; استراتيجية التعذيب حول العالم | مجلة المجتمع

العنوان استراتيجية التعذيب حول العالم

الكاتب علي حسين باكير

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005

مشاهدات 78

نشر في العدد 1651

نشر في الصفحة 28

السبت 14-مايو-2005

«بعد مرور سنة على أبو غريب، تستمر الولايات المتحدة بفعل ما تفعله الدكتاتوريات وجمهوريات الموز عندما تفتضح جرائمها أمام العالم: من تغطية للفضيحة ونقل اللوم إلى الأسفل، في حين يستمر جدار من الحصانة بإحاطة مهندسي السياسات التي أدت إلى كل هذه الجرائم».

«ريد برودي» المستشار الخاص في منظمة هيومن رايتس ووتش.

مر عام وأكثر قليلًا «أبريل من عام 2004» على كشف فظائع تعذيب المعتقلين العراقيين على أيدي قوات الاحتلال في «سجن أبو غريب».

ويبرز تساؤل هنا عما إذا كانت فظائع أبو غريب حدثًا عرضيًا أم منهجًا استراتيجيًا مرسخًا؟ ولهذا نعرض هنا لنماذج من مدرسة التعذيب الأمريكية حول العالم.. وماذا قالت أبرز تقارير المنظمات الدولية في الموضوع، ونكشف عن استلهام العديد من دول العالم الثالث للتجربة الأمريكية الثرية في التعذيب، وعن الخطط المستقبلية للولايات المتحدة لتفادي وقوع قادتها في تحمل المسؤولية عن مثل هذه الأعمال.

يعتقد كثير من المبهورين بما يسمى «العالم المتمدن» - Civilized World -  «المعتقدين أن كل ما يلمع ذهبًا»، أن الفظائع التي ارتكبها الجنود الأمريكيون هي مجرد استثناء وأعمال فردية، وهذا ما يحاول الأمريكيون تسويقه أيضًا، لكن التاريخ يكشف أن التعذيب – لا سيما الأمريكي – يأتي نتيجة احتراف وبعد جهود مضنية ومكثفة يتم تدريب الضباط فيها من خلال كتب ومدارس وإخصائيين نفسانيين واجتماعيين على كيفية إذلال المعتقل وامتهان كرامته لانتزاع ما يريدون منه، وإن كانت وسائل الإعلام العالمية «وغالبيتها صهيونية وأمريكية التمويل» لم تذكر شيئًا عن ذلك، فإن ذلك لا يعني أنه غير موجود سابقًا في القاموس الأمريكي، فأسلوب التعذيب عند الأمريكيين قديم، ونقدم هنا عدة شواهد من محطات متعددة.

- عام 1946م: تأسست المدرسة العسكرية الأمريكية في بنما، وكان الهدف من هذه المدرسة تدريب رجال الشرطة والضباط في بلدان أمريكا اللاتينية ضد الأنظمة الشيوعية وحركات التحرير، وكانت هذه المدرسة أول من أصدر كتبًا منسقة توصي باستخدام التعذيب والإعدامات من دون محاكمة، واستخدام كل أساليب العنف بغية الحصول على المعلومات من المعارضين وأعضاء الميليشيا السياسية أو العاملين في صفوف حركات التحرير، ثم انتقلت هذه المدرسة عام 1984م إلى نورث بينييج، حيث بلغت ذروتها في تعليم التعذيب في الستينيات، إذ رعت الولايات المتحدة تدريب الضباط ضد الشيوعيين في أمريكا اللاتينية، وقد قامت هذه المدرسة منذ تأسيسها عام 1946م بتدريب 60 ألف عضو من 12 بلدًا، وأصبح عدد منهم فيما بعد رؤساء دول بعد أن أصبحوا جلادين مشهورين.

في عام 1963م: تمت طباعة أبرز كتب التعذيب تحت اسم KUBARK لتعليم فنون التعذيب، ويبدأ الكتاب بجملة «حتى تكون محققًا جيدًا»!! ويشرح الأساليب والطرق التي يجب اتباعها لانتزاع المعلومات من الأسير، والكتاب مزود برسوم وتفاصيل الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومن أسلوب إلى آخر، والظروف المناسبة لأداء ذلك، والتأثير الذي يتركه هذا على الأسير أو المعتقل، ويؤكد واضعوا هذا المنهج أن أفضل وسيلة هي التي تجعل المعتقل يعذب نفسه وأن يعذب المعتقلين بمعتقلين آخرين. وقد تم تدريس هذا المنهج إلى رجال الاستخبارات والضباط في السجون وضباط مكافحة التمرد والثورات.

