العنوان شؤون دولية: 1385
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 25-يناير-2000
ارتباك في صفوف القوات الروسية.. واعتراف بالهزائم من الإعلام الرسمي
توجيهات سرية من بوتين بتوسيع نطاق العمليات
معلق روسي: الجنرالات عديمو الكفاءة قسموا الجيش إلى أجزاء صغيرة تنتظر ضربات المقاتلين
وجه الرئيس الروسي بالوكالة فلاديمير بوتين رسالة سرية إلى عدد من المسؤولين الروس من بينهم وزير الخارجية إيجور إيفانوف ووزير الدفاع إيجور سيرجييف، ورئيس جهاز الاستخبارات باتروشيف، تضمنت تكليف أولئك المسؤولين بإعداد مخطط يقضي بإدخال القوات الاتحادية الروسيةإلى منطقة القوقاز، وتأمين غطاء دبلوماسي وسياسي لنشاط القوات الاتحادية في القوقاز.
ومن جهته بدأ بعض وسائل الإعلام الروسي بتغيير مواقفه المؤيد للحرب، وأخذ ينشر مواضيع ومقالات معارضة، وأخبارًا تبين وقوع خسائر جسيمة في صفوف القوات الروسية.
فقد بثت إذاعة «إيخو موسكفي» الروسية برنامجًا للكاتب والصحفي المعروف بافيل فيلجيناجوير جاء فيه: إن المقاومة الشيشانية كانت فعالة في جروزني، ونجحت في إيقاف هجمات القوات الاتحادية منذ الأيام الأولى من العام الجديد، وليس في جروزني وحدها، بل وفي كل الجبهات، حيث قيد المقاتلون الشيشان القوات الروسية وأجبروها على التراجع واللجوء إلى الدفاع، فبعد أسابيع عدة من المعارك القوية لم يتمكن الجيش الروسي من الدخول إلى «دوبا يورت» في منطقة «أرجونسكايا» لفك الحصار عن مجموعة الإنزال قرب الحدود الجورجية.
وأضافت الإذاعة الروسية: إن الجنرالات عديمو الكفاءة قسموا الجيش إلى أجزاء صغيرة تنتظر ضربات المقاتلين وأوصلوه إلى طريق مسدود، وتابع فيلجينجاوير: لقد احتلت بعض الأراضي وأخرج المقاتلون منها، ولكن الاحتلال لا يعني النصر، بل على العكس فإن احتلال الأراضي مكن من توحيد المجتمع الشيشاني في حركة موحدة للمقاومة، كما أنه يشكل قاعدة لحرب العصابات الناجحة.. أما الجنرالات فيوجهون اللوم إلى الجو السيئ تمامًا مثلما فعل الألمان عام 1944م، عندما أرجعوا سبب هزيمتهم في موسكو إلى الأحوال الجوية والصقيع، وكأن قيادتنا لم تنظر إلى التقويم عندما بدأت هذه الحملة.
وخلص البرنامج الإذاعي إلى القول: من الناحية الاستراتيجية فإن الهزيمة واضحة والجيش الروسي في الشيشان لا يملك القوة للنصر، وخروجه من هناك ليس إلا مسألة وقت، والواقع أن الهدنة وفصل القوات إن تمت، فستكون لصالح روسيا، ولكنها بالنسبة لبوتين كارثة سياسية، وهكذا فإن الحرب بدأت من أجل بوتين وها هي تستمر اليوم من أجلة.
قناة NTV التلفازية في موسكو بدأت كذلك تعطي معلومات وأخـبـارًا تناقض ما يقوله العسكريون الروس عن حقيقة ما يجري في الشيشان، وانتقدت في نشراتها سياسة التضليل التي يتبعها العسكريون بإعطاء معلومات كاذبة عن الأوضاع في القوقاز ،كما غيرت صحيفة «إزفستيا» الداعمة لبوتين من لهجتها، واعترفت بأن القوات الروسية وقعت في مأزق صعب نتيجة الحرب في الشيشان، وأن الأوضاع تطورت في غير صالح القوات الاتحادية.
على الصعيد نفسه، أكد الصحفي الروسي المعروف أندريه بابيتسكي الموجود حاليًا في جرزوني أن موسكو تبالغ عندما تتحدث عن أعداد كبيرة من المتطوعين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب الشيشانيين.
وذكر أن أكثر من 90% من المقاتلين شيشانيون، وعن حقيقة استخدام السلاح الكيماوي قال بابيتسكي: من غير المعقول أن يقوم الشيشانيون بقتل أنفسهم وتفجير مواد كيماوية كما تتهمهم موسكو، وقد كنت في المنطقة التي أصيبت بالتلوث الكيماوي، وتأكدت من أن المواد المستخدمة هي من قنابل وعبوات سامة أطلقتها القوات الروسية.
