; احتجاجات واسعة في مصر بسبب تعديلات قانون الصحافة. | مجلة المجتمع

العنوان احتجاجات واسعة في مصر بسبب تعديلات قانون الصحافة.

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995

مشاهدات 63

نشر في العدد 1153

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 13-يونيو-1995

مصطفى أمين يقول: القانون الجديد ضدّ الحرية وضد الدستور وضد الشعب المصري كله.

القاهرة: بدر محمد بدر.«ليس هذا قانونًا، ولكنه رصاصة أطلقتها الحكومة على رأسها دون قصد وبلا سبب، وفي توقيت غير مناسب...» هكذا لخّص الكاتب الصحفي كامل زهيري - نقيب الصحفيين الأسبق - الورطة التي أوقعت فيها الحكومة نفسها عندما دفعت بالتعديلات الجديدة المباغتة لتشديد العقوبات على جرائم النشر وحرية الرأى وإلغاء الامتياز الممنوح للصحفيين بعدم جواز الحبس الاحتياطي؛ حيث تم تمرير هذه التعديلات في ساعات معدودة في آخر جلسة من جلسات مجلس الشعب يوم السبت (27/5)؛ ليتم إقرارها والتصديق عليها، ونشرها بالجريدة الرسمية صباح الإثنين (29/5) صبيحة يوم عيد الإعلاميين؛ ولتصبح هذه التعديلات قانونًا من قوانين الدولة، نافذ المفعول، واجب التطبيق، مهما كانت ردود الأفعال الرافضة له، سواء في أوساط القيادات السياسية والحزبية والنقابية أو داخل قطاع من أهمّ قطاعات المجتمع تأثيرًا، وهو قطاع الكتاب والصحفيين وأصحاب الفكر والرأي.

ومنذ صدور هذه التعديلات وجموع الصحفيين تعيش ثورة غضب عارمة، سواء العاملون في الصحف القومية أو الحزبية، وفي مؤتمر شارك فيه قرابة الألفين من الصحفيين من مختلف الصحف والاتجاهات السياسية عقد يوم الخميس (1/6) ورأسه جلال عيسى - وكيل نقابة الصحفيين - حيث أكد في بداية المؤتمر أن أي شخص يوافق على قانون تقييد حرية الصحافة ليس صحفيًّا بأية حال من الأحوال، ونحن ندين كل من أيد القانون.

 وقال علي هاشم - سكرتير النقابة : «ولقد انتصرت الصحافة في كل معركة، وسوف تنتصر في هذه المعركة، وأنا لا أعرف لماذا تتعرض الصحافة في بلادنا لكل هذه النكبات على الرغم من دورها الناصع؟ وأعرب علي هاشم عن دهشته لتصريحات المسؤولين بأن التعديلات لن تمس حرية الصحافة، وهي في الحقيقة اغتيال للمجتمع كله؛ لأن الصحافة هي مرآة للمجتمع وإنني أؤكد أن الصحافة ستخرج من كل أزمة أقوى مما كانت عليه».

سوء نية.

وقال مجدي مهنا - أمين صندوق نقابة الصحفيين: «كانت مطالبنا للرئيس مبارك في عيد الإعلاميين عادلة ومعقولة، عندما طالبنا بإعادة هذا القانون إلى مجلس الشعب وتبادل الرأي بين الجهات المعنية به حتى تحقق في النهاية المصلحة العامة مع الحفاظ على حرية الصحافة وحماية الصحفي، وقال محمد عبد القدوس - وكيل النقابة-: إنني أتساءل: لماذا هذا الغيظ الذي يبديه المسؤولون من حصانة الصحفي على الرغم من وجود حصانات كثيرة لأعضاء مجلسي الشعب والشورى والقضاة وغيرهم ، ولاشك في أن صدور هذا القانون بهذه السرعة دليل على سوء النية، وتلا رجائي الميرغني- عضو مجلس النقابة - برقية نقابتي الصحفيين والمحررين اللبنانيين تضامنًا مع نقابة الصحفيين المصرية ضد التعديلات الأخيرة.

وقالت أمينة شفيق - عضو المجلس - من المؤسف أن يصدر القانون رقم ٩٣ لسنة ٩٥م؛ ليحد من حرية الفكر في وقت تمرُّ فيه البلاد بأزمة شاملة، وتحتاج إلى كل فكر واجتهاد وإبداع يتطلب مناخًا عامًا من الحريات العامة. وهذا القانون يطلب من كل صحفي أن يكتب ما تفكر فيه الحكومة، وذلك خطأ جسيم؛ لأننا يجب أولا أن نفكر ونكتب عن الشعب المطحون الذي يعاني أزمات حقيقية.

وقال صلاح عبد المقصود - أمين الصندوق المساعد- : إن هذا القانون حلقة جديدة في ترسانة القوانين المقيدة للحريات، وواجبنا أن نواجه هذه الترسانة المشبوهة ونطالب بإلغاء قوانينها، وفي مقدمتها قانون الطوارئ وقانون سلطة الصحافة، وقانون الأحزاب السياسية وقانون النقابات المهنية، وأخيًرا تلك التعديلات التي تمثل عدوانًا صارخًا على حرية الصحافة..

وقال حسين عبد الرازق - رئيس تحرير- مجلة اليسار : إن هذا القانون صدر للقضاء على حرية الصحافة وانتهاك الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما أكثر هذه القوانين في بلادنا! ومن الغريب أن هناك ١٣ مادة في قانون العقوبات كان المؤتمر الثاني للصحفيين قد طالب بإلغائها، فإذا بهذا القانون يغلظ العقوبات الواردة فيها! وقال إحسان بكر - نائب رئيس تحرير الأهرام - في المؤتمر، هذا الجمع غير المسبوق من الصحفيين هو رسالة مباشرة إلى المسؤولين بأن جميع الصحفيين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يدينون هذا القانون المشبوه، وعازمون على إسقاطه، وأقول لهؤلاء المسئولين: إن كنتم حريصين على السلام الاجتماعي وأمن مصر، فأجدر بكم أن تسحبوا هذا القانون اللقيط!

وقال كامل زهيري - نقيب الصحفيين الأسبق -: إن ما حدث عبث بسمعة مصر قبل أن يكون عبثًا بقانون النقابة، إنهم يستخدمون سلاح الدببة في مواجهة الفكر والرأي، ونحن نؤمن بسلطان الكلمة في مواجهة كلمة السلطان، وقد كان تاريخ الصحفيين ـ ولا يزال ـ مضيئًا بأسماء مناضلين ـ أمثال عبد الله النديم وغيره ـ من الذين سجلوا انتصارات في معارك حرية الصحافة، وقال زهيري: إن الخطر كل الخطر أن نستسلم لهذا التآمر على حرية الصحافة، ونحن لا ندافع عنها فقط ولا عن النقابة، ولكن ندافع عن مستقبل مصر كلها؛ لأنها هي المهددة، وإن لدينا تراثًا ديمقراطيًا لن نفرط فيه، وعلى الحكام أن يتعظوا من أحداث التاريخ، فلا توجد دولة تأخذ بالحبس الاحتياطي في جرائم النشر، كما أصبحت حرية الصحافة من البديهيات في فرنسا ودون نص مكتوب يتضمنها.

المؤتمر الذي استمر لمدة ست ساعات تقريبًا، وامتلأ بالهتافات الساخنة ضد القانون وتعديلاته وضد المسؤولين صاحبه أيضًا لافتات قماشيَّة عن نقابة المساجين الصحفيين سابقًا، وارتدى عددٌ من أعضاء النقابة زي المسجونين، وحملوا نعشًا رمزيًّا طافوا به حديقة النقابة إمعانًا في إعلان غضبهم من القانون الجديد.

وقبل يومين من الاجتماع التاريخي الحاشد بالنقابة، عقد رؤساء الأحزاب السياسية المعارضة اجتماعا لدراسة الموقف من التضييق على حرية الصحافة، واتخذوا عدة قرارات من بينها؛ إغلاق الصحف الحزبية لمدة يوم احتجاجًا على صدور القانون، وبالفعل توقفت صحف الوفد والأحرار والشعب يوم الجمعة 6/2/1995م،  وكذلك صحيفة الحقيقة يوم السبت3/6، واحتجبت صحيفتا مصر والخضر يوم الأحد (4/6)، وكذلك صحيفة العربي يوم الإثنين (5/6)، واحتجبت صحيفة الأهالي يوم الأربعاء (7/6)، ونظم الصحفيون اعتصامًا شاملًا في مقر النقابة يوم الثلاثاء (٦/٦) امتد من الساعة الثانية عشرة ظهرًا وحتى السادسة مساء، حيث شارك فيه أكثر من ألف وخمسمائة من الصحفيين وعدد كبير من أعضاء النقابات الأخرى المتضامنين مع الصحفيين وفي نفس اليوم «الثلاثاء»، اجتمعت لجنة التنسيق بين النقابات المهنية لدراسة الموقف واتخاذ الخطوات اللازمة لعلاج الأزمة، كما اجتمع ممثلو الأحزاب السياسية ورؤساء تحرير الصحف الحزبية يومي الأربعاء والخميس 7 ، 8/6  لدراسة الموقف أيضًا.

كما دعا إبراهيم نافع - الموجود خارج مصر إلى عقد جمعية عمومية طارئة يوم السبت 10/6؛ لدراسة ما يمكن اتخاذه من خطوات لوقف أو تجميد التعديلات الأخيرة، وقالت مصادر النقابة: إنه من المتوقع مناقشة قرار بدعوة الصحفيين للإضراب العام عن العمل احتجاجًا على الجو الإرهابي الذي يمارسون فيه عملهم.

