العنوان احتفظوا بأغصان الزيتون ليصنع بها المجاهدون أكاليل النصر
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 52
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
قلناها، وما
زلنا نقولها، وسنظل نقولها حتى يصحو أولئك الذين اعتقدوا بإمكانية قيام سلام عادل
وشامل بيننا وبين اليهود.. قلنا: إن إقامة سلام بين مغتصبي فلسطين وبين أصحاب
فلسطين أمر مستحيل. وإذا كانت ظروف القهر العربية والدولية قد ساقت الفلسطينيين
إلى متاهات ما يسمى بالحل السلمي، فهذه هي الحقائق تبدو ماثلة للعيان، ومن يصر على
تجاهلها يكون كمن وضع رأسه في التراب؛ حتى لا يرى حقيقة الخطر الماثل أمامه.
ولا نعتقد أن
شبلًا من أشبال فلسطين تخفي عليه حقيقة العداء الأمريكي السافر لفلسطين، ولا حقيقة
العداء البريطاني «العريق» لفلسطين، ولا حقيقة الكيان اليهودي الغاصب لفلسطين.
وإذا كانت البندقية الفلسطينية قد كسرتها الأيدي العربية الرسمية فإن الفلسطينيين
قادرون على حمل البندقية من جديد واستخدامها بمهارة تفوق مهارة اليهود، ومن والاهم.
وليس هناك داع لإشغال البال في وصف الفلسطيني بالإرهاب أو الثورية ما دامت
البندقية تحقق الغرض الذي من أجله صنعت، وهو كسر شوكة العدو وإحداث أكبر الخسائر
الممكنة في أفراده ومنشآته العسكرية والاقتصادية والاجتماعية إلى أن ينهار وتعود
فلسطين عربية مسلمة.
وليس مهمًا أن
يحقق هذا الجيل أهدافه أو لا يحقق مادام يسير على الطريق الصحيح، طريق الآباء
والأجداد الذين فتحوا فلسطين، وحرروها من الغزاة والمستعمرين الكفرة أعداء الله.
كنا نعلم أن
العجوز المتصابية «تاتشر» أرادت بزيارتها لبعض الدول العربية أن تحقق مهمة مزدوجة:
أن تعقد صفقات
تجارية مع بعض البلدان العربية تنقذ بها اقتصادها المنهار، وتمهد الطريق
لاستمرارية حكم حزبها «حزب المحافظين» الذي يواجه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية
التي تكاد تقذف به بعيدًا عن كراسي الحكم الوثيرة.
أن تحقق ما عجزت الولايات المتحدة عن تحقيقه حتى
الآن من استدراج الفلسطينيين للاعتراف بقراري الأمم المتحدة ٢٤٢ و۳۳۸ أي الاعتراف المسبق بالكيان اليهودي في فلسطين
كيانًا شرعيًّا واعتبار القضية الفلسطينية قضية لاجئين عرب يمكن استيعابهم في أي
مكان آخر من ديار العرب باستثناء فلسطين.
حتى ولو توارت
هذه المهمة تحت ستار الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ذلك أن هذا الحق
يفقد معناه حين يكون خارج فلسطين، ويفقد معناه أيضًا حين يكون ضمن اتفاقات كامب
ديفيد كما يريد الإسرائيليون وفي إطار ما يسمى بالحكم الذاتي الإداري «الواسع».
ذلك أن هذا الحكم الإداري بالمفهوم الإسرائيلي لا يشمل الأرض التي هي في نظرهم جزء
لا يتجزأ من «أرض إسرائيل»، كما أنه حكم مؤقت ينتهي بطرد هؤلاء الفلسطينيين من
وطنهم إلى شرق الأردن باعتبارهم من رعايا المملكة الأردنية الهاشمية، حتى ولو تغير
اسمها إلى المملكة الأردنية المتحدة، أو الاتحاد الأردني الفلسطيني الكونفدرالي أو
الفدرالي فالنتيجة واحدة وهي تصفية القضية الفلسطينية لصالح سيادة اليهود على
فلسطين وحرمان الفلسطينيين من وطنهم ومن حق السيادة على أرضهم، أو حتى على أرض
غيرهم إن قبلوا هم بذلك، وهم بالطبع لا يقبلون بغير فلسطين بديلًا.