وذكر الصحفي الروسي: أن التلفاز الشيشاني لا يزال يبث برامجه دون توقف على الرغم من الحرب والقصف المدمر، ويغطي بثه كل المناطق الشيشانية، ويمكن مشاهدة برامجه في جمهورية أنجوشيا، مما يدل على أن لدى الشيشانيين تقنيات متطورة على عكس ما ادعته موسكو في الأيام الأولى من العمليات العسكرية من أنها دمرت كل شيء بما في ذلك محطة التلفاز.
وأضاف بابيتسكي أنه مندهش للتنسيق الدقيق الذي تتبعه القوات الشيشانية بين كل مجموعاتها ووحداتها، فهي تنفذ عملياتها بكل دقة وصرامة حسب مخطط موضوع من القيادة العسكرية الشيشانية، بدءًا من المجموعات التي تؤمن الغذاء حتى المجموعات الدفاعية، وذكر أن المقاتلين الشبان الذين لم يشتركوا في الحرب الأولى ينفذون عملياتهم وقت الهدوء، أما المقاتلون المخضرمون فيتقدمون لحماية هؤلاء الشبان بشكل منظم إذا ما احتدمت المعارك، وأشار إلى أن عمليات الدفاع عن العاصمة جروزني يقودها القائد المعروف إسلامبيك إسماعيلوف، أما عمليات جنوب غرب الشيشان فيقودها القائد الميداني رسلان جيلاييف.
سيرى الروس من الشيشان ما كانوا يحذرون
حتى لو استطاعت الآلة الحربية الروسية اقتحام جروزني المجاهدة المحترقة، فلن يكون شأن الطرف المنتصر عسكريًا في القتال بين الجبهتين الروسية والشيشانية، سوى شأن ملاكم من الوزن الثقيل استطاع إخراج غلام ناشئ من الحلبة بعد اثنتي عشرة جولة!
بل أدخل الروس أنفسهم في ورطة كبيرة.. وكانوا يرددون مباشرة وغير مباشرة أن حرب الشيشان لا بد منها كيلا تنتقل «الدعوات الانفصالية» إلى بقية بلدان منطقة شمال القوقاز.. فأي تشجيع على التحرك ضد الروس وعلى الجهاد من أجل التحرر يجده مسلمو تتاريا، وداغستان، وباكشيريا، وغيرها الآن، وهم يرون الجيش الروسي بقضه وقضيضه، وعدته العسكرية، ووحشيته القتالية، لا يكاد ينجح في قصف الاستيلاء على موقع من المواقع الأرضية بعد قصف جوي ومدفعي وصاروخي أيامًا وأسابيع عديدة، إلا ويتلقى صفعة جديدة فيخرج منه، ثم يعود إلى القصف من جديد؟! وأي تشجيع يجده أبناء تلك الشعوب على الجهاد، وهم يرون أحوال عدوهم إذ يخشى أي مواجهة مباشرة، وإذأصبحت النساء من أمهات القتلى الروس هن المصدر الأصدق في الإعلان عن أعداد القتلى والجرحى، وإذ يبيع العسكريون الروس أسلحتهم وما يحملون من متاع للمقاتل الشيشاني المجاهد، ويؤثرون الفرار ببعض المال على المشاركة في قتال يعلمون أنه عدواني لا جدوى منه، ومعركة يقدرون أنها خاسرة آجلًا أو عاجلًا؟!
لیست موسكو هي التي تخير المسلمين في الشيشان بين سلام استسلامي وبين الاستمرار في القتال.. بل أبناء الشيشان هم الذين وضعو موسكو بعد عدوانها بين خيارين: إما الانسحاب العسكري مع ما يعنيه من خزي سياسي عبر الإقرار بحق تقرير المصير والتحرر والاستقلال لأبناء الشيشان وسواهم من شعوب المنطقة المغتصبة، أو الاستمرار في القتال والخزي العسكري والسياسي حتى ينتزع المقاتلون حقوقهم، رغم التفوق العسكري الروسي.
والمسلمون المجاهدون في الشيشان لا يسألون هل يتحقق النصر أم لا، فهم ينطلقون من أن النصر- كما وعد الله تعالى - محتم.. إن لم يكن في هذه الجولة ففي جولة تالية، وإن لم يكن لهذا الجيل فالجيل القادم وإن لم يكن بمعايشة الاستقلال فبالشهادة وانتظار قوم يأتون من بعدهم.
والنصر محتم رغم التواطؤ الدولي بدءًا بالترخيص لموسكو في مارس الماضي، برفع عدد قواتها في المنطقة حتى تمكنت من الشروع في مايو في غزوتها العسكرية الجديدة، وانتهاءً بما يجري الآن من عروض مسرحية تتحدث عن ضغوط غربية على موسكو.. دون ممارسة الضغوط، وتتحدث عن سوء العلاقات معموسكو.. دون أن تسوء العلاقات، وتكتفي ببعض الكلام الناقد للحملة العسكرية المستمرة منذ 20 أسبوعًا، دون أن تزيد على الكلام إجراءً جادًا واحدًا ضد موسكو، ناهيك عن الاعتراف بحق الشعب المسلم في الشيشان بالتحرر والحياة الكريمة.
