; من الحياة.. ازرع المعروف تحصده | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. ازرع المعروف تحصده

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010

مشاهدات 112

نشر في العدد 1890

نشر في الصفحة 56

السبت 20-فبراير-2010

يروى أن رجلًا كان يتناول الطعام مع زوجته، وعلى المائدة دجاجتان، فطرق الباب مسكين، فنهره الرجل، ورده ردا سيئا، ولم يعطه ما يسد به جوعته، واستاءت الزوجة لتصرف زوجها.. ودارت الأيام  دورتها، وافتقر الرجل، وطلق زوجته، فتزوجت زوجته برجل آخر.. وذات يوم كانت تتناول الطعام مع زوجها.. وكان أمامها دجاجتان، وطرق الباب مسكين، فأمر الزوج زوجته بإعطاء المسكين إحدى الدجاجتين، ففعلت، وعادت وهي تبكي!! فسألها عن سبب بكائها؟ فقالت: أتدري من السائل؟ إنه زوجي الأول!! فقال لها: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول؟

ويروى أيضا أن فلاحًا أسكتلنديا فقيرا كان - ذات يوم - يسعى لتحصيل رزقه وقوت أسرته، وبينما هو كذلك، إذا به يسمع استغاثة طفل تأتي من مستنقع قريب!! 

ترك الفلاح حقله وأدوات عمله وجرى نحو المستنقع؛ فوجد صبيا قد سيطر عليه الخوف، وقد غاص في وحِل المستنقع، وكان يستجمع قواه ويكافح، محاولا إنقاذ نفسه، فأسرع الفلاح نحو الطفل، وأنقذه من هالك محقق.

في اليوم التالي، كان الفلاح في بيته، وإذا بسيارة فارهة فخمة، تأتي وتقف أمام بيت الفلاح الفقير، وخرج من السيارة رجل أنيق، وطرق باب الفلاح وسلم عليه، وقدم نفسه للفلاح وعرفه بأنه والد الطفل الذي أنقذه الفلاح أمس، وأنه جاء ليشكره على َحسن صنيعه وشهامته في إنقاذ ابنه.

وبينما كان الرجل الأنيق والفلاح يتحاوران إذا بابن الفلاح يخرج من البيت، ويقف على باب الكوخ الذي يسكنه الفلاح وأسرته، فسأل الرجل الأنيق الفلاح: هل هذا ابنك؟ فأجابه الفلاح بفخر واعتزاز: نعم، إنه ابني.

فقال الرجل الأنيق: أرغب في أن أعقد معك اتفاقا، هل تسمح لي؟ فأجابه الفلاح: نعم، تفضل يا سيدي. فقال الرجل: أرغب في أن أكافئك على معروفك، وأقترح أن أقدم لابنك الخدمة التعليمية التي أقدمها لابني، وأرجو أن تلبي رغبتي وتحقق مطلبي، فوافق الفلاح.

تبنى الرجل الأنيق رعاية ابنه وابن الفلاح، وقدم لهما تعليما متميزا في مدارس متميزة، وظل يرعاهما، إلى أن تخرج ابن الفلاح من مدرسة الطب بمستشفى سانت ماري في لندن!!

هل تعرف - عزيزي القارئ - ابن الفلاح؟ إنه مكتشف البنسلين ألكسندر فلمنج الطبيب المشهور!!

ولا تزال للقصة بقية.. فبعد سنوات أصيب ابن الرجل الأنيق بالتهاب رئوي، فكان الطبيب ابن الفلاح ألكسندر فلمنج هو المنقذ له، وذلك باختراع البنسلين، ولم يكن الطبيب فلمنج منقذا لابن الرجل الأنيق فحسب، بل أنقذ باختراعه البنسلين ملايين البشر فيما بعد!!

ولكن.. هل تعرف - عزيزي القارئ - من هذا الرجل الأنيق؟ إنه راندولف تشرشل، وقد كان رئيس وزراء بريطانيا الذي أنقذ بريطانيا من الهلاك والدمار في الحرب العالمية.

هل تعرف - عزيزي القارئ - من ابنه الذي أنقذه الفلاح من الوحل وأنقذه ابن الفلاح من المرض؟ إنه السير وينستون تشرشل.

