; اختلفت آراؤهم ولم تختلف قلوبهم | مجلة المجتمع

العنوان اختلفت آراؤهم ولم تختلف قلوبهم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990

مشاهدات 79

نشر في العدد 970

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 12-يونيو-1990

﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ (المائدة: ۳) ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام: ١٥) وفي الحديث: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي». «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ».

لا ريب أن الإسلام قد اكتمل، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يلتحق بالرفيق الأعلى إلا بعد أن بين ما أنزله الله عليه، وما فرضه على عباده، ولم يترك شيئًا يقربهم إلى الله إلا بينه لهم، ولا شيئًا يبعدهم عن الله إلا بينه ونهاهم عنه، فبكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبسنة رسول الله الصحيحة اكتمل التشريع الإسلامي، فالكتاب والسنة هما الأصل والمرجع للتشريع، وقد تكفل الله بحفظ قرآنه قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). 

منزلة السنة من القرآن

والسنة مبينة ومفسرة للقرآن، كما أنها تعتبر أصلًا مستقلًّا بذاته، فهي من الوحي، فما تضمنته وحي من الله، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، (النجم:4-3) وقد عبر عن السنة بلفظ الحكمة في بعض آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٩).

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤).

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٤).

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة:٢).

الاجتهاد واستنباط الأحكام

وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر ويجري عليه ما يجري على البشر من الموت، وقد ختم الله به رسالاته، فلا نبي بعده، ولا وحي ينزل بعد موته صلى الله عليه وسلم، فلابد أن يكون هناك علماء يتولون مسؤولية الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، وقد تولى كبار الصحابة هذه المسؤولية، وكان منهم أكابر العلماء كأمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبدالله بن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، ثم خلفهم سعيد بن المسيب في المدينة، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وطاووس في اليمن، ويحيى بن أبي كثير في اليمامة، والحسن في البصرة، ومكحول في الشام، وعلقمة في الكوفة وغيرهم، ثم تبعهم أصحاب المذاهب واشتهر منهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي توفى عام (١٥٠) هجرية، والإمام الأوزاعي أبو عمر عبدالرحمن بن عمر بن محمد توفي سنة (١٥٧) هجرية، والإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري توفي سنة (١٦٠) هجرية، والإمام الليث بن سعد توفي سنة (١٧٥) هجرية، والإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي سنة (۱۷۹) هجرية والإمام سفيان بن عيينة توفي سنة (۱۹۸) هجرية، والإمام محمد بن إدريس الشافعي توفي سنة (٢٠٤) هجرية، والإمام أحمد بن حنبل بن محمد بن حنبل توفي سنة (٢٤١) هجرية، والإمام داود بن علي الأصبهاني البغدادي المشهور بالظاهري توفي سنة (۲۷۰) هجرية، وإسحاق بن رهويه توفي سنة (۲۳۸) هجرية، وكثير من الأئمة الذين لم تشتهر مذاهبهم، ثم انحصرت المذاهب في أربعة لوجود تلاميذ لهم كثر قاموا بنشر مذاهبهم وتدوينها، وهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ولم يطلب أحد من هؤلاء أن يقلدهم في مذاهبهم أحد من المسلمين، بل اشتهر عن الإمام الشافعي قوله: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا وخذ من حيث أخذنا»، وفي عصر الانحطاط الفكري عند المسلمين ظهر تقليد المذاهب، ثم تطور هذا التقليد إلى التعصب المذهبي.

صور من اختلاف الاجتهاد

وكان الأئمة لا يتعصبون لآرائهم، ويعتبرون الخلاف أمرًا طبيعيًّا لاختلاف الأفهام والمدارك، والصحابة أيضًا كانوا يختلفون في المسائل ولكن هذا الخلاف لا يؤثر في علاقة بعضهم ببعض، وفي احترامهم بعضهم بعضًا، فقد اختلف أبو بكر وعمر في سبي أهل الردة، وفي قسمة الأراضي المفتوحة، ومع ذلك فإنه لما قيل لعمر أنت خير من أبي بكر أجهش بالبكاء وقال: «والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر». فقد اختلفت آراؤهم ولكن قلوبهم لم تختلف، وقد نزل عمر على رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في كثير من المسائل حتى قال كلمة عن علي صارت مثلًا وهي: «قضية ولا أبا حسن لها».. استدعى عمر امرأة لأنه بلغه أن زوجها غائب ويدخل عليها بعض الرجال في بيتها، فخافت المرأة من استدعاء عمر وقالت: یا ویلاه ما لي ولعمر! وكانت حاملًا فضربها الطلق في الطريق فدخلت دارًا فألقت ولدها، وصاح الصبي صيحتين ثم مات، استشار عمر الصحابة في حكم هذه القضية فاختلفوا، قال بعضهم: ليس عليك شيء إنما أنت والٍ ومؤدب. وعندما استشار عليًّا قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأوا وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديتها عليك.. أنت أفزعتها وألقت ولدها بسببك. فقبل عمر حكم علي وضمن دية الصبي.

وقد اختلف عبدالله بن مسعود مع عمر مع ما بينهما من مودة وتوافق في الآراء، ومع ذلك اختلف معه في مائة مسألة، وكان يقول: «إن عمر للإسلام حصن حصين يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن».

وكان عمر في حياته يشيد بفقه ابن مسعود وكذلك كان التابعون يجري بينهم الخلاف بكل أدب واحترام، وكل منهما يقدر رأي الآخر، وكذلك الأئمة الأربعة..

أراد الرشيد أن يحمل الناس على موطأ الإمام مالك، وكان هذا الكتاب أول كتاب ألف في تاريخ الإسلام، فرفض الإمام مالك أن يلزم الناس بما جاء في كتابه، وقال للرشيد: إن الصحابة تفرقوا في الأمصار فسبقت إلى الناس أقاويل وسمعوا أحاديث ورويت لهم روايات، وأخذ كل قوم ما سبق إليهم فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم.

 أما أسباب الخلاف فهي ترجع إلى أمور عدة:

أولًا: تعود إلى رواية الأحاديث، فأحيانًا لا يصل الحديث إلى مجتهد، فيقول رأيه حسب ظاهر آية من القرآن أو حسب البراءة الأصلية، أو استصحاب الحال، أو أي وجه آخر من أوجه الاجتهاد، بينما يبلغ الحديث مجتهدًا آخر فيقول به، وقد يصل إليه ولكن يرى فيه علة تمنع من العمل بمقتضاه كاعتقاد عدم صحة إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجود مجهول أو متهم أو سيئ الحفظ في سلسلة إسناده أو لانقطاعه أو إرساله، أو يشترط في الخبر شروطًا لا يشترطها غيره، وقد تختلف أقوال العلماء باختلاف آرائهم في معاني الحديث ودلالته، وقد يصل الحديث لبعضهم من طريق بلفظ، ويصل لمجتهد آخر بلفظ مغاير، وقد يصل الحديث إلى أحد المجتهدين مقترنًا بسبب وروده فيحسن فهم المراد منه، بينما يصل إلى آخر من غير سبب وروده فيختلف فهمه له، وقد يسمع راوٍ بعض الحديث، ويسمع آخر الحديث كاملًا، وقد يصح الحديث عند المجتهد ولكن يعتقد أنه معارض بما هو أصح منه، أو أقوى فيرجح الأقوى أو لا يتضح له أقوى الدليلين فيتوقف حتى يظهر له مرجح. 

ثانيًا: بسبب اللغة، كأن يكون هناك لفظ مشترك، وهو ما وضع لمعانٍ متعددة ومختلفة كلفظ القروء في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: 228) فمنهم من قال إن عدة المطلقة ثلاثة أطهار مفسرًا القرء بالطهر، ومنهم من قال إنه ثلاث حيض مفسرًا القرء بالحيض، ولفظ الكتاب في قوله صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» فالكتاب هنا بمعنيين، بمعنى الحكم، وبمعنى القرآن. 

ثالثًا: يعود إلى الاختلاف في طريقة الاستنباط وقاعدته، فبعض العلماء يذهب إلى أن فتوى الصحابي إذا اشتهرت ولم يكن لها مخالف من الصحابة فهي حجة، لأن الثقة بعدالة الصحابة تشعر بأن الصحابي ما أفتى به إلا بناء على دليل أو سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم لا يرى في مذهب الصحابي حجة إلا إذا أسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يأخذ بمبدأ المصالح المرسلة، فإذا رأى المجتهد في أمر من الأمور تحقيق مصلحة، ولم يرد شيء من الشارع في هذا الأمر قال بمقتضى تلك المصلحة لأن الشارع ما شرع الأحكام إلا لمصالح العباد، وهناك أيضًا أدلة مختلف عليها كسد الذرائع والاستحسان والاستصحاب، والعرف الذي يشهد الشرع باعتباره. 

اختلاف الرأي لا يفسد الود

وتجري هذه الخلافات بين العلماء، ولكنها لا تؤثر على التشريع، ولا على علاقات المسلمين بعضهم ببعض، فلا تمنع أن يصلي بعضهم خلف بعض، فقد كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأئمة آخرون يصلون خلف أئمة المالكية وغيرهم، ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له إن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟

ولكن في عهد الانحطاط والتقليد جاء التعصب، بعد القرن الرابع، والانحطاط الفكري جاء بسبب الانحطاط السياسي، حيث تولى الأمور غير أهلها من أهل العلم والمعرفة، وساد أهل الجهل، وهنا نذكر ما قاله الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208). قال: ومن آيات العبر في هذا المقام أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورًا لو اتبعته الأمة لاستقامت على الطريقة، وخرجت من مضيق الخلاف والشقاق إلى ساحة الوحدة والاتفاق، والسبب في بقاء قوة سلطان الخلاف والنزاع هو تفشي الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي ينتسبون إليها، وبجاهها يعيشون ويكرمون، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة، وقطع طريق الاستقلال العقلي على الأمة، لأن هذا أعون لهم على الاستبداد وأشد تمكينًا لهم فيما يحبون من الفساد والإفساد، لأن اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص إذا اتحدوا اتبعهم العوام، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لمنع استبداد الحكام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

144

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 48

134

الثلاثاء 23-فبراير-1971

تاريخ لا يُنسى