ونستحيي أن نذكر المزيد من المواقف الغربية الجديرة بالتنديد والإدانة، فقد تكرر في مواقف عدد من البلدان الإسلامية ذكر ما لا يختلف اختلافًا يستحق الذكر عن المواقف الغربية، وإنها لمواقف تستحق التنديد أيضًا، إنما لا ينبغي تحويل قضية من مثل قضية الشيشان إلى ساحة للخلاف بين المسلمين، فقضية الشيشان ستتحول أو تحولت بالفعل إلى مصدر جديد من مصادر تجديد ارتباط المسلمين بإسلامهم، وتجديد ثقتهم بأنفسهم، والوعي بقدرتهم على تحقيق ما يتطلعون إليه من أهداف مشروعة عزيزة، معتمدين في ذلك على سائر سبل الجهاد.. بدءًا بالجهاد مع النفس، مرورًا بجهاد العلم والتربية والكلمة الطيبة وانتهاءً بساحة القتال.
ولن ينتهي في الشيشان القتال في المستقبل المنظور، فحروب التحرير كانت ولا تزال طويلة الأمد، وكانت ولا تزال هي السبيل الوحيدة للتعامل مع عدو غاصب، كما كانت تنتهي علىالدوام بانتصار الطرف «الأضعف» عدة وعددًا، الأقوى بسلامة هدفه وطريقه وبحقه المشروع في التحرر والحياة الكريمة.
أحمد الأديب
بعض الإعلام العربي ينشر الأكاذيب عن الشيشان!
«الشيشانيون انفصاليون ومتمردون وإرهابيون أيضًا.. والعملية العسكرية فيبلادهم لتحرير جروزني، وجنودنا يقاتلون في سبيل الحفاظ على وحدة التراب الروسي، ومن ثم فإن الصور المنقولة لهم يجب أن تركز عليهم وهم يطلقون قذائف مدفعياتهم ببسالة.. أو وهم يلهون بأشلاء جثث المتمردين»!
هذه بعض مرتكزات الخطاب الإعلامي الروسي في تعامله مع العدوان على جمهورية الشيشان المسلمة، وهي المرتكزات التي وضعت بعناية من قبل خبراء الدعاية واعتمدت على تقارير لأجهزة المخابرات الروسية، واستفادت من العملية العسكرية لــ «الناتو» في يوغسلافيا، وتقوم على التحكم في منابع المعلومات المتداولة عن «المسألة الشيشانية» بحيث يتم الترويج لوجهات النظر التي تخدم المصلحة الروسية حتى لو انتهى الأمر إلى تبني الأغاليط، والأخبار المشوهة، فضلًا عن سياسات التضليل الإعلامي.
هذا أمر مفهوم باعتبار أن الحرب في جزء منها إعلامية مخابراتية، ولا يكفي لتحقيق النصر فيها الجندي والعتاد بمفردهما بل لا بد من الصورة التلفازية، والخبر الدعائي.. ولئن كان هذا هو التعامل الروسي الإعلامي مع الأزمة، إلا أن هذا لم يمنع من وجود بعض وسائل الإعلام الروسية والغربية الذي لم يستسلم للدعاية الرسمية، بل اجتهد في تحري الحقائق ونبذ الأكاذيب حتى بدأت وسائل روسية تتحدث مؤخرًا عن المأساة التي يعيشها الجنود الروس في الشيشان والهزائم المنكرة التي يتعرضون لها.
فكيف تعامل الإعلام العربي مع الأزمة؟
لقد وقع هذا الإعلام منذ البداية - مكتوبًا ومسموعًا ومرئيًا - في معظمه - أسيرًا للخطاب الإعلامي الروسي، فتبنى مفرداته وتوصيفاته للصراع واستدرج إلى تبني وجهة النظر الدعائية الرسمية.. وفضلًا عن ذلك تورط في «التبشير» باقتحام جروزني، وتحقيق الانتصار الروسي السريع!
وباستثناء المادة التحليلية ومادة الرأي فإن التغطية الإخبارية للعدوان اعتمدت دومًا على البيانات الرسمية الروسية، في الوقت الذي لم يكلف الإعلام العربي نفسه بنقل الوجه الآخر للصراع على الأقل، وهو رد فعل المجاهدين، ولو بفتح موقعهم على الإنترنت، أو إرسال مراسلين لنقل الصورة الحقيقية للقتال، وكيف أنها ليست كما يصورها الجانب الروسي.
على الإعلام العربي أن يكون له خطابه المستقل في الإعلام بقضايا المسلمين بعيدًا عن الخطاب المناوئ بحيث ينقل الحقائق المجردة، ويحترم عقول المتلقين ويستخدم مصطلحات وتوصيفات مقبولة، فضلًا عن ضرورة أن يتوقف عن نشر الأكاذيب.. وإلا فليصمت.
عبد الرحمن سعد