العنوان احتفال الأغنياء ومأتم الفقراء!
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 94
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-يونيو-1998
خمسون عامًا مضت على إعلان اتفاقية الجات التجارية أو النظام التجاري العالمي... لكن هذه الذكرى لم تكن «عيد ميلاد» بهيج كما أرادته الدول الصناعية في الاجتماع الوزاري الثاني لوزراء دول منظمة التجارة الدولية في جنيف في مايو الماضي، لقد كان المؤتمر الذي لم يحظ بتغطية إعلامية واسعة وسط انشغال العالم بقضايا كثيرة، كان نقطة تحول مهمة في مسيرة الراكضين والمجبرين على الركض نحو عالم تجاري حر، بل تحولت المناسبة إلى مأتم بسبب ما تعانيه الدول الفقيرة من مصائب كثيرة باسم الانفتاح، وزاد من هذا الشعور الصدمة المالية في شرق أسيا وهي التي كان يضرب بها المثل على إيجابية سياسة الانفتاح ولكن ما لبثت أن أصبحت مثالاً على أن التحرر المتسارع جدًا قد يفتح الطريق أمام عوامل أخرى لتتسلل إلى الأنظمة المالية فتحطم العملة وتثقل كاهل الشركات والبنوك بالديون.
وخلال المؤتمر حشدت الولايات المتحدة قواها لأشرس حملة تهدف إلى فتح أسواق العالم أمام الشركات الأمريكية دون رغبة في أن تمنح الدول النامية أي عذر أو مهلة للتهرب من تنفيذ الاتفاقيات مادامت قد وقعت بأقلام وزرائها على اتفاقيات منظمة التجارة الدولية التي حلت محل اتفاقية الجات منذ يناير ١٩٩٥م بعد أن دخلت الجات كمراقب مؤقت للتجارة العالمية منذ عام ١٩٤٧م وتسلمت هذا اللواء منظمة التجارة الدولية لتضع هيكل نظام تجاري عالمي يراد له أن يسود خلال القرن القادم بعد جولة مفاوضات دامت سبع سنوات اشتهرت باسم« جولة أوروجواي».
لقد أعلنت تشارلين بارشفسكي ممثلة الولايات المتحدة في نهاية المؤتمر أن بلادها ستسعى لتطبيق استراتيجية ذات وجهين وهما:
1 - أجندة تهدف إلى الدخول إلى أسواق الدول النامية والدول الفقيرة وتسهيل وصول الشركات الكبرى الأمريكية لجميع أسواق العالم.
۲ - البدء بـ «هجوم سحري» للتغلب على كل مشكك أو منتقد أو معارض التيار العولمة أو حتى مجرد معارض لتوجهات هذا التيار وليس منتقدًا لأصل الفكرة.
الرئيس الأمريكي كلينتون دعا بالمناسبة إلى انفتاح أكبر وحركة تحررية أسرع دون أن يظهر تعاطفه مع ما تعانيه الدول الفقيرة والساعية للنمو جراء الآثار السلبية لهذا الانفتاح المتسارع، وفي المقابل تدعي الولايات المتحدة إن المعونات الفنية والتقنية التي ستقدمها لهذه الدول يمكن أن تساعدها على تنفيذ قرارات المنظمة بالرغم مما أصبح واضحًا من أن لهذه القرارات آثارًا سلبية كبيرة على المدى المتوسط والقريب على مصالح الدول النامية، وإن وجدت آثار إيجابية فلن تتحقق إلا على المدى الطويل، وتدعو الدول النامية دون جدوى إلى مراجعة أجزاء من هذه الاتفاقيات ولكن ذلك يبدو غير ممكن مع اندفاع الدول الصناعية نحو تطبيق قرارات المنظمة بأي ثمن.
وفي محاولة منه لتهدئة انتقادات المنظمات غير الحكومية - من دول الشمال - وعد كلينتون بفتح الحوار والتوفيق بين الأهداف التجارية والبيئية وأهداف الحركات العمالية إلى تحرير أسرع في مجال الخدمات والزراعة وإعفاء الخدمات عبر الشبكات الإلكترونية من الجمارك.
كلينتون وبارشفسكي ومعهما مدير عام منظمة التجارة يوناتو روجيرو تهربوا جميعا من الكلام عن الحاجة لمراجعة قوانين المنظمة المجحفة لحقوق الدول الفقيرة.
الانتقادات تتزايد مع تزايد مصاعب تنفيذ اتفاقيات الجات السابقة واتفاقيات المنظمة اللاحقة لكن روجيرو مازال يقول:« إن النظام يسير بصورة جيدة».