إن المعروف لا يضيع أبدا، وإن ضاع عند البشر فلن يضيع عند رب البشر، وإن النظرة الإيجابية البعيدة للأمور هي الرصيد الحقيقي للإنسان.. ذلك الإنسان الذي يستثمر أية فرصة تسنح له لصنع المعروف وتقديمه لمن يعرف ولمن لا يعرف. 

وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن صادف أهله فهو أهله، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله.

وما أعذب قول الشاعر في إسداء المعروف وثمراته:

ازرع جميلا ولو طال في غير موضعه *** فلن يضيع جميل أينما زرعا

إن الجميل وإن طال الزمان به *** فليس يحصده إلا الذي زرعا

إن إسداء المعروف يعبر عن صفات حميدة عظيمة يتصف بها صاحبه، وهي قيم تصنع الرجال، وتهدي الأجيال، وترتقي بهم إلى مدارج الرقي والكرم والسخاء، سواء قدم المعروف لأهله أم لغير أهله. إن إسداء المعروف يؤلف القلوب، ويجعل الناس يعيشون في سعادة ووئام وسلام، وهو من سمات أمة الإسلام التي وصفها الله عز وجل بخير أمة أخرجت للناس، وأوضح أن تقديم المعروف هو من أعظم المؤهلات التي استحقت بها هذه الخيرية، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ﴾ (آل عمران: 110)

تصحيح مفهوم

بعض الناس يسأل نفسه قبل أن يقدم المعروف لإنسان: هل هذا الإنسان يستحق المعروف لأقدمه إليه؟ فإن كان يستحق َّقدمه له، وإن رآه لا يستحق امتنع عن تقديم هذا المعروف، والكريم لا يزهد في الخير بسبب جحود مستحقيه، ولا يعمل بقول الشاعر:

وزهدني في كل خير صنعته *** ما جربت ِ مْن قلة الشكر

فالحق أن الخير في تقديم المعروف، إلى الناس  هذا هو هدي الإسلام، وتلك أخلاق رسول الإسلام، فإن قدمت المعروف لمن يستحق فهو أهل لمعروفك، وإن قدمته لشخص لا يستحق فأنت أهل للثواب الذي أعده لك ربك سبحانه وتعالى.

نسمع كثيرا في الأمثال: اعمل المعروف وارمه البحر، لكنك في الواقع لا ترميه بالبحر، لأن ما يرمى بالبحر لا تنتظر عودته، وهذا على عكس المعروف الذي تقدمه، لأن أجره سيعود عليك بإذن الله، ما دمت أخلصت به النية لله عز وجل.

ومما أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: المعروف أميز زرع، وأفضل كنز. 

وقال بعضهم: لا يزهدنك في المعروف كفر َمن كَفَره فإنه يشكرك عليه من لا تصنعه، إليه. والمعنى: لا يصرفك عن فعل المعروف جحود من ُ تقدم إليه معروفك.

وقيل أيضا: لا يزهدنك في اصطناع المعروف دمامة من تسديه إليه، ولا من ينبو بصرك عنه. فإن حاجتك في شكره ووفائه لا في منظره. 

ولم أر كالمعروف أما مذاقه *** فحلو َوأما وجهه فجميل 

وما أروع قول الشاعر في زراعة الخير والمعروف:

من َ يزرع الخير ُ يحصد ما يسُّر به *** وزارع ِّ الشر ٌ منكوس ِ على الرأس

وقال ابن المبارك:

يد ُ المعروف غنم ْ حيث كانت *** تحملها شكور أو كفور

ففي شكر الشكور لها جزاء *** وعند الله ما كفر الكفور

وأنشد ابن دريد:

وما هذه الأيام إلا معادة *** فما استطعت من معروفها فتزود

فإنك لا تدري بأية بلدة *** تموت ُ ولا ما يحدث َ الله في غِد

وقال بزرجمهر: خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر، وارتهن فيه الشكر، واسترق فيه الحر.

وفي المعروف سعادة للطرفين

يقول زيد بن علي: ما شيء أفضل من المعروف إلا ثوابه، وليس كل من يرغب فيه  يقدر عليه، ولا كل َ من قدَر عليه يؤذن له فيه؛ فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والإذن تمت السعادة للطالب والمطلوب منه.