- وفي عام 1983م: طورت الاستخبارات الأمريكية منهاج التدريس في التعذيب نحو الأسوأ، وأصدرت كتابًا آخر تحت اسم «التدريب لاستغلال القدرات البشرية»، وكان هذا أسوا نتاج في التعذيب، ويعتقد أن المنهج الذي طبق في سجن «أبو غريب» هو نفسه المذكور في ذلك الكتاب، وقد تم ترجمة العديد من هذه الكتب إلى كثير من اللغات لا سيما الإسبانية، وسرعان ما انكشف أمرها وأدى إلى استياء لدى شعوب أمريكا اللاتينية، خاصة أنه كان يتم تعذيبهم عبر المناهج الواردة فيها، مما دفع الحكومة الأمريكية خلال عهد بوش الأب إلى سحب جميع النسخ الموجودة في الأسواق بعد أن كان ريجان فعلها لاستخدامها في مآرب خاصة في الحرب الباردة، ولا نستبعد أن الإدارة الحالية تستخدمها في حربها المزعومة على الإرهاب.

يعتقد الكثيرون أن نموذج التعذيب في أبو غريب ليس إلا حالة استثنائية قام بها عدد محدود من الجنود بدافع ذاتي، وهذا نفس المنطق الأمريكي الذي يحاول التخفي خلف هذه الحجة، لكن الأسلوب الذي طبق في العراق في سجن «أبو غريب» هو وليد استراتيجية مدروسة بدقة وعناية، والذي يؤكد ذلك ما يلي:

أولًا: تكرار نفس الأفعال وطرق التعذيب

تعذيب السجناء بالمعتقلات الأمريكية لم يقتصر على أبو غريب، بل امتد للمعتقلات الأمريكية عبر العراق وفي أفغانستان وفي جوانتانامو، بدليل أن تقرير لجنة مستقلة - كان البنتاجون قد شكلها في مايو من عام 2004م برئاسة وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس شليزينجر للتحقيق في أوضاع المعتقلات الأمريكية - أشار إلى أن كثيرًا من المعتقلين الذين قدر التقرير عددهم بحوالي 50 ألف معتقل في أفغانستان والعراق وحدهما تعرضوا للتعذيب والإهانة، وهذا أيضًا ما أكده تقرير صدر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» في 24 أبريل عام 2005م بعنوان: «هل يفلت مرتكبو التعذيب من العقاب؟! المسؤولية والقيادية عن إساءة الولايات المتحدة لمعاملة السجناء»، حيث ذكر التقرير أنه يوجد دليل دامغ على أن إساءة الولايات المتحدة للسجناء المسلمين وتعذيبها إياهم لم يحدثا في أبو غريب فقط، بل في أماكن أخرى في أفغانستان والعراق، إضافة إلى غوانتانامو و«أماكن سرية» أخرى حول العالم «سنأتي على ذكرها لاحقًا»، في خرق لمعاهدة جنيف وللقوانين المناهضة للتعذيب، وأدى ذلك إلى وفاة العديد من المعتقلين أو تشوههم نفسيًا وجسديًا.

وما صدر خلال العام الماضي من وثائق رسمية ومعلومات صحفية عن فضائح التعذيب بالمعتقلات الأمريكية كشف أن الفضيحة أكبر بكثير مما كان متوقعًا بسبب انتشار التعذيب في المعتقلات الأمريكية عبر العالم، والتنوع الخطير للانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون، كما أن القضية وذيولها وتكرار أسلوبها لم يتوقف منذ تفجرها في أبريل من 2004م حتى الآن، فكل أسبوع تقريبًا تصدر تقارير رسمية أو صحفية تكشف عن أبعاد جديدة خطيرة لفضائح التعذيب بالمعتقلات الأمريكية - لم يكن ليصدقها أحد قبل أبو غريب - يتم ممارستها في جميع المعتقلات الأمريكية تقريبًا وبنفس الطريقة وعلى معتقلين مسلمين لم يكونوا على أي صلة بأية عمليات أو جماعات سياسية أو مسلحة، وقد أكدت ذلك العديد من تقارير الوكالات المدنية كالصليب الأحمر وهيئات التحقيق الأمريكية الرسمية التي أشارت إلى أن 70 – 90% من المعتقلين بالسجون الأمريكية في العراق على سبيل المثال هم من الأبرياء.

