العنوان استراتيجية السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1994
مشاهدات 83
نشر في العدد 1113
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 23-أغسطس-1994
· «سيطرة اليهود على إدارة كلينتون دعمت النفوذ الصهيوني في المنطقة العربية بقوة»
· «نجاح الجالية اليهودية في الاستيلاء على غالبية وسائل الإعلام من صحافة وتلفزيون ودور نشر وصناعة أفلام دعم نفوذها داخل أمريكا وخاصة على مؤسسة الرئاسة»
· «ارتبطت المعونات الأمريكية لإسرائيل بقضايا السياسة الداخلية.. وفي مقدمتها تمويل الحملات الانتخابية للكونجرس»
بدأ نفوذ اليهود في الإدارة الأمريكية يتصاعد في بداية الستينيات، وقد وصل ذروته في عهد كلينتون.
بنت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها الخاصة بالمنطقة العربية - حتى إعلان الحرب العالمية الثانية - على أساس حماية حقوقها التجارية ومصالح رعاياها، مع تجنب التورط سياسيًا أو تحمل تبعات سياسية في بلاد كانت تعدها - دائمًا - منطقة نفوذ أوروبي بالدرجة الأولى، وظلت أمريكا متمسكة بهذه السياسة حتى السنوات الأولى من الحرب، عندما دخلت طرفًا فيها إلى جانب الحلفاء، فازدادت التزاماتها السياسية والعسكرية، وتنوعت اهتماماتها بالمنطقة العربية، ولم يعد إطار دورها السياسي في المنطقة قبل الحرب يرضي مصالحها، ويعبر عن تطلعاتها تجاه المنطقة، فتخلصت منه، وراحت تبحث لنفسها عن إطار جديد لسياسة عربية تعبر عن المتغيرات التي خلفتها الحرب.
العلاقات الأمريكية - «الإسرائيلية»: حالة خاصة
احتضنت الولايات المتحدة، كما لم تفعل أي دولة أخرى في العالم، المشروع الصهيوني في حلته «الإسرائيلية» المعادية، فجعلت من عدو العرب الأساسي مجتمعًا مدججًا بالسلاح الحديث، يتمون من الترسانة الأمريكية بحرية مطلقة تقريبًا، بل أصبحت الإدارة الأمريكية تبدو أحيانًا وكأنها رهينة الأفضليات والرغبات الصادرة من تل أبيب!!، وهي حالة جديرة بإمعان النظر فيها والبحث عن تفسير لها.
إن تحليل أسباب ومقومات المعونة الأمريكية لإسرائيل سوف يوصل إلى نتيجة تقول: إنه لا يمكن فصل تلك المعونة عن تطور سياسة أمريكا تجاه البلاد العربية ولا عن ملابسات سياسة أمريكا الداخلية، ففي الخمسينيات كانت سياسة أمريكا تجاه منطقة الشرق الأوسط تقوم على محاربة الشيوعية وتكريس خضوع تلك المنطقة لنفوذ الدول الغربية، وفي الوقت نفسه، كان نفوذ الجالية اليهودية في أمريكا محدودًا وارتباطها بإسرائيل ضعيفًا، ووجود إنجلترا وفرنسا في المنطقة العربية كان كبيرًا، لذلك كان دعم أمريكا لإسرائيل محدودًا للغاية إذا ما قيس بالدعم الأمريكي لدول جنوب شرق آسيا الأكثر تهديدًا بالأخطار الشيوعية، وفي الوقت نفسه اقتصر الدعم الأمريكي للدولة اليهودية على تقديم المعونات الاقتصادية، التي قل حجمها، وغلبت عليها القروض، وعلى الوقوف إلى جانبها في المحافل الدولية؛ لتكريس وجودها ضمن حدود عام 1948/ 1949م، وفي عام 1956م رفض الرئيس الأمريكي إيزنهاور السماح لإسرائيل بالتوسع على حساب البلاد العربية المجاورة، حين أجبرها على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة بعد احتلالهما في أثناء العدوان الثلاثي على مصر، ولعل هذا الموقف كان يقوم على حسابات أمريكية دقيقة لمستقبل المنطقة وحيوية الدور المنتظر للنفوذ الأمريكي فيها بعد الانسحاب البريطاني من شرق السويس.
تزايد نفوذ اليهود في داخل أمريكا
وفي الستينيات أخذ نفوذ إنجلترا وفرنسا يتراجع بشكل متسارع في البلاد العربية في حين كان النفوذ السوفيتي يتسلل إلى تلك المنطقة من خلال إمداد البلدان العربية بالأسلحة والمعونات المالية والفنية، وفي ذلك الوقت كان نفوذ الجالية اليهودية داخل أمريكا يزداد بشكل متسارع؛ بسبب تحالفهم مع السود وقيامهم بقيادة حركة الحقوق المدنية للأقليات من ناحية، ونجاحهم في الاستيلاء على غالبية وسائل الإعلام من صحافة ودور نشر وتلفزيون وصناعة أفلام هوليوود من ناحية ثانية، وبعد عام 1967م توطدت علاقتهم بإسرائيل التي أصبحت تجسد بالنسبة إليهم الوطن الآخر، ومصدر الإلهام الروحي ورمز الاعتزاز الذي حرر الغالبية من عقدة الجبن والخوف، وخلال تلك الفترة، قام اليهود بعقد صفقة مع الرئيس جونسون؛ لدعم سياسته العدوانية في فيتنام مقابل وقوفه إلى جانب إسرائيل في حال تعرضها للخطر، وهكذا تم تعزيز قدرة اليهود على استخدام السياسة الداخلية لتوجيه السياسة الخارجية، والقيام بتطويع الثانية لخدمة الأولى، وهو المبدأ الذي تم إرساؤه أصلاً عام 1947م عندما قامت إدارة الرئيس ترومان بدعم قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين.
إسرائيل أداة لأمريكا في المنطقة
وفي عام 1967م أثبتت إسرائيل جدارتها ومقدرتها على الوقوف في وجه قوى القومية العربية عندما قامت بالاعتداء على كل من مصر وسوريا والأردن، وإلحاق الهزيمة بها، وبسبب تراجع نفوذ أمريكا على الساحة الدولية بعد فيتنام، واندحار نفوذ إنجلترا وفرنسا من البلاد العربية، وتزايد نفوذ الاتحاد السوفيتي في العديد من بقاع العالم، تبلورت حاجة أمريكا إلى إسرائيل كأداة من أدوات استراتيجيتها الدولية.
وهكذا تحالفت العوامل الداخلية (تزايد نفوذ الجالية اليهودية وضعف الإدارة) مع العوامل الخارجية (الحاجة إلى أداة عسكرية بعد تبلور حدود قدرات أمريكا العسكرية)؛ لدفع أمريكا إلى الاستثمار في إسرائيل، وتقديم المعونات الاقتصادية والعسكرية لها بسخاء، وإعدادها للقيام بدور الوكيل لحماية المصالح الأمريكية في العديد من بقاع العالم، وبخاصة في المنطقة العربية.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن تفاعل إسرائيل المباشر داخل أمريكا، وكذلك الجالية اليهودية انحصر خلال تلك الفترة مع الرئيس والحكومة؛ لذلك، كانت العلاقة بين المعونات الأمريكية لإسرائيل واستراتيجية أمريكا الدولية علاقة واضحة تمامًا، خاصة وأن الرئيس خلال تلك الفترة انفرد كليًا في صنع وتنفيذ سياسة أمريكا الخارجية.
السيطرة على الكونجرس
في فترة السبعينيات حصلت عدة تطورات داخل أمريكا، نتج عنها تفكك العلاقة بين المعونات الأمريكية لإسرائيل والسياسة الخارجية، وتشابكت تلك المعونات بملابسات السياسة الداخلية، فبدأت تلك الفترة بتراجع سلطات الرئيس بعد الهزيمة الأمريكية في فيتنام، وقيام الكونجرس بالدخول كشريك في صنع السياسة الخارجية، وإحكام إشرافه عليها، ولقد تبع ذلك – في أثناء حكم كارتر – التوجه نحو مساعدة الدول الفقيرة والإيمان بحتمية التغيير في دول العالم الثالث، واتخاذ قرار بالوقوف إلى جانب التغيير وعدم مواجهته، وبدأت تظهر في الوقت نفسه بوادر فشل العديد من التجارب الماركسية، وتراجع مخاطر الشيوعية وقوى القومية العربية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا أدى بدوره إلى تراجع أهمية إسرائيل كأداة لضرب حركة التحرر العربية التي كانت تعاني من الوهن، ولمواجهة الأطماع السوفيتية التي كانت في حالة انحسار؛ لذلك قامت إسرائيل والجالية اليهودية الأمريكية بالتركيز على الكونجرس الذي أصبح شريكًا في صنع السياسة الخارجية، والمسؤول الأول عن برنامج المعونات الخارجية، في تلك الفترة كانت قوى اللوبي الصهيوني ومجموعات العمل السياسي – التي استهدفت أساسًا تطويع قرارات الكونجرس لخدمة أهداف داخلية محددة – تزداد نشاطًا، وتكتسب نوعًا من الشرعية. ومما ساعد تلك القوى على التأثير في مواقف وتوجهات أعضاء الكونجرس الارتفاع الباهظ لتكاليف الحملات الانتخابية في عهد التلفزيون، ونجاح تلك القوى في جمع الأموال الكبيرة لتمويل تلك الحملات الانتخابية.