ويبدو أن الولايات المتحدة قلقة من الرأي العام المعارض للعولمة الاقتصادية بصورة سريعة، ومن أن ذلك قد يصبح عامل تهديد للنظام التجاري العالمي ولكن بدلًا من فتح ملف القوانين ومراجعتها تصر الدول الغربية (أمريكا) دول الوحدة الأوروبية - ومعهم اليابان إلى حد ما على أن القوانين يجب أن تنفذ وتنفي وجود أي جوانب سلبية بها.
كما أعلنت الولايات المتحدة عزمها على تحقيق شفافية أكبر في خدمات وآليات المنظمة لكن ياترى هل ستنفع هذه الشفافية في إقناع الناقدين للمنظمة والمشككين في أهدافها؟!
لقد بدأت المخاوف من شبح العولمة تتسلل إلى عالم الغرب أيضًا ولم تعد قاصرة على الدول النامية والفقيرة وحدها وبخاصة فيما يتعلق بارتفاع معدلات البطالة والآثار البيئية السيئة لموجة العولمة.
من جانب آخر تبدأ سكرتارية منظمة التجارة الدولية حوارها مع المنظمات غير الحكومية، والتي ستكون من دول الشمال غالبًا. ضمن حملة علاقات عامة للتأثير على الرأي العام العالمي تجاه ما تسعى إليه المنظمة، وهذه الخطة تمهيد المؤتمر عام ١٩٩٩م الوزاري واستجابة لمطالب منظمات غير حكومية أعلنت احتجاجها خلال المؤتمر وبعده وعلى رأسها المنظمات المهتمة بالبيئة.
الحوار المقصود هنا سيزيد من مصالح الجانب الغربي لأنه جاء نتيجة اقتراح أمريكي بإشراك المنظمات غير الحكومية في الحوار وسيكون غالب هذه المنظمات غربيًا بسبب قلة عدد وتأثير المنظمات غير الحكومية من عالم الجنوب القادرة على المشاركة.
وكانت المنظمة قد بدأت بترتيب مفاوضات الطاولة المستديرة للدول النامية والأقل نموًا المناقشة الأبعاد السلبية للعولمة بهدف تعجيل استجابة هذه الدول لتنفيذ قرارات واتفاقيات منظمة التجارة.
بالرغم من أن دول الجنوب مازالت تطالب بما كانت تدعو إليه في اجتماع سنغافورة الماضي من مراجعة اتفاقيات جولة أورجواي لكن ذلك لم يتحقق بل يحتمل أن يزيد الوضع سوءًا بتلميح الدول الصناعية بالدخول في مفاوضات حول قضايا جديدة كالزراعة في عام ۱۹۹۹ م والخدمات في عام ٢٠٠٠م حسب الجدول المحدد مسبقًا وهو ما أكدته ممثلة الولايات المتحدة والرئيس كلينتون نفسه، فدول الجنوب ترى أن الاتفاقيات ستحطم إنتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة وتزيد من حدة التنافس غير المتكافئ بين المنتج المحلي والأجنبي، وبالتالي فإن إمكانية النمو ستكون أقل في الدول الفقيرة مع ارتفاع نسبة البطالة وفي المقابل نرى تهرب الدول الصناعية من متابعة تنفيذ اتفاقية المنسوجات التي تمنح الدول النامية فرصة الوصول بسهولة إلى الأسواق في دول الشمال، ومما زاد ضبابية الصورة أمام الدول النامية كلمة الرئيس كلينتون التي دعت إلى مفاوضات حول قضايا جديدة مع إهمال مطالب الدول النامية وهو ما يعني زيادة خطر انهيار الشركات والبنوك المحلية وتوقف أعمال الفلاحين الفقراء.
الدول الصناعية اقترحت في المقابل تحويل مجموعات عمل قضايا الاستثمارات، السياسات التنافسية، تراخيص الصفقات الحكومية والفساد المالي، إلى مجموعات مفاوضات كاملة ولجان تعد الاتفاقيات جديدة في هذه المجالات تحت اسم جولة الألفية الجديدة، كما ستضم الجولة المقترحة توقيع اتفاقيات حول خدمات شبكة الإنترنت في مجالات فنية وعلمية وبنكية لإعفائها من أي قيود أو جمارك وهي بذلك تخدم مصدري هذه الخدمات من دول الشمال.
كلينتون يتهرب من الكلام عن الحاجة المراجعة قوانين «الجات» المجحفة بحق الدول الفقيرة
وكانت القضايا الجديدة قد طرحت كما هو الحال في كل مرة لإبعاد النقاش حول القضايا القديمة وإقحام الجميع في نقاش جديد كاتفاقية المنتجات الزراعية المقترحة والتي ستجعل الحكومة تعامل الشركة الزراعية الأجنبية المستثمرة في السوق المحلية كالمزارع المحلي البسيط سواء بسواء وكذلك اتفاقية حقوق النشر والتي ستحمي منتجي هذه السلع ولا تأخذ بعين الاعتبار المشترين والمستهلكين للتقنية في دول الجنوب.
أكبر القضايا
أما أكبر القضايا فهي الاتفاقية الدولية للاستثمار والتي تطالب دول التعاون الاقتصادي والتنمية، بتأسيس مجموعة عمل لتجهيزها مع بداية القرن القادم، ويرى منتقدوها أنها تمنح الشركات الأجنبية الحق في اختراق سوق أي دولة والحصول على المعاملة ذاتها التي تحصل عليها أي شركة وطنية وهو ما قد يهدد سياسات التنمية في بعض الدول، وفي المقابل لن يكون بمقدور الشركات الأسيوية أو الإفريقية اختراق أسواق دول الشمال الأسباب عديدة! فما وجه العدالة في هذه الاتفاقية؟... كل هذا دفع الرئيس الكوبي فيدل كاسترو إلى مهاجمة الولايات المتحدة وسياساتها الأحادية، وهاجم دول الشمال التي وصفها بأنها تحاول إخضاع الآخرين بل انتقد كعادته النظام التجاري العالمي الذي وصفه بـ «غير العادل وغير المتوازن».
الاتفاقية الدولية للاستثمار تمنح الشركات الأجنبية الحق في اختراق سوق أي دولة وتهديد سياسات التنمية!
وأضاف كاسترو في كلمته: «وإن الدول النامية فقدت كل ما تملك الآن.. التعرفات الجمركية التي حمت صناعاتها البادئة في الصعود الاتفاقيات حول تجارة السلع منظمات المنتجين السياسات التمييزية. وإلى سياسة تدعم سلعتهم المصدرة المساعدة لنموهم، وتساءل: «كيف يمكن لنا أن نعيش؟ وأي سلع يمكننا تصديرها؟ وأي منتج صناعي سيترك لنا؟ وبغض النظر عن شخصيته واختلافنا معه فقد دعا كاسترو إلى أمر لو اتخذته الدول النامية كخطوة لحماية مصالحها لكان ذلك في صالحها وهو التصويت معًا في المجلس العام من أجل تغيير سياسات المنظمة لتكون هادفة إلى نظام عادل.. لكن ذلك يبدو حلمًا ؟!
يقول سفير إحدى الدول الإفريقية:« ليس هناك سبب يدعونا للاحتفال بالذكرى الخمسين الإعلان تأسيس النظام التجاري العالمي الذي لم يجلب علينا النفع»، وهو محق في كلامه لأن الدول الإفريقية هي أكثر الدول تعرضًا لمشكلة تهميش الدول الفقيرة، وإغراق الأسواق في دولهم بالسلع الأجنبية الرخيصة بعد رفع التعرفات الجمركية.
نقطة أخرى أشار إليها المحللون وهي أن اليات صنع القرار في منظمة التجارة العالمية تسير بصورة غير عادلة، فالاجتماعات الرسمية والوزارية الشهرية والسنوية يحظرها الجميع ويملك الجميع على حد سواء الحق في التصويت مع عدم وجود حق الفيتو لأحد، لكن المفاوضات الحقيقية تتم في إطار مجموعات عمل غير رسمية وبعيدًا عن أعين الكاميرات تحضرها قلة من الدول النامية والفقيرة ويسود في هذه الاجتماعات رأي ممثلي الدول الصناعية مع أنهم يمثلون ٢٠% من عضوية المنظمة، وإذا حضرت دولة نامية هذا الحوار فقد تقع تحت وطأة ضغوط وتهديدات من الدول المانحة للقروض مما يؤدي إلى توقيعها على مطالب الدول الغنية؟.
سبب آخر وراء ضعف دور الدول النامية وهو غياب الشخصيات الدبلوماسية الناجحة في وفود الكثير من هذه الدول ولذا فمن الضروري أن تدعى هيئات بحث مستقلة للقيام ببحوث ودراسات تكون عونًا للوزراء والسفراء خلال حضورهم هذه الاجتماعات لكشف الصورة الحقيقية للواقع وهو دور يمكن أن تقوم به المنظمات غير الحكومية من مراكز بحوث استراتيجية واقتصادية وجامعات وغيرها.
ومازالت المفاوضات في هذا العام لم تنته ففي سبتمبر القادم ستبدأ جولة أخرى حول القضايا الجديدة المذكورة أنفًا وهذا يعني أن على الدول النامية والفقيرة أن تكون على أهبة الاستعداد لمنع توقيع اتفاقيات جديدة تهدد مصالحها ومصالح شعوبها .. وإلا لكان« مأتمًا» اخر ومهزلة أخرى يخرج منها الجميع وقد خضع للضغوط ووقع على تنفيذ الاتفاقية ثم يعود فيشتكي منها بعد فوات الأوان.