ثانيا: أوامر عليا متكررة باستعمال هذا النوع من التعذيب وازدراء الأمريكيين للقانون الدولي: في هذا الإطار لا بد أن نربط المذكرات الحكومية السرية التي وقعها كبار المسؤولين الأمريكيين وكتبها مستشاروهم القانونيون للتشاور حول كيفية التعامل مع المعتقلين في أفغانستان والعراق بالازدراء الأمريكي للقانون الدولي ولحقوق الشعوب.

على العموم وفيما يخص المذكرات فقد جاء بعضها «مذكرة مساعد وزير العدل السابق إلى المستشار القانوني للبيت الأبيض عام 2002م» يروج لفكرة أن الدستور الأمريكي يجعل من حق الرئيس إعلان عدم التزامه بتطبيق القوانين الدولية في تعامله مع أسرى حرب أفغانستان بحكم أن أفغانستان هي دولة منهارة، وذلك بهدف حماية الجنود الأمريكيين من مغبة الوقوع تحت طائلة القانون الدولي.

هذا وقد أصدر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد مذكرة في ديسمبر عام 2002م تسمح باستخدام 16 أسلوبًا من أساليب التعذيب، فهل من المعقول أن تكون هذه الجرائم في أبو غريب وغيرها أفعالًا فردية!

يجيب الصحفي المشهور «سيمور هرش» في مقال له في صحيفة «نيويوركر» «1/5/2004م» بعنوان: «التعذيب في سجن أبو غريب»، قائلًا: إن تلك الجرائم لم تكن تتم وفق اجتهادات فردية أو تصرفات محدودة، وإنما انطلاقًا من فلسفة وقناعات تسيطر على القادة العسكريين والأمنيين الأمريكان، وبتوجيه كامل من ضباط الاستخبارات الأمريكية، فأحد الجنود المتهمين بالتعذيب أجابه قائلًا: «هل تعتقد أن عددًا من الجنود الفتيان من فيرجينيا كانوا يقومون بهذه التصرفات اجتهادًا منهم دون توجيه من أحد؟»، كما نقل قول أحد أبرز الجنود المتهمين في القضية في رسائله الشخصية لأهله: إن ما قام به من فظائع بحق الأسرى العراقيين كان يتم وفق أوامر من ضباط الاستخبارات، وأنه سأل مديره في السجن إذا ما كان يقوم به من عمليات تعذيب سيعرضه للمساءلة من باب إساءة معاملة السجناء فأجابه: «لا تقلق بشأن ذلك».

وقد أكد «ريد برودي» المستشار الخاص في هيومن رايتس ووتش في نفس التقرير أن «هذا النموذج من إساءة المعاملة والمنتشر في عدد من البلدان لم ينتج عن أفعال الأفراد من الجنود الذين يخرقون الأنظمة، بل نتج عن قرارات متخذة من جانب مسؤولين أمريكيين على مستوى رفيع لتحريف الأنظمة أو تجاهلها أو حتى إلقائها جانبًا».

وكان هيرش أشار إلى أن عملية التعذيب في سجن أبو غريب ليست عملًا منعزلًا عن التحول الجديد، وإنما تأتي في سياق واحد من أفغانستان إلى غوانتنامو إلى العراق، وقد تمت عملية الربط بين السجون العراقية وبين عمليات التحقيق ووظائف رجال الأمن بموافقة من سانشيز، وبتوصيات من ميلر، الضابط الأمريكي المسؤول في سجون غوانتنامو، إذ تقوم رؤية ميلر على ضرورة أن تخدم وظيفة الجنود والحراس في السجون مهام المحققين في انتزاع المعلومات من السجناء وبموافقة تينيت بطبيعة الحال.

لماذا هذا النوع من التعذيب والممارسات الشاذة؟ إن الأفعال التي ترتكب بحق السجناء والمعتقلين الأبرياء تكشف عن نفسية مريضة وعجز عن تحطيم المسلم، ونعتقد أنهم هم من قام بتسريب هذه الصور التي نشرت حول التعذيب في إطار الحرب النفسية لإذلال المسلمين.