وهكذا، أصبحت المعونات الأمريكية لإسرائيل ترتبط ارتباطًا كبيرًا بقضايا السياسة الداخلية، وفي مقدمتها قضايا تمويل الحملات الانتخابية، ودور الكونجرس في صناعة السياسة الخارجية، وعلاقة السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية، ومما يثبت هذا التحول أن الكونجرس قام بإمداد إسرائيل بمعونات ومنح أكثر مما طلب الرئيس في أكثر من حالة، كما أنه قام أكثر من مرة بتعطيل سياسة أمريكا الخارجية عندما تتعارض مع الأهداف الإسرائيلية.
وفي عهد الرئيس بوش بدأت عواصف التغيير تعمل في اتجاه لا يتجاوب مع مصالح إسرائيل على الساحتين الداخلية والخارجية، فخارجيًا كانت تزداد فرص التعاون مع الاتحاد السوفيتي لحل المشاكل الإقليمية، وإنهاء الحرب الباردة، وهذا يعني تراجع مكانة وأهمية «الدولة الأداة» كإسرائيل، في تنفيذ سياسة أمريكا الخارجية تجاه الاتحاد السوفيتي، وفي الوقت نفسه كان الاتحاد السوفيتي يبدو وكأنه اعترف بأن المنطقة العربية هي منطقة نفوذ غربي، وأنه لا أمل في تحويل أي من دولها إلى الماركسية، وأن عداء تلك الدول للسياسة الأمريكية إنما هو عداء لا يتجاوز العبارات الكلامية والتصريحات السياسية، وداخليًا هناك حملة ضد الفساد في الكونجرس، ومشاريع قرارات عدة لتعديل قوانين تمويل الحملات الانتخابية، وصيحات تطالب بخفض ميزانية برنامج المعونة الأمريكية في ضوء العجز الكبير، كما ساهمت الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة – في الوقت نفسه – في كشف حقيقة الادعاءات الإسرائيلية، وتحويل جزء كبير من يهود أمريكا إلى موقف دفاعي، وبالتالي اضطرارهم إلى التنازل عن المواقف الهجومية التي كانوا يحملونها في الماضي القريب، والتي استخدمت لتكريس وزيادة الدعم الأمريكي للدولة اليهودية.
الرئيس كلينتون.. استمرار الدعم بوسائل أخرى
تضمنت الورقة الانتخابية لحملة كلينتون - غور شعار «إن إدارتنا لن تخذل إسرائيل أبدًا»، وكان واضحًا أن الإدارة الديمقراطية - كعادتها – كانت أشد ولاءً ودعمًا لإسرائيل، ولعل الفرق بين هذه الإدارة وسابقاتها أنها أتت بعدد كافٍ من اليهود؛ ليكونوا بين واضعي السياسة الأمريكية، وعلى صلة حميمة بالمؤسسة الإسرائيلية ومراكزها بالعاصمة واشنطن.
فمشروع السلام الحالي هو عبارة عن ورقة أعدها معهد «واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP)»، وهو أحد المؤسسات اليهودية النشطة في مجال رسم السياسات، وقد أشرف على تلك الدراسة «مارتن إندك» - المدير السابق للمعهد، والمرشح حاليًا كسفير للولايات المتحدة لدى إسرائيل خلفًا للسفير المستقيل إدوارد دجيرجيان – ومع مجيء كلينتون للرئاسة اختار «إندك»؛ ليكون في مجلس الأمن القومي مشرفًا على الدائرة الشرق أوسطية، وبدخول «إندك» للبيت الأبيض ومعه دينيس روس اليهودي كذلك، تكاملت خطة معهد واشنطن تجاه سلام الشرق الأوسط، وأنصت الرئيس كلينتون لمستشاريه، ونجحت الخطة في استدراج الفلسطينيين لعقد صفقة الصلح مع إسرائيل بتوجيه ومتابعة الإدارة الأمريكية الحالية.
إن التكهنات تشير إلى أن السلام – على الطريقة الإسرائيلية – سيتحقق بنهاية هذا العام، ما لم تحدث هزات جماهيرية وسياسية ضخمة على الساحة العربية، ولكن يبدو أن المواجهة الحقيقية مع إسرائيل ستنحسر حتى نهاية هذا العقد وبدايات القرن القادم؛ انتظارًا لحسم الإسلاميين لمعاركهم مع العلمانية والاستبداد السياسي الطاغي على كثير من أنظمة الحكم العربية الرسمية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل