; إحياء فقه الدعوة.. سهام الشيطان | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة.. سهام الشيطان

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

مشاهدات 31

نشر في العدد 175

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

هي سلاسل مقيدة موثقة، كما أنها سلاسل متتابعة متوالدة، تلك العيوب الثلاثة الثالبة تشل صاحبها عن حيوية في الخير وحراك، وتشده إلى أرض الجمود.

لها تزين وتزيين.

ولسان طويل وترهيب.

لكنها جبانة عند لقاء المؤمن، تخاف انتباهته.

• لا قليل من الإثم

لذلك كان التخلص من سجن العيوب الخلقية وأسرها يمثل المرحلة الضرورية الأولى في الصياغة التربوية للداعية المسلم، نحرص على التحرير قبل إعطاء الوعي وتعليم الفقه والتدريب على كسب الأنصار، لا نهتم قبل تقطيع وتكسير حديد سلاسل العيوب بشيء.

فمن تجاوز هذه الخطوة في البداية الصحيحة فكأنما هو مراوح في مكانه، لم يبرح موضعه، وإن قطع المسافات بدونها، وأقام الشهود على قدم الانتساب، ليس هو إلا في تكرير وتقليد لذاك الرجل الذي جاء إلى الزاهد أبي علي الدقاق، يشتاق إلى مواعظه، فقال:

 قد قطعت إليك مسافة.

أي سافر إليه من بلاد بعيدة يبتغي أن يكون له تلميذًا وصاحبًا، يظن أن طول رحلته يمنحه أولوية على غيره في القرب من أبي علي.

فقال له أبو علي:

«ليس هذا الأمر بقطع المسافات. فارق نفسك بخطوة: يحصل لك مقصودك»(1). وهذه هي النفس الأمّارة بالسوء، ذات العيوب، عناها أبو علي، لن يحصل مقصود الدعوة في الداعية حتى يفارقها بخطوة تكون دليلًا على أنه قد حل وثاقها له.

أي وثاق كان، بسلاسل غلاظ أم دقاق رفاع، ما دام منهن تكتيف وإقعاد.

وهذا هو الذي أدركه عمر بن عبد العزيز بثاقب بصيرته الإيمانية، فطفق يلح على الواحد من ولاته على الأقاليم أن:

«لا يكونن شيء أهم إليك من نفسك، فإنه لا قليل من الإثم» (2).

يراه كله قيدًا، قليله وكثيره، هذا الإثم.

فلما تخلص عمر والذين معه من قليله، واهتزت الأرض لذلك وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، أيقنها الناس نظرية لعمر في طلب كل خير، وصاغها شاعرها وصية:

خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا                         وَكَبِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى

وَاصْنَعْ كََمَاشٍ فَوْقَ أَرِ                       ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى

لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً                                إِنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى(3)

وتمثيل التقوى بحذر الماشي فوق أرض كثيرة الشوك يؤثر عن الفاروق رضي الله عنه، وبذلك جمع الشاعر بين خلاصة فقه العمرين، ومن عرج ساعة لشوكة شيكها، حتى وجد منقاشًا، ثم استخرجها ضاحكًا من شدة صغرها كأنها ذرة، عرف أن لا قليل من الإثم حقًا.

• نحو براءة عمرية

ولولا أنهما أول المبادرين إلى تطبيق حكمتهما لما خلدت، لكنه هو الفاروق لما مات رثته ابنة أبي حثمة، فصاحت:

«واعمراه.. أمات الفتن، وأحيا السنن. خرج نقي الثوب، بريئًا من العيب»(4).

بكل معنى البراءة والنقاء.

أفرأيت كيف انتبهت إلى سر مناقبه!

إنه سر براءة الداعية من العيب يفعل لدعوة الإسلام أفاعيلها وفتوحها، وكفى به من سر وسلاح، وأحدنا اليوم تخالط قلبه أدران الغرور، ويوهمه خيره القليل، فيغتر إدلالًا، ويتوقف عن الاستزادة امتنانًا، آمنًا غير وجل، وقانعًا غير طامع.

ولو أنا ذكرنا ما كان عليه أمر العمرين والسلف، ثم أجرينا المقارنة والمقايسة، لتجدد لنا الخوف، وانبعثت الرغبة، وحصل الحث، وعرفنا قدر نفوسنا.

ولكنا خلف نخشى الفضيحة.

قالها صادقة صريحة الرجل الزاهد عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله، واعترف بأننا:

«إذا ذكرت أحوال السلف بيننا: افتضحنا كلنا».

كلهم في القرن الثالث، فأي فضيحة لمن في القرن الرابع عشر؟

• لا ترفع سعرك..

يفضحنا العجب بالنفس.

والمعجب مفضوح ولا شك بفضيحتين:

بفضيحة الزلل والسقوط أرضًا، إذ ما زال القدماء يقولون عن فلان: «إن العجب أخذ برجله فزل»، كمن يهمل النظر في السوق إلى موضع قدمه، فيزلق بقشر أو يعثر بحجر، فمن راثٍ لحاله وشامت، ويقوم متهمًا، تأتيه النصائح من كل جانب، وما هو بحاجة إليها بعد ارتجاج عظامه.

أو يغالي، يطلب لنفسه السعر العالي،

فيفضحه الشافعي، وينادي في السوق أن:

«من سامى بنفسه فوق ما تساوي: رده الله تعالى إلى قيمته»(5).

وسبب العجب أن المعتقد له: «يستصغر ما علم من ذنوبه وذكره وينسى كثيرًا منها، ويعمى عليه أكثرها حتى لا يظنه ذنبًا، فيستكثر عمله، فيغتر به، فيقل خوفه، وتشتد بالله غرته»(6).

وفيه نوع من الاعتداء إلى جانب الفضيحة، فبشر بن الحارث الحافي يعرف العجب بأنه:

«أن تستكثر عملك، وتستقل عمل غيرك»(7).

وهذا الجانب من الاعتداء والازدراء هو الجانب الأظهر في العجب حين فحصه سفيان الثوري، حتى كأنه قصر تعريف العجب عليه، فحذرك:

«إعجابك بنفسك حتى يخيل إليك أنك أفضل من أخ لك، وعسى أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب، ولعله أن يكون هو أورع منك عمَّا حرّم] الله، وأزكى منك عملًا»(8).

وكأن الفضيل بن عياض رآه رؤية الثوري، فجعله مستقلًا عن جانب الاستكثار الذي ذكره بشر، ومستقلًا عن نسيان الذنب الذي ذكره المحاسبي كسبب له، فقال: «إذا ظفر إبليس من ابن آدم بإحدى ثلاث خصال قال: لا أطلب غيرها: إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه»(9).

وهذا يعني أن هذه الثلاث، الجامعة لأوصاف العجب حين رآه الصالحون من زواياه المختلفة، هي رأس السوء عند الفضيل، بحيث إن إبليس يضمن بعدها كل عيب يحبه.

أي أن العجب أصل كل بلاء وفتنة عنده.

يحدد بذلك ما نقل له عن عيسى عليه السلام لما قال:

«كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عبادة قد أفسدها العجب»(10).

فالعمل الصالح ضياء ونور، يتحول إلى ظلام إذا هبت ريح العجب عليه، هكذا بهبة واحدة.

• دواء العجب

ومع ذلك، ومع أنه ريح سريع الإطفاء، فإنه سريع السكون في نفس الآيب الملتفت إلى عظيم فضل الله عليه، وذلك إذا عرف أنه إنما نال ما نال من الأعمال الصالحة:

«بمنة الله عز وجل وفضله، ولولا منته بذلك لما نال ذلك أحد أبدًا من نفسه، لأن النفس لو تركت لما فعلت ذلك، ولا كان منها، لأن محبتها كانت في خلاف ذلك، حتى نبه الله عز وجل العقل، فقهر به هوى النفس، وعزم له على الرشد، فخالف محبة النفس وشهوتها، لأن العبد لا يكاد يأتي برًا إلا وشهوتها في ضده: إن قام الليل فشهوتها في راحتها من التعب وفي نومها فرارًا من السهر. وكذلك إن صام فشهوتها في الإفطار، لما بنيت عليه من حسب الغذاء، من الطعام والشراب، وحبها الراحة، من النكاح وغيره. وكذلك جميع أعمال الطاعات، فلم تكن لتعمله لو تركت. فيذكر ويعترف إنما العمل من الله عز وجل نعمة أنعم بها عليه، لا ابتداء من نفسه، وإن عليه في ذلك: الشكر، وأنه غير قائم بالشكر على ذلك مقصر في شكره، لم يستأهل ما منّ عليه به، بل يستأهل أن يسلبه، لتضييعه شكر نعم الله عز وجل عليه.

وقد يكون من البر ما لا تعب عليها فيه في الظاهر، كالسكوت عن الخوض في الباطل، وكغض البصر، وترك الغيبة في الأنام والفضول، والفكر في القلب والذكر، ولكن ذلك كله في الحقيقة يثقل عليها لأنه وإن لم يكن لها متعبًا فإنه مشغل لها عن محبتها وهواها، لأن راحتها في محادثة الخلق، لتخرج ما يجول في القلب، وكذلك غض البصر عن النظر إلى ما تهواه وتشتهيه، وكذلك الفكر والذكر بالقلب للآخرة شاغل عن النظر في راحة الدنيا والفكرة فيها، فذلك يثقل عليها ويشغلها عن راحتها ومحبتها، فقد صح لأولي النهى أن ما نالت من البر والطاعة كان يخالف محبتها، للتعب الذي يدخل عليها، أو لمنعها من راحة أو لذة تنالها، فهذا دليل بين وشاهد واضح عليها أن الذي أدخلها في خلاف محبتها غيرها، وهو مليكها المتفضل عليها بذلك، فله الحمد والشكر وحده. فإن رجعت إلى صاحبها بالدعوى منها أنها هي التي عملته وانتحلته، فحمدها على صبرها وقوتها، فليرجع إليها بهذه المعرفة التي يجدها في نفسه وطبعه، وكفى بأخبار الله عز وجل أنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب وتفضل به المولى»(11).

• صرعى المدائح الخمس

قال الثوري: «فإن لم تكن معجبًا بنفسك فإياك أن تحب محمدة الناس، ومحمدتهم أن تحب أن يكرموك بعملك، ويروا لك به شرفًا ومنزلة في صدورهم»(12).

• وهذا هو السهم الثاني من سهام الشيطان بعد العجب، يعمل أحدهم عمله وهو يريد المكانة به. وصرعى هذا السهم كثيرون أيضًا، يأتيهم ما يأتي من جهة حب المحمدة العملية.

• فمنه هذا، ومنه ما يأتي من جهة حب محمدة الناس القولية، يجربون في مدحه بلاغتهم لأغراض في نفوسهم، وهو أدرى بما بين جنبيه لو ادكر، لكنه ينسى فيغتر، ويعرض عن ناصح أمين يعلمه أدب الدنيا والدين من قريب:

يَا جَاهِلًا غَرَّهُ إِفْرَاطُ مَادِحِهِ                             لَا يَغْلِبَنَّ جَهْلُ مَنْ أَطْرَاكَ عِلْمَكَ بِكْ

أَثْنَى وَقَالَ بِلَا عِلْمٍ أَحَاطَ بِهِ                             وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالمَحْصُولِ مِنْ رَيْبِكْ(13)

لكنه إن لم يعرف هو منزلته فإن الفضيل بن عياض قد وضع في يدك ميزانًا تشخص به فصيلته، فقال: «إن من علامة المنافق أن يحب المدح بما ليس فيه، ويكره الذم بما فيه، ويبغض من يبصره بعيوبه»(14).

فتراه لو مدحه أحد ينتفخ صدره في الحال، ويطرب، وتسبح به الخيالات في بحار من اللذة الغامرة، فإذا جاء آخر ناصحًا له: انقلب بسرعة إلى حالة غريبة، يضيق فيها صدره، وتتسارع أنفاسه، وينفلت لسانه بكل لفظ خشن.

إن ستر الله تعالى لكثير من زلاتنا وعيوبنا إنما هو نعمة كبرى، وكل منا أدرى بحقيقة نفسه من غيره، وما تزكية الغير لنا إلا من شباك الاستهواء التي ينصبها الشيطان.

ولقد تأمل خالد بن صفوان في أحوال الناس فحذرك:

«إن أقوامًا غرهم ستر الله، وفتنهم حسن الثناء فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك»(15).

• ومنه نوع ثالث، وهو مبادرة الناقص لمدح نفسه بلسانه. ذكره الله تعالى فقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وجعله رباح القيسي سبب فساد الأعمال لما سئل:

«ما الذي أفسد على العمال أعمالهم؟ فقال: حمد النفس، ونسيان النعم» (16).

واستدل به الشاعر على وجود المعايب فقال:

عَجَبًا لِمَادِحِ نَفْسِهِ لَا يَهْتَدِي                          لِتَنَقُّصٍ يُبْدِيهِ فِيهِ مَدْحُهَا

مَدْحُ الفَتَى عِنْدَ التَّحَدُّثِ نَفْسَهُ                  ذِكْرَى مَعَايِبِهِ فَيَدْرِي قُبْحَهَا (17)

منه نوع رابع غريب، فإن بعض من يتمكن منهم العجب، ويرون افتضاح أمرهم، يلجأون إلى ذم أنفسهم أمام الغير، ظنًا منهم أن الذم سيؤدي إلى اعتقاد المقابل بعدهم عن العجب، وما دروا أن التواضع منحة ربانية لا تفتعل افتعالًا، وإنما تتنزل على من يعلم الله صدق توجهه. وقد كشف الحسن البصري أمر هؤلاء، وأكد لنا أن: «من ذم نفسه في الملأ فقد مدحها، وذلك من علامات الرياء» (18).

• ومنه نوع خامس أكثر غرابة، إذ يسخر الشيطان لعاشق المدح من يقوم بدور متوسط فهو لا ينصحه، يخاف أن تتجدد ثورته، ولا يمدحه، يخاف أن ينكر عليه، بل يلجأ إلى ذكر عيوب أقرانه الآخرين، يرمي زيدًا بالسذاجة، وعمرًا بالدنيوية والكسل، فتهدأ النفس الثائرة، وتطرب من جديد، ونرى فيها صورة واقعية تصدق الفضيل حين يقول: «إن من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه»(19).

• كفى بالله وكيلًا

• لكن الكيّس من دان نفسه دائمًا واتهمها بالتقصير، ورأى أن ما يعمله مهما كثر قليل بجانب حقيقة شكر الله.

• وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بيمينه صدقة لا تعلمها شماله. ومثله الذي يفتح الله على يديه بالأعمال الصالحة لا يعلمها إلا قليل، ويراها المسلمون فلا يعرفون صاحبها.

• والدعاة يهتفون من أول يومهم أن: الله غايتنا.

• فما ضرهم أن يحشروا مع قتلى نهاوند الذين لا يعرفهم الناس، بل الله يعرفهم؟

يقول مدرك بن عوف الأحمسي: «بينا أنا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن، فجعل عمر يسأله عن الناس، فجعل الرجل يذكر من أصيب من الناس بنهاوند، فيقول: فلان بن فلان، وفلان بن فلان. ثم قال الرسول: وآخرون لا نعرفهم.

فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم»(20). وفي لفظ آخر: «ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم»(21).

• وإنما يسد باب الفتن في الدعوة بمثل هؤلاء الجنود الذين يجردون عملهم لله، ولا يحفلون بمعرفة غيرهم أو جهلهم لما يعملون، وإلا فإنها سهام الشيطان قاتلة.

الهوامش

(1) المدهش لابن الجوزي - 178

(2) تاريخ الطبري 6 / 569

(3) الغنية للشيخ عبد القادر 1 / 142

(4) تاريخ الطبري 4 / 218

(5) طبقات الشعراني 1 / 44

(6) الرعاية للمحاسبي - 207

(7) (8) حلية الأولياء 8 / 348، 6 / 391

(9) (10) تنبيه المغترين

(11) الرعاية - 216

(12) حلية الأولياء 6 / 391

(13) أدب الدنيا والدين للماوردي - 213

(14) تنبيه المغترين - 71

(15) حلية الأولياء 8 / 18

(16) الرعاية - 214

(17) نفح الطيب 8 / 69

(18) (19) تنبيه المغترين - 71

(20) الخراج لأبي يوسف - 35

(21) مجلة المسلمون 1 / 596

الرابط المختصر :