ولنقرأ ما يقوله
شمعون بيريز في مقالة له بعنوان يوم قريب ويوم بعيد في مجلة الأزمنة الحديثة العدد
٢٥٣: «... في الأردن أراض واسعة مازالت بورًا، يمكن الاستفادة منها، وبوسع الملك
حسين أن يحكم بلدًا أكثر سكانًا، ويستوعب اللاجئين الفلسطينيين داخل مملكته».
هذا هو بيريز
«المعتدل» وهذه هي نظرته لحل المشكلة الفلسطينية، فهل تراها تختلف عن نظرة شامير
وشارون الذي يطالب بإقامة دولة فلسطينية في شرق الأردن؟ النتيجة واحدة، وهي إبعاد
الفلسطينيين عن فلسطين. وسواء كانت السلطة لهم أم السلطة لغيرهم أم السلطة مشتركة،
فالمهم أن تحل مشكلتهم مؤقتًا بعيدًا عن أرض فلسطين، ونقول مؤقتًا؛ لأن حدود «أرض
إسرائيل» لم تتحدد بعد فيما يسمى اليوم «بدولة إسرائيل» ولكنها محددة في أذهان
قادة اليهود ووثائقهم أنها من النيل إلى الفرات، وحين يتم استيعاب كل فلسطين بلا
فلسطينيين تكون القفزة الثانية لاحتلال شرق الأردن وهكذا.
ولعل هذه
المخاوف هي التي تدفع بعض قادة العرب إلى السعي للصلح معهم بضمانة أمريكية أو
بضمانة دولية؛ حتى يأمنوا شر احتلال اليهود لأرضهم أو على الأقل شر تسليم السلطة
للفلسطينيين بدلًا منهم.
وزار مورفي
دمشق، وقامت دمشق بدورها على أكمل وجه، فهاجمت مخيمات الفلسطينيين باسم
الفلسطينيين، وطردت عرفات باسم الخلاص من نهج الاستسلام. ولجأ عرفات إلى الأردن
فحضر مورفي إلى عمان وقال للأردنيين ما قال، فشعر الفلسطينيون بالخطر، واجتمعوا في
بغداد لتدارك الأمر، وخرجوا بصيغة لحل مشكلة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك يقبل
بها الأردنيون، ولكن الأمريكان لم يقبلوها، وغضبت الإدارة الأردنية، واقتنعت بعدم
جدية الإدارة الأمريكية.
وهنا جاء دور
بريطانيا «لتكمل المشوار»، فوافقت على استقبال الوفد المشترك شريطة أن يوقع على
وثيقة الاعتراف بحق «إسرائيل» في الوجود، ونبذ «العنف»، وتظاهرت تاتشر في
اجتماعاتها مع الجانب الأردني بأنها مستاءة من الموقف الأمريكي، وأخذت تشكو من
التعنت الأمريكي، ثم قالت: كنت أود من أمريكا لقاء الوفد الأردني - الفلسطيني
المشترك.. ولذلك قررت استقبال الوفد، وسأقوم بدوري في تحقيق السلام وأنا «أمون»
على أمريكا ثم طلبت من الجانب الفلسطيني في الوفد المشترك الإعلان عن حق «إسرائيل»
في الوجود، وعن نبذ العنف مقابل اجتماعها معهم. فقالوا: كيف نعلن عن ذلك قبل
الاجتماع؟ قالت: أنا أعلن أنكم توافقون على ذلك، وسيستقبلكم وزير الخارجية على هذا
الأساس.
ولقد كانت قيادة
المنظمة تعتبر الاجتماع مع الأمريكيين أو حتى مع البريطانيين هدفًا في حد ذاته بغض
النظر عن الاتفاق أو عدم الاتفاق على اعتبار أن الاجتماع في حد ذاته اعتراف مبدئي
بمنظمة التحرير.
ولقد كان
الأمريكيون والبريطانيون يريدون أن يجعلوا من موضوع الاجتماع وسيلة لانتزاع اعتراف
الفلسطينيين بإسرائيل وإدانتهم لأنفسهم باعتبار أن الكفاح الفلسطيني المسلح عمل
إرهابي.
وذهب الوفد
المشترك الى لندن وعلى رأي المثل الفلسطيني «قال: متخبيلك، قال: شايفك» طرح وزير
الخارجية البريطاني أمام الوفد المشترك وثيقة الاعتراف «بإسرائيل» ونبذ العنف،
وطلب من الفلسطينيين أن يوقعوا عليها قبل الاجتماع، فرفض الفلسطينيون ذلك باعتبار
أن التوقيع يكون بعد الاجتماع وليس قبله، فرفض الوزير البريطاني الاجتماع.
ولما كان الجانب
الأردني في الوفد يعترف بالقرارين ۲٤٢
و۲۳۸ فلم يجد في الوثيقة المطلوب التوقيع عليها
شيئًا جديدًا، فقد اجتمع بهم جيفري هاو لمدة نصف ساعة قيل: إنها اجتماع مجاملة.
والفلسطينيون
الذين طردوا من سوريا ولبنان وضربوا على رأسهم في تونس لا يريدون أن يفقدوا موقعهم
الأخير في الأردن، سيما وأنهم استطاعوا عبر تواجدهم في الأردن الاتصال بالأهل في
الأرض المحتلة وتصعيد الكفاح المسلح ضد المحتل الصهيوني إلى درجة مؤثرة ومزعجة،
ولقد أدرك هذه الحقيقة قادة الصهاينة حين أعلن حاييم بارليف أن ٥٠٪ من عمليات
المقاومة في الأرض المحتلة يقوم بها عرفات ورجاله و50٪تقوم بها فئات محلية ليس لها
ارتباط بالقيادة الفلسطينية.
ومعنى ذلك أن
اقتلاع منظمة التحرير من الأردن بإحداث الخلاف بينها وبين الإدارة الأردنية أمر
ضروري، وإذا كانت القيادة الفلسطينية قد أفلتت من الاغتيال في تونس رغم الخسائر
الفادحة في الأفراد والكوادر العسكرية، فالمطلوب الآن طردها من عمان باعتبارها
عقبة في طريق السلام؛ ليتسنى بعد ذلك تحقيق السلام مع الأردن دون منظمة التحرير.
ولقد تبرع أبو
موسى باستدعاء رجال عرفات من تونس إلى دمشق «حيث الأمان من الغارات الإسرائيلية»!
كما تبرعت دمشق بالعثور على جثة على شاطئ طرطوس ربما تكون جثة اليهودي المقعد الذي
مات من الخوف حين استولى الفدائيون على السفينة الإيطالية، قدموا الجثة إلى أمريكا
لعلها تجد فيها دليلًا على إدانة ياسر عرفات ومحمد عباس، ثم اعتذرت «لإسرائيل» عن
حادث إطلاق صاروخ من ضابط سوري «صغير» ضد طائرات إسرائيلية حاولت الاقتراب من
الأراضي السورية.
وبعد، فإن قيادة
المنظمة في الوقت الحاضر تحاول الخلاص من المأزق الجديد بما يلي:
تصعيد الكفاح
المسلح في الأرض المحتلة.
تلافي الصدام مع
الأردن.
توثيق العلاقة
مع مصر.
الإصرار على
التمسك بمسيرة السلام والمشاركة فيها.
ونحن بدورنا
نقدم نصيحتنا المتواضعة من منطلق الحرص على قضية فلسطين وشعبها وثورتها فنقول:
آن الأوان
لإعادة النظر في مسيرة السلام برمتها بعد أن تبين أن استدراج المنظمة إلى هذا
الطريق كان المقصود به القضاء عليها، وأن السلام المطلوب هو استسلام لإرادة
«إسرائيل» وإقرار بشرعية وجودها وإسقاط البندقية، وركوب قطار السياسة العربية
الرسمية التي ما قامت ثورة فلسطين أصلًا لو أن هذه السياسة حافظت على فلسطين أو أعادتها
إلى أهلها.
آن الأوان للتركيز أولًا وأخيرًا على تصعيد
الكفاح المسلح في الأرض المحتلة، وتوثيق العلاقة مع الجماهير الإسلامية في ديار
العرب وغير العرب، ورفع راية الجهاد من أجل تحرير فلسطين كامل فلسطين، مهما طال
الزمن وكثرت التضحيات واذكروا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ
الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ
ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا﴾ (النساء:104)