العنوان ارفعوا أيديكم عن لبنان
الكاتب محمد سليم جلال الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1988
مشاهدات 98
نشر في العدد 875
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 19-يوليو-1988
إن المؤامرة التي نواجهها في لبنان منذ ثلاثة عشر عامًا، هي أكبر وأخطر مما يتصوره البعض من أساتذة السياسة وأهل الرأي والخبرة، لأنها تخطت الاعتبارات والمعايير المعروفة والتوقعات المألوفة، وخرجت من أيدي المسؤولين والقادة والوسطاء ووقعت تحت حكم المطامع والأهواء، وتمكن العدو الإسرائيلي وأعوانه من تفكيك الصف الوطني، وإثارة المنازعات بواسطة عملائه من اللبنانيين، وذلك بتحريك الحساسيات الطائفية والمذهبية والإقليمية وإشاعة الفوضى والاغتيالات، واللجوء إلى السلاح والعنف بدلًا من الاحتكام إلى المنطق والحوار البناء.
وإن الذي يدهش في هذا البلد، وقوف المسؤولين والقادة والفعاليات على اختلاف توجهاتها والتنظيمات المختلفة على موضع الداء، ولكن مع الأسف يتجاوزونه إلى التراشق بالتهم وعرض العضلات.
والأدهى من ذلك، أنهم يعرفون سبب الفوضى والتردي والاقتتال ويدورون حوله بحثًا عن الحل الذي هو بمقدورهم، ولكن لا يجرؤون على الإقدام عليه.
يجمعون على أن إسرائيل وراء جميع التفجيرات والاغتيالات والاقتتال، ومع ذلك فإنهم ما زالوا يقعون في شركها، وتنطلي عليهم أساليبها الشيطانية ودسائسها، فيكتفون بالإشارة إليها قولًا وإعلاميًّا دون اتخاذ التحفظات، وقطع دابر فتنها ودسها.
ثلاثة عشر عامًا واللبنانيون في دوامة ليس لها قرار، يسمعون بالحلول ولا يرون لها اثرًا، يوعدون بقرب الانفراج، فيتأزم الوضع وتتعقد الأمور، ويتعذر الحل، وتتعالى الصرخات من تدهور النقد وارتفاع الأسعار واحتكار السلع الضرورية، واختفاء الخبز والمحروقات، ويقبل تجار الحروب، والمتعاملون مع العدو والانتهازيون ممن لا خلاق لهم ولا ضمير ولا دين على تقطيع أوصال هذا الشعب وامتصاص دمه، ويصمون آذانهم عن أنينه واستغاثته وهو يردد يا جماعة الخير، يا أهل الحمية يا مسؤولون ويا قادة «ارفعوا أيديكم عنا، ودعونا نعيش، ما عدنا نطيق الحالة بدها حلم الله».
هذا إلى جانب الممارسات اللاإنسانية التي يزاولها العدو الإسرائيلي على أهلنا في الجنوب والقطاع الغربي، والتصعيد الذي يقوم به، فيتفنن في اعتداءاته على الشعب الآمن، والقرى المحتلة والمجاورة لما يسمى بالحزام الامني، والتهديدات التي يطلقها بعض قادته وعملائه بين الحين والآخر، مما تفرض على اللبنانيين جميعا تقدير الوضع المتردي، والإسراع في تهيئة جو الحوار الوطني النابع من مصلحة الوطن العليا، والسعي إلى إيجاد وفاق يجمع الجميع تحت راية إنقاذ وحدة الوطن، وحرية أبنائه، وعيشهم الكريم في عزة ومنعة، وبسط سيادته على جميع أرضه بعد إخراج العدو المحتل.
وعليهم الإقلاع عن المهاترات والتنازل عن المكاسب والامتيازات والتسلط وفرض الهيمنة، وإنقاذ لبنان من التقسيم والتشرذم، وتحريم مبدأ الاغتيالات والخطف، وعودة المهاجرين إلى ديارهم، ودعم المقاومة فإنها السبيل الأمثل لتحرير الأرض من العدو الإسرائيلي وعملائه، والمحافظة على العيش الوطني المشترك، ومحاربة التفرقة الطائفية والمذهبية والإقليمية، كما وأن على المسؤولين والقادة الروحيين والسياسيين والفعاليات والتنظيمات التحرك السريع لإنقاذ الوطن من التردي والتقسيم، وإنقاذ الاقتصاد من الانهيار، والشعب من الهلاك والقيم الأخلاقية، والمبادئ الإنسانية من الزوال، فلا يجوز السكوت على التجاوزات والاغتيالات وانتهاك الحرمات والمقدسات، ولا التستر على الجناة بسبب غطاء سياسي أو انتماء حزبي أو تنظيمي أو عسكري، بل يجب أن يسود العدل، وتفرض المساواة بين جميع المواطنين سواء أكانت في الحقوق والواجبات أم كانت في تطبيق القانون وإنزال العقوبات.
وبكلمة مختصرة يجب تطوير طرق المعالجة ومواجهة الأوضاع القائمة بعقلية مرنة، تأخذ بعين الاعتبار الأحداث العالمية، والأوضاع الدولية وتقدر مصلحة الوطن وأبنائه، وتقدمها على كل مصلحة سواها.