وقد أشار البروفيسور الأمريكي «برناردو هيكل» أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة نيويورك، إلى أن تعرية الرجال وتكديسهم فوق بعضهم أو إجبارهم على ممارسة العادة السرية جاء في ضوء قراءة إدارة الاحتلال للتقاليد العربية والإسلامية التي ترفض الإباحية والتعري وتعتبرها منافية للخلق والدين، وبالتالي استخدمت قوات الاحتلال والمخابرات الأمريكية هذا الأسلوب السادي اللاإنساني في التعذيب كوسيلة للتعذيب لانتزاع الاعتراف وكسر إرادة المعتقلين.

أكدت منظمة «هيومان رايتس واتش»، في تقرير حديث لها «أن سلوك الولايات المتحدة يجردها من أي حق في أن تعتبر نفسها وصيًا على حقوق الإنسان في دول أخرى»، وأضاف التقرير أن انتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان «شجعت بعض الدول الأخرى التي دأبت على انتهاك تلك الحقوق على تبرير مسلكياتها».

وأورد التقرير أمثلة لدول «استشهدت» بسلوك الولايات المتحدة واستمرت في ممارساتها التي تتعارض مع حقوق الإنسان:

ففي مصر دافعت الدولة عن تمديدها لقوانين الطوارئ، بالإشارة إلى التشريعات المضادة للإرهاب للولايات المتحدة.

وتتخذ روسيا من أبو غريب مثالًا حين تلقي بالمسؤولية عن انتهاكات قواتها في الشيشان على الجنود ذوي الرتب الصغيرة.

 على الرغم من أن تقرير «هيومن رايتس وتش» الصادر في 24 أبريل 2004م يطالب بمحاكمة كل من رامسفيلد وجورج تينت وسانشيز والجنرال ميلر والتحقيق معهم بموجب مبدأ المسؤولية القيادية، إلا أن التقرير يقول: «تعرض الجنود في المراتب الدنيا إلى اللوم في فضيحة أبو غريب، وبسبب ممارسات التعذيب في مناطق أخرى من العالم في حين يبقى كبار القادة بعيدًا عن متناول العقاب»، مؤكدًا أن «هذا ليس عدلًا، بكل بساطة»، ويضيف التقرير أن «الولايات المتحدة، ورغم هذه الأدلة، قد تعمدت حماية من خططوا لسياسات الاعتقال غير القانونية عبر رفضها السماح بتحقيق مستقل في إساءة معاملة السجناء وعبر امتناعها عن إجراء تحقيق جنائي بحق القادة الذين سمحوا بتنامي واستمرار هذه الإساءات الجرمية بحق المعتقلين».

على الرغم من أن الذين يقومون بهذه الجرائم لا يخشون شيئًا ولم يوقعوا على كافة الاتفاقيات التي من شأنها محاسبة جنودهم أو مساءلتهم لعلمهم بجرائمهم، إلا أنهم يعتبرون أن الحذر مطلوب، ولهذا فقد شرعوا في ابتكار وسائل جديدة للتعذيب وأماكن سرية لا يجري ملاحقتهم فيها ولا يزعجهم فيها فضول صحفي أو تدخل منظمة مستقلة أو صور تلفزيونية.. ومن هذه الأساليب:

- استخدام الطائرات كمراكز تحقيق مع المعتقلين حيث لا يوجد أحد يطبق عليهم أي قانون وهم في السماء، ولا أحد يراقبهم.

- تسليم المعتقلين إلى مخابرات في دول العالم الثالث «توصيات جورج تينت»، حيث يتم تعذيبهم دون أن يعلم أحد بمكان وجودهم.

- استئجار المرتزقة والتعاقد مع شركات أمنية خاصة من خارج الجيش مقابل أموال طائلة، مما يبعد المسؤولية عن أي قيادي في الجيش الأمريكي.

- اختطاف المعتقلين وإخفاؤهم عن الأنظار واستخدام أسلوب «الإغراق بالماء» المعروف في أمريكا اللاتينية باسم  submarine ، لكن المحققين ليسوا من بلد دكتاتوري وإنما من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «السي آي إيه».

ويضيف التقرير: «الاختفاءات» كانت علامة الانتهاك المميزة للدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية في الحرب القذرة، ضد التآمر المزعوم.

والآن أصبحت تكتيك الولايات المتحدة في صراعها مع القاعدة.

الرابط المختصر :