وعدم فهمهم لمعنى الأدب ذاته.. فهم يقولون إن الأدب العامي قديم ووجد في زمن نضج الأدب العربي وبلوغ الثقافة الإسلامية مدها الكبير.. وهنا يغالطون لسوء فهم وعدم تبين.. ذاك أن الأدب العامي أو «أدب العامة» كما كان يطلق عليه كان يصاغ بلسان عربي فصيح.. بلغة عربية فصيحة، لا اللهجة التي يستخدمونها الآن، وذلك أن هناك طبقة لا تفهم كل ما يكتب لتفاوت درجات الفهم بين الناس، ومن ثم وجود معانٍ جديدة لا يحسن العامي فهمها.. فوجد من يقدم لهذا العامي ثقافته المناسبة له والتي تجعله يعرف ما يدور حوله.. وبذلك أطلق عليه «أدب العامة».
صورة أخرى لهذا الجهل.. عدم فهمهم للغة العربية -وفيهم نفس تتطلع- فلذلك وجدوا أن أحسن طريقة للظهور هي التعبير باللهجة المحلية وبذلك يكسبون ما يريدون.. كما أن عدم قدرتهم على التعبير باللغة العربية يدعوهم إلى الالتجاء إلى هذا الصنف من التحايل على الفكر.. ومن المضحك أن يظهر أحد نقادنا في هذا الوقت مبشرًا وداعية إلى إيجاد لهجة مشتركة للعالم العربي.
ثالث صور الجهل هي تلك الحالة التي ذكرتها سابقًا من مناصرة وخدمة للمستعمر الذي رحل بعسكره وترك فكره..
وبعد.. هذه أحاديث نفس قلقة على مصير ثقافة هذه الأمة وما يتعاورها من تيارات داخلية من قبل أبنائها وما هو وافد من الخارج، وأملي كبير في أن كل هذه التيارات سوف تتوقف ويكتب لهذه اللغة الخلود بخلود القرآن العظيم.. وسوف يتضاءل كل شيء دونها وتبقى شامخة لا يطاولها متطاول ولا يبلغ عزها شانئ، وسوف تهوي الصروح التي تمولها وتظل هي رائدة القرون إلى حين الوقت المعلوم.