وكان الصحابي مسطح بن أثاثة من أقارب الصديق أبي بكر رضي الله عنهما، فلما كان حديث الإفك وتحدث به مسطح لغيره، قرر أبو بكر رضي الله عنه وأقسم أن يوقف مساعدته لمسطح؛ عقابا له على خوضه في حديث الإفك بحق ابنته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها؛ فأنزل الله قرآنا يوجه أبا بكر إلى العدول عن قراره وقسمه، وفي ذلك يقول رب العزة: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 22)

ومعنى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ (النور: 22)  أي لا يقسم أصحاب المراتب العالية والغنى والثراء، فقد أخرج ابن المنذر عن َ ّالسيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان مسطح ابن أثاثة من أهل الإفك، وكان ممن تولى كبره قريبا لأبي بكر، وكان في عياله، أي كان أبو بكر رضي الله عنه يعوله وينفق عليه، فحلف أبو بكر ألا ينيله خيرا أبدا، فأنزل الله هذه الآية، قالت: فأعاده أبو بكر رضي الله عنه إلى عياله وكفر عن يمينه. وقد قيل: من َ أسف المعروف كان ِرْبحُه الحمد.

ومما يروى عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قوله: كل شيء سرف - أي إسراف وتبذير - إلا في إتيان مكرمة، أو اصطناع معروف، أو إظهار مروءة.

أكرم تملك

يقول المهلب: عجبت لمن يشتري المماليك مبالة ولا يشتري الأحرار بمعروفه، ويقول أيضا: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام؛ فأكِرم حرا تملكه.

ومما أثر عن معاوية رضي الله عنه قوله لابنه يزيد: يا بني، اتخذ المعروف منالا عند ذوي الأحساب تستمل به مودتهم، وتعظم في أعينهم، وإياك والمن، فإنه ضد المعروف، فإنه يقال: حصاد من يزرع المعروف في الدنيا؛ اغتباط في الآخرة.

وقال آخر: من زرع معروفا حصد خيرا، ومن زرع شرا حصد ندامة.

 ومن أبشع ما يشوه صورة المرء أن يكون غنيا وبرغم غناه يكون شحيحا بخيلاً قليل المعروف، لذا فقد ذم أعرابي رجلا، فقال عنه: كان سمين المال، مهزول المعروف.

وفي المقابل، امتدح الله الأنصار، وأثنى عليهم، فقال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9)

وقد كتب أرسطو طاليس إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، وطلبك ذلك منها بإحسانك أدوم بقاء منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تمِلك َ الأبدان َ فتخطاها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول: قدرت على أن تفعل، فاجتهد ألا تقول تسلم من أن تفعل.

وفي المعروف علاج ودواء

من هدي القرآن الكريم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 103) ففي هذه الآية تأكيد للتأثير العلاجي  الإيجابي؛ حيث تطهر الصدقة نفوس الأغنياء من البخل والشح، كما تطهر قلوب الفقراء وصدورهم من الحقد والحسد.

ويرى بعضهم أن من لا يداويه المعروف ليس له دواء إلا العقاب، ومن هذا المعنى يقول عبد مناف: دواء َ من لا يصلحه الإكرام الهوان.

وفي المعنى ذاته أنشد الشاعر:

من ُ لم يؤدبه الجميل *** ففي عقوبته صلاحه

ومن هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة.

ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلا أضاء ما بينه وبيني، ولا رأيت رجال فرط إليه مني شيء إلا أظلم ما بيني وبينه. 

أفضل المعروف 

وأفضل معروف ما أخفاه العبد عن أعين البشر، ودفعه إليه إخلاصه لله، وطلب الأجر من ربه، لذا فقد روي أن الحجاج بن  يوسف الثقفي كان يستحم وكاد أن يغرق، فرآه أحد المسلمين فأنقذه، وعندما حمله إلى البر قال له الحجاج: اطلب ما تشاء؛  فطلبك مجاب، فقال الرجل: ومن أنت حتى تجيب لي أي طلب؟ قال: أنا الحجاج الثقفي، فقال الرجل: طلبي الوحيد أني أسألك بالله ألا تخبر أحدا أني أنقذتك! إننا بالمعروف نبني الرجال والأوطان والأخلاق، ونوجد الأمن والأمان، والطمأنينة والسالم، والحب والوئام.

الرابط المختصر :