العنوان من الحياة: ارتق فوق أثقالك
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1860
نشر في الصفحة 54
السبت 11-يوليو-2009
وقع حصان في بئر عميق ليس بها ماء، فأصابه ألم شديد، وبكى بكاء مرًا، وحزن حزنا شديدًا، واستمر على هذه الحال ساعات طوال، لكن رغبته في النجاة كانت قوية، وإرادته فولاذية.
فكر صاحب الحصان في المشكلة، وكيف يستعيد حصانه، ولكن سرعان ما أقنع نفسه بأن الحصان تقدمت به السن، وصار ضعيفًا، وأن تكلفة إنقاذه تقترب من تكلفة حصان قوي آخر، كما رأى صاحب الحصان ضرورة ردم البئر، كي لا تسبب كوارث أخرى، ليحل مشكلتين بتكلفة واحدة، وفي آن واحد، فقرر ردم البئر، وبذلك يكون قد تخلص من البئر الجافة التي تسببت في الكارثة، ويكون بذلك أيضًا قد دفن الحصان، ومن ثم يحل المشكلتين في آن واحد، وبتكلفة واحدة !!
جمع صاحب الحصان الناس بمعاولهم وأدوات الردم، وبدؤوا يردمون البئر بالأتربة والنفايات، فارتفع صوت الحصان يوحي بطلب النجدة، لكنه سرعان ما خفت، ثم انقطع !!
دهش الجميع، وحاولوا استطلاع ما يجري للحصان، فنظروا إلى داخل البئر فإذا بالحصان كلما وقعت الأتربة والنفايات هز ظهره، فألقاها على الأرض تحت قدميه وارتفع فوقها، رغبة في الحياة، وأملًا في النجاة.
هكذا استمر الحال.. الناس يلقون بالأتربة والنفايات في البئر، والحصان يهز ظهره ليلقي بها على الأرض تحت قدميه، لتكون بمثابة طوق نجاة له، فيرتقي بها درجة إلى أعلى، ويخطو بها خطوة، وإن كانت صغيرة نحو النجاة.. وفوجئ الجميع باقتراب الحصان من سطح الأرض.. وعندها قفز قفزة –برغم آلامه –وصار على سطح الأرض بسلام وأمان !!
هل تعلمنا من هذا الحصان؟
كل إنسان تواجهه عقبات في حياته ومشكلات، تلقي بأوجاعها وأثقالها وآلامها على كاهله، فمنا من يستسلم لأبسط المشكلات، ويعلن ضعفه وفشله واستسلامه، ومنا من يفعل مثلما فعل هذا الحصان كلما واجهته مشكلة وصارت حجر عثرة في طريق نجاحه في الحياة، ألقاها عن كاهله، وسعى إلى حلها، وعزم وأصر على أن يتغلب عليها، فألقاها من على ظهره تحت قدميه، فيكون بذلك قد حولها من حجر عثرة وعقبة إلى حجر يرتقي عليه ويصعد، فيحول الحجر من عقبة كؤود مهلكة إلى طوق نجاة!!
كيف تتعامل مع ضغوط الحياة؟
كان أحد المدريين يدرب طلابه على إحسان التعامل مع ضغوط الحياة وأعبائها، فرفع كأسًا مليئة بالماء، وسأل المتدربين: كم وزن هذه الكأس؟ وهل تتفاوت قدراتنا على حمل هذه الكأس برغم أن وزنها واحد ؟
اختلف المتدربون في تقدير وزن الكأس، لكنهم أقروا جميعًا أن قدرات الأفراد على حمل الكأس تتباين حسب قدرات كل فرد، فبادرهم المدرب قائلًا لقد نسيتم جانبًا مهما في الأمر، يمكن أن تدركوه إذا أجبتم عن السؤل التالي:
هل يشعر الواحد منا بمعاناة حمل الكأس، إذا ظل يحملها ساعات، وبين حملها دقائق؟ فأجاب الجميع: نعم، سيشعر من يحملها ساعات بعناء أكثر، وثقل أعظم.
فقال المدرب: إذن.. ليس المؤثر هنا الوزن المطلق لهذه الكأس فقط، فالمعاناة تعتمد على المدة التي أظل فيها ممسكًا بهذه الكأس، فإن رفعتها لمدة دقيقة لن أشعر بتعب ومعاناة، وإن حملتها لمدة ساعة فسأشعر بألم في يدي اليمنى، ولكن إن حملتها لمدة يوم فلربما تطلبون لي سيارة الإسعاف... فالكأس لها وزن واحد، وكذلك الضغوط كلما قويت عزيمتي وإرادتي على حملها، وإحسان التعامل معها.
قلل ذلك من معاناتي، وكذلك تختلف المعاناة باختلاف طول مدة حملي للكأس !!
وهكذا إذا طالت مدة حملنا للهموم وبالغنا في ذلك، فإن حملنا جميع مشكلاتنا وأعباء حياتنا في جميع الأوقات، فسيأتي الوقت الذي لا نستطيع فيه مواصلة الحياة، لأن الأعباء ستتزايد وتضغط بأثقالها على كواهلنا، فضع الكأس واسترح قليلًا قبل أن ترفعه مرة أخرى، وكذلك ضع أعباءك بين الحين والآخر، لإعطاء نفسك فترة استجمام وراحة لتجدد نشاطك من جديد، وتفكر في حل مشكلاتك بأساليب جديدة، وفي أجواء أفضل.
واضح أني لا أقصد بذلك أن تكون سلبيًا، كلما واجهتك مشكلة هربت منها، معاذ الله ولكني أقصد أنك لن تستطيع أن تواصل حياتك ونشاطك إن قررت أن تحمل مشكلاتك ليل نهار تفكر فيها دون استراحة لجلب صفاء التفكير، إنك بذلك تهلك نفسك، فتتراكم عليك الهموم، وتجلب على نفسك الغم والكدر، ولكن ساعة وساعة.
فلم فارق كبير بين الحصان الذي بدأت به مقالي، وبين حصان استسلم للموت، وأسلم نفسه لمن يلقون عليه التراب والنفايات ولم تكن لديه إرادة، فسكن ولم يتحرك، وتلقى ما ينهال عليه بسلبية، وظل ينتظر الموت !!
يعود الواحد منا بضغوط ومشكلات في العمل، ومن الخطأ هنا أن يبالغ في تجسيدها وتضخيمها، ويرهق بها من حوله، وينام بها ويستيقظ، ويظل هكذا حتى يموت حسرة وكمدًا.. والصواب أن يروح عن نفسه ويسترخي، ثم يفكر فيها، وليعلم الإنسان من حوله إذا احتاج إلى مشورتهم ومساعدتهم، أو إعلامهم بشيء يخصهم ولكن على قدر الحاجة، دون أن يرهقهم بمشكلاته، أو أن يبالغ هو وهم في إرهاق أنفسهم وإزهاقها بتلك المشكلات.
القرآن الكريم يعلمنا
لقد حزن النبي ﷺ على من دعاهم إلى الإسلام فأعرضوا، حتى بلغ به الحزن مبلغًا، فجاء التوجيه الإلهي: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف:6)، وقال سبحانه أيضا لرسوله . ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:3).
وفي سورة فاطر، قال تعالى لنبيه . ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ (فاطر:8).
وصايا عملية للارتقاء فوق المشكلات
أولًا: لا تغرق نفسك في همومك وخذ قرارك:
فبعض الناس يسلمون أنفسهم للقلق والتوتر والاكتئاب، ومن ثم يصيرون ضحايا لمشكلاتهم، وإذا لم تكن لديهم مشكلة اختلقوها، وهؤلاء يجب أن يتوقفوا عن إهلاكهم لأنفسهم، فإن كانت لديك مشكلة حقيقية، ولديك حل لها فلا تتردد، وإذا لم تستطع حلها فلا تسرف في الانشغال بها، ولكن روح عن نفسك، ثم فكر فيها، وإذا لم تستطع فاستعن بالله ثم بذوي الخبرة والاختصاص.
ثانيا: كن معتدلًا متوازنًا:
أقصد بالاعتدال هنا أن نتعايش مع ضغوط الحياة بما يحقق أهدافنا دون أن تدمرنا هذه الضغوط، وهذا لن يتحقق إلا بالاعتدال في حياتنا، والوصول إلى التوازن بين الراحة والعمل، وبين الانشغال والترويح دون أن نتكاسل ونتراخى عن أدوارنا في الحياة، ودون أن نحترق فيها، فلا تهمل واجباتك، ولا تنس احتياجاتك.
ثالثا: رتب أولوياتك حتى لا تحبط:
لكل إنسان منا طاقة محددة للتعامل مع الضغوط والصراعات، فمن تجاوز حدود طاقته عرض نفسه للاحتراق، وكثيرًا ما يتعرض الإنسان منا لضغوط كثيرة شديدة في وقت واحد، لا تنهض بها قدراته، ولا يسمح بها وقته، وهنالك يشعر بأن الأمر خرج عن السيطرة، فإذا حدث لك ذلك فلا تستسلم، ولا تشتت نفسك فتحترق دون أن تحقق هدفًا، ولكن رتب أولوياتك حسب الأهمية، وحاول إنجاز الأهم فالمهم.
رابعًا: كن قوي الإرادة والعزيمة:
قد ينظر الإنسان إلى حجم العمل الكبير فيحبط ولا يبدأ، وثم إنسان آخر يدرك أن «طريق الألف ميل يبدأ بخطوة»، فيشحذ إرادته وعزيمته، ويبادر باتخاذ إجراء عملي، ثم يتبين له بعد ذلك أنه يسير في الإنجاز بسلاسة، ويكتشف أن لديه قدرات خلاقة!!
خامسًا: استمتع بالنجاحات الصغيرة:
على المرء أن يبث الثقة بنفسه، وذلك بأن يوقف ذاته على نجاحاته وإن كانت صغيرة، فيسعد بها، وينمي ثقته بنفسه فينقله ذلك إلى نجاحات أكبر وأعظم.
سادسًا: انقد ذاتك برفق، ولكن لا تجلدها:
نقد الذات فضيلة عظيمة، وهي آلية عملية لتطوير النفس وقدراتها، لكنها إذا تجاوزت الحد انقلبت إلى عقاب الذات وجلدها، وهنالك سنعاني من الندم والتوتر والاكتئاب، وغير ذلك من الاضطرابات والأمراض النفسية والعصبية التي ربما تهلك الفرد، وكلما هممت بجلد ذاتك أو الآخرين فردد: «الكمال لله وحده».
سابعًا: لا تكلف نفسك فوق طاقتها:
لا تحاول أن تكون «سوبرمان»، تلبي كل ما يطلب منك على حساب صحتك، فكثيرًا ما يعد الواحد منا الناس بإنجازات كبرى، ومواعيد متلاحقة، ولا يستطيع أن ينفذ منها شيئًا، فيكون بذلك قد ظلم نفسه، وخسر الآخرين.. وصدق رب العزة إذ يقول: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ( البقرة ٢٨٦). ويقول سبحانه أيضا ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ﴾ (الطلاق: ۷).
وفي السياق ذاته يقول المصطفى ﷺ: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، وإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع» ( رواه أبوداود).
ثامنا: الزمن جزء من العلاج ... فتعلم الصبر:
أحيانًا تتراكم الهموم والكروب ويبدو للإنسان أنها لن تنتهي، لكن الحقيقة أن الزمن إذا لم يعالج جميع الجراح فإنه يداوي بعضها، أو يساعد على التئامها، ومن ثم تغدو هذه الهموم ذكرى، وخاصة إن كان صاحبها من الصابرين.
تاسعًا: كن متفائلًا واحذر التشاؤم:
إن الحالة النفسية للمريض – مثلًا تؤثر في قدرات الجهاز المناعي، ومن ثم على شفائه، ولذلك حث الإسلام العظيم على التفاؤل، وحذر من التشاؤم إلى درجة قول النبي ﷺ: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» (رواه أبو داود )، والطيرة هي التشاؤم.
عاشرًا: تبسم:
إن التبسم والدعابة مخرج طبيعي من ضغوط الحياة، ولقد أكدت الدراسات العلمية أن التبسم عامل أساسي من عوامل الصحة النفسية والجسمية، والاحتفاظ بالنضارة والحيوية، كما أنه وقاية من الضغوط والصراعات والمشكلات والإحباطات، لذا فقد وصف رسول الله ﷺ بأنه: «كان بسامًا ضحاكًا».
ومن هديه ﷺ: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» ( رواه مسلم).
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل