; اختراق جديد للعالم الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان اختراق جديد للعالم الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد 1196

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 16-أبريل-1996

فيما وصف بعض المراقبين السياسيين الاتفاقية العسكرية التي أعلنت مؤخرًا بين تركيا وإسرائيل أنها كانت مفاجأة تامة لهم، فإن المفاجأة الحقيقية لم تكن في هذا الأمر، وإنما كانت في بيانات الشجب والإدانة التي أصدرتها بعض الدول العربية، لا سيما الدول التي لها علاقات مع الكيان الصهيوني، فتركيا كانت من بين أول ست دول في العالم تعترف بإسرائيل، حينما أعلن عن قيامها على أرض فلسطين المغتصبة في عام ١٩٤٨م، وكانت تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة- على امتداد أربعين عامًا- التي أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع العدو الصهيوني، كما أن الاتفاقية العسكرية التي وقعت في ۲۳ فبراير الماضي بين إسرائيل وتركيا، ظلت سرية حتى كشف عنها قبل أيام، إنما هي حلقة في سلسلة من اتفاقيات التعاون العسكري التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية بين تركيا وإسرائيل على مرأى ومسمع من العالم العربي الذي لم يحرك ساكنًا، لأن معظم دوله كانت هي الأخرى غارقة في البحث عن علاقات مع إسرائيل بشكل أو بآخر، ففي نوفمبر من عام 1993م قام وزير الخارجية التركي السابق حكمت شتين بزيارة إلى إسرائيل وقع خلالها بروتوكولًا للتعاون العسكري بين إسرائيل وتركيا، وفي مايو ١٩٩٤م قام وفد عسكري تركي برئاسة يلتشين بورتشاق- مستشار الصناعات الدفاعية التركية- بزيارة لإسرائيل بهدف تنشيط بنود الاتفاقية التي وقعها شتين ووضعها موضع التنفيذ، وبالتالي فإن الاتفاق الأخير ليس سوى امتداد وتطوير لما سبق الاتفاق عليه بين تركيا وإسرائيل. 

ومع خطورة الاتفاق التركي الإسرائيلي على البنية العربية والإسلامية، إلا أن الرؤية الواقعية تدل على أن الأمر أخطر من ذلك بكثير، فالاختراق الإسرائيلي لتركيا ليس سوى حلقة من حلقات الاختراق الصهيوني للعالم العربي والإسلامي، بدأت منذ عام ١٩٤٨م بإقامة علاقات دبلوماسية بين تركيا وإسرائيل، ثم شهدت نقلة نوعية باتفاق السادات مع بيجن الذي وقع في كامب ديفيد عام ۱۹۷۹م، ثم مؤتمر مدريد الذي عقد في عام ١٩٩١م، وانفرط بعده عقد العرب والمسلمين، واستطاعت إسرائيل خلال خمس سنوات فقط أن تخترق العالم الإسلامي من كل جوانبه وأركانه بعلاقات متفاوتة بين دوله، وتحول الواقع العربي والإسلامي من واقع ينص في كثير من بنود وبيانات دوله على عدم إقامة أي شكل من أشكال التعاون السياسي، أو العسكري، أو الاقتصادي، أو غيره مع إسرائيل طالما هي مستمرة في احتلالها لفلسطين، إلى تسابق بين معظم الدول العربية والإسلامية على من يخطب ود إسرائيل، وينال رضاها أولًا، ووصل الأمر المؤسف الآن إلى إقامة إسرائيل علاقات وتبادل زيارات وبعثات ولقاءات مع كل من مصر، والأردن، وقطر، وعمان، وتونس، والمغرب، وموريتانيا، وإريتريا، ودول أخرى عديدة لا ندري ما الذي تبحث عنه لدى اليهود أعداء الله ورسوله، وأعداء المسلمين، وأعداء السلام، وأعداء الحرية، وأعداء الإنسانية، حيث تحض بروتوكولاتهم على ذلك.

وإذا نظرنا إلى خريطة العالم الإسلامي ومواقع هذه الدول عليها، نجد أن إسرائيل قد طوقت العالم الإسلامي من شرقه وغربه وشماله وجنوبه.

 إن هذا التهافت والتصدع المتتابع في الصف العربي والإسلامي، والانسياق للضغوط الأمريكية والصهيونية في حضور المؤتمرات التي تخدم إسرائيل وتصب في مصلحتها، إنما هو المحنة الكبرى التي ينبغي أن يتألم لها كل مسلم، وأن ينكرها كل صاحب دين، فالمخرج ليس في شجب تركيا أو إدانتها فقط، وإنما هو في تحرك عربي وإسلامي لاستعادة الهوية المفقودة والموقف الموحد، وتوجيهه الضغط على العدو الصهيوني الغاصب لاسترداد فلسطين السليبة.

إن الحكومات العربية والإسلامية تدرك جيدًا رفض شعوبها لتلك المسيرة الاستسلامية، وتلك التنازلات التي لا تليق بالكرامة الإسلامية، أو الشهامة العربية، ومن ثم فإن توحيد الصفوف وإيجاد رأي عربي وإسلامي موحد يجب أن يكون هو بداية الطريق لاسترداد الحق الضائع، والمقدسات السليبة، أما النكوص على الأعقاب والاستجابة لضغوط أمريكا ومطالب إسرائيل، ومحاربة الشعوب الإسلامية في دينها وعقيدتها بدعوى مكافحة الإرهاب واتباع سبل المبطلين، فإنها خطوات لا تحمل إلا الخسران في الدنيا، والخزي في الآخرة﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ( المائدة آية: ٥٤).

الرابط المختصر :