وقد كلف مجلس نقابة الصحفيين الدكتور محمد حلمي مراد - أستاذ القانون ونائب رئيس حزب العمل - بإعداد ورقة عمل تناقش مدى دستورية هذا القانون، وما يمكن اتخاذه في الجمعية العمومية من مواقف قانونية.

فجأة وبدون مقدمات:

وفي استطلاع سريع لأهم الآراء التي قيلت عن التعديلات الأخيرة يقول د.نعمان جمعة -عميد حقوق القاهرة ونائب رئيس حزب الوفد- إن أخطر ما في القانون هو أنه قد صدر فجأة بغير مقدمات أو حتى مناقشة الصحفيين أصحاب المصلحة، وصدر في غيبة الرأي العام بلا سند أو مبرر.

 الخطورة الثانية أنه قرر إلغاء نص المادة ١٣٥ من قانون الإجراءات الجنائية، وبهذا ألغى الضمانات الأساسية للعمل الصحفي وفرض الحبس الاحتياطي التي كانت تشبه الحصانة البرلمانية؛ ذلك لأنَّ طبيعة عمله هي النقد والمناقشة وطرح الموضوع حتى لو لم تكن هناك أدلة وحق الرأي العام أن يرد عليه هذا بجانب خطورة أخرى وهي الحبس الاحتياطي.

ويقول سيف الإسلام البنا - أمين عام نقابة المحامين - إن القانون الجديد مخالف الميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والدستور المصري، ويحدث شرخًا في الجبهة الداخلية، ولا یراد به سوى حجب الأحزاب وتكميم الأفواه وحماية الفساد والمفسدين.

ويقول مصطفى أمين: هذا قانون ضد الحرية، وضد الدستور، وضد الشعب المصري كله، وهو لا يقيد الصحافة فقط، بل يقطع لسانها ويكمم أفواهها، ويشل حركتها، ويحول الصحفيين إلى موظفين مؤدبين طائعين خاضعين لا عمل لهم إلا الهتاف بحياة الوزراء.

ويقول سعيد سنبل: إن هذا القانون أساء إلى مصر كلها، ولم أخالف ضميري وأدافع عنه وأنا في مؤتمر في هلسنكي، فقلت: إن هناك قوانين كثيرة تصدر، ولا تطبق تفاديًا للحرج الذي وقعت فيه.

خيبة أمل.

ويقول سلامة أحمد سلامة: إن هذه التعديلات كانت مصدر خيبة أمل للذين ظنوا أنَّنا على أعتاب عصر جديد يستجيب لتطلعات كاد الناس أن يفقدوا أية أمل في تحقيقها، فمن الملاحظ أن الممارسات المنسوبة إلى الديمقراطية في مصر، بدأت تأخذ شكلًا غريبًا غير مألوف لا تجد له شبيهًا في أية دولة ديمقراطية عريقة أو محدثة، فالقوانين يجرى بحثها في غرف مغلقة وتحاط بالسرية القامة، ويتم إقرارها والتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية تحت جنح الظلام، ثم بعد ذلك يبدأ المشرِّعون والنواب يتحدثون عنها وتبرير أسباب صدورها، ومحاولة إقناع الناس بأنَّها في مصلحتهم فلا يصدقهم أحد!.

ماذا يمكن أن يحدث بعد كل هذه الأزمة وردود الفعل الغاضبة؟ هل يمكن أن تستجيب السلطة وتتراجع وتلغي هذا القانون؟ أم تجمد التنفيذ إلى حين؟ أم تستمر في موقفها دون الالتفات لأية معارضات؟!

 سألت أحد كبار الخبراء في مجال السياسة والقانون فقال: الحل الأول مستحيل؛ لأن الحكومة تعتبر التراجع هو إهدار لسيادتها وكرامتها، وانتقاص لهيبتها، والحل الأخير يزيد الأزمة تصاعدًا، خصوصًا والضغوط تتزايد بشكل طبيعي خلال الفترة القادمة حيث تجرى الانتخابات البرلمانية، والحل الذي أتوقعه أن تحاول الحكومة امتصاص ردود الفعل مؤقتًا عن طريق التأكيد - كالعادة - بأن هذا القانون لن يطبَّقَ إلا في أضيق الحدود، وبالتالي لن تتأثر حرية الصحافة، حتى إذا هدأت ردود الأفعال بعد فترة، وهى ستهدأُ بلا شك، بدأت الحكومة في تطبيق القانون الجديد، خصوصًا ضد بعض الشخصيات والأقلام المعارضة الساخنة، وعندها ستصبح معارضة القانون أمرًا مستحيلًا.. وتكون الحكومة قد حققت ما تصبو إليه تمامًا، مثلما فعلت مع تعديلات قانون العقوبات التي تم إقرارها في يوليو عام ۱۹۹۲م، بديلًا عن «قانون الإرهاب » ، فلم يتم تطبيق هذه التعديلات إلا هذا العام دون أن يتحرك أحد!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل