العنوان فتاوى المجتمع العدد 1143
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1143
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 28-مارس-1995
احتجاب
المرأة من المرأة
السؤال:
امرأة عندها خادمتان واحدة مسلمة، والثانية غير مسلمة، فهل يجوز أن تنزع حجابها
وتلبس القصير وغيره من الملابس المعتاد لبسها في البيت؟ أم أن هذا يجوز للمسلمة
ولا يجوز لغير المسلمة؟
الجواب: اتفق الفقهاء
على أن عورة المرأة المسلمة أمام المرأة المسلمة هي ما بين السرة والركبة، وعلى
هذا يجوز أن تنكشف فيما ذكر بالنسبة للخادمة المسلمة على ألا تكون هذه الخادمة ممن
تنقل أوصافها وأخبارها للرجال.
أما بالنسبة للخادمة
غير المسلمة فإن جمهور الفقهاء -عدا الحنفية- يعاملونها معاملة الرجل الأجنبي
بالنسبة للمسلمة، فلا يجوز عندهم أن تنظر إلى شيء من بدنها، عدا الوجه والكفين،
على الخلاف المعروف في أنهما من العورة أو ليسا من العورة.
ودليل أن غير المسلمة
بالنسبة للمسلمة كالرجل الأجنبي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (النور: 31)، فالآية
الكريمة حصرت من يجوز أن يطلع على عورة المرأة المسلمة، ونصت على «نسائهن» والمراد
النساء المسلمات، فلو جاز نظر المرأة الكافرة لَما بقي للتخصيص فائدة، وذهب
الحنابلة وقولهم أقوى دليلًا من الجمهور -وهو الراجح والله أعلم- إلى أنه لا فرق
بين نظر المسلمة إلى المسلمة أو غير المسلمة، قال الإمام أحمد: ذهب بعض الناس إلى
أنها لا تضع خمارها عند اليهودية والنصرانية، وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر إلى
الفرج ولا تقبلها -أي لا تكون قابلة لها- حين تلد.
وقد استدل الحنابلة
لذلك بأدلة منها: أن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء
النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكنَّ يحتجبن، ولا أُمرن بحجاب، وقد قالت عائشة رضي
الله عنها: جاءت يهودية تسألها، فقالت: أعاذكِ الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول
الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث. وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها
«قدمت علي أمي وهي راغبة -يعني عن الإسلام- فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
أصلها، قال: «نعم»، واحتجوا أيضًا بأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين
المسلمة والذمية، وهو وجود الشهوة والفتنة، فوجب ألا يثبت الحجب بين المسلمة وغير
المسلمة قياسًا للمسلم على الذمي، وقالوا أيضًا إن الحجاب إنما يجب بنص أو قياس،
ولم يوجد واحد منهما، وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (النور:31) فيحتمل أن
يكون المراد جملة النساء لا تخصيص النساء المسلمات.
ثياب
المرأة وزينتها المباحة
السؤال:
نلاحظ أن النساء وخاصة الفتيات يلبسن في أيام العيد ملابس ملفتة للنظر، ويعملن
الزينة في الوجه ويضعن الروائح، فهل هذا جائز؟ وما حدود الجواز؟
الجواب: لا يختلف يوم
العيد عن غيره بالنسبة للباس المرأة فلا يجوز لها أن تظهر أمام الأجانب بغير
اللباس الشرعي الذي يستر ما عدا الوجه والكفين، ولا تتطيب بما تفوح رائحته، وتمر
على الرجال أو تجلس بمجالسهم، ولو كانت مجالس علم أو عبادة.
والذي ينبغي أن تفعله
الفتيات في يوم العيد هو لبس ملابس الزينة التي يرغبنها، وسترها بعد ذلك بالعباءة
بحيث لا يرى من هذه الثياب شيء وتنزعها بعد ذلك في زياراتها لأهلها أو صديقاتها،
وأما الروائح وزينة الوجه أو المكياج فلا تظهر به كذلك أمام الأجانب، ولها أن تضعه
في بيتها لاستقبال أهلها وصديقاتها ومحارمها.
دفع
الزكاة إلى الجهات العاملة لإقامة شرع الله
السؤال:
هل يجوز دفع الزكاة إلى حزب أو جماعة أو جمعية إسلامية في بلدان لا تقيم شرع الله؟
علما بأن هدف هذه الأحزاب أو الجماعات أو الجمعيات إقامة حكم الشريعة الإسلامية
والدعوة إلى الإسلام، وذلك بطرق ديمقراطية وتحتاج للوصول إلى أهدافها إلى مصروفات
كثيرة تعمل دعايات وندوات وكتيبات لغرض الانتخابات وهذا كله يتطلب مبالغ كبيرة،
فهل يجوز دفع الزكاة لها لهذا الغرض؟
الجواب: بيَّن الله
تبارك وتعالى الأصناف التي تستحق الزكاة وحصرها -عز وجل- في ثمانية أصناف وهي
الواردة في قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ
وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60) وفي تفسير قوله تعالى ﴿وَفِي سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ ذهب كثير من الفقهاء إلى أن المراد به الجهاد والغزو في سبيل الله، وذهب
آخرون إلى أن في سبيل الله يشمل كل طريق موصل إلى مرضاة الله عز وجل.
ونميل إلى القول
الثاني وهو التوسيع في معنى في سبيل الله في حدود النصرة ونشر الدعوة الإسلامية
وإعلان كلمة الله وهذا الذي يسنده الدليل القوي، فإن لفظ في سبيل الله عام يشمل
الجهاد بالسلاح لمحاربة الأعداء، وهذا أخص وأهم من غيره، كما يشمل كل ما كان فيه
مرضاة الله عز وجل؛ لأن اللفظ عام ولم يرد دليل يخصصه في الجهاد فحسب، فيبقى على
عمومه فيشمل سائر مصالح المسلمين، وبخاصة ما فيه نصرتهم ونشر الدعوة الإسلامية
والجهاد الذي عناه الفقهاء قديمًا، هو الجهاد في ظل الدولة الإسلامية دولة خلافة
المسلمين، فتدفع الزكاة في أخص وأهم القضايا وهي تقوية جيش الدولة، ونشر الدعوة
والجهاد ماضيان إلى يوم الدين.
ومما لا شك فيه اليوم
أن استئناف الحياة الإسلامية لإقامة الدولة مطلب عظيم وواجب في عنق كل قادر على
عمل شيء بقدر استطاعته، فالمقصود الأول لمعنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اليوم هو
دعم كل جهد يكون سبيلًا لدفع الكفر ونظمه، ولقيام الدولة الإسلامية.
وهذه الأحزاب
والجماعات والجمعيات الإسلامية التي تروم استئناف الحياة الإسلامية وإزاحة نظم
الكفر، وإحلال شريعة الله مكانها، يجوز دفع الزكاة إليها، ويكفي أن يغلب على الظن
أنها قادرة على التأثير في تحقيق ذلك ولو تحقيق أمر جزئي يكبر مع الأيام، وتدفع
الزكاة حينئذ لكل عمل يكون وسيلة لتحقيق الغاية المذكورة، لأن الوسائل تأخذ حكم
الغايات، وما كان مقدمة لواجب كان واجبًا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، على
أن تكون الوسائل مشروعة، فإذا كان القائمون على هذه الأحزاب والجماعات والجمعيات
أهل ثقة، وكان عملهم منظمًا واتبعوا الوسائل المشروعة دون تبذير تأكد إعطاؤهم من
الزكاة سواء أكانت وسائلهم تربوية، أو ثقافية، أو إعلامية، أو دعائية انتخابية أو
سياسية، ويتأكد دعمهم خاصة إذا لم تقم الحكومات بدعمهم وتقوية شوكتهم، أو كان خصم
الإسلام يدعم غيرهم ويعرقل سيرهم.
رؤية
النساء للرجال في التلفاز
السؤال:
هل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال في التلفزيون في التمثيليات والمسرحيات؟
الجواب: إذا أمنت
الفتنة فيجوز لها أن تنظر إلى الرجال فيما عدا ما بين السرة والركبة، ومستند ذلك
حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا
أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» البخاري (9/236) ومسلم (2/609٢) وبهذا قال
الحنفية والحنابلة، وقيده المالكية بالوجه والأطراف عند أمن الفتنة.
وأما مستند من قال:
إنه لا يجوز لها النظر مطلقًا ولو لم يكن عورة فحديث مختلف في صحته، وهو ما روى عن
أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة،
فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال صلى الله عليه وسلم: احتجبا
منه. فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه» (أخرجه أبو داود 4/361) وقال عنه ابن
حجر في فتح الباري (11/550) حديث مختلف في صحته).
كشف
الركبة والفخذ في النشاط الرياضي للرجال
السؤال:
هل يجوز للشباب أن يكشف عن ركبته في النشاط الرياضي داخل المدرسة أو خارجها، أو أن
الركبة تعتبر عورة فيجب سترها وتغطيتها؟
الجواب: لعل الراجح
من كلام الفقهاء في هذا أن الركبة ليست من العورة، وهذا ما ذهب إليه الشافعية
والحنابلة، وإنما العورة هي ما بين السرة إلى الركبة، والركبة غير داخلة، لكن
الفخذ داخلة، ومستند ذلك ما روى عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: «قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ما فوق الركبتين من العورة» (التلخيص 1/279) لابن حجر
وقال ضعيف الإسناد).
والحنفية والمشهور عن
المالكية أن الركبة من العورة ومستندهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «الركبة من العورة» الدار قطني ( 1/213 وهو ضعيف) وتكون الفخذ من العورة من
باب أولى ولعل الدليل الأقوى يسند قول من قال: إن الركبة والفخذ ليستا من العورة
وهو خلاف المشهور عند المالكية والرأي الآخر عند الحنابلة، ومستندهم ما رواه أنس
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «حسر يوم خيبر الإزار عن فخذه حتى أني
لأنظر إلى بياض فخذه عليه الصلاة والسلام» (مسلم 2/1044) وبما ورد أن النبي صلى
الله عليه وسلم كشف فخذه فدخل عليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهو على ذلك، فلما
دخل عثمان رضي الله عنه سترها وقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (مسلم
4/1866).
التصدر
للفتوى بغير علم إثم
السؤال:
ما قولكم في بعض الشباب من طلبة العلم الشرعي الذين لا يُسألون عن شيء إلا أجابوا؟
وإذا سألنا أهل العلم أجابوا بجواب آخر وتبين خطأ اجتهاد الشباب، فهل على هؤلاء
الشباب إثم؟
الجواب: ينبغي على من
يتصدر للإفتاء أن يكون مبدأه قول: «لا أدري» حتى يدري، وكان الإمام مالك رحمه الله
يقول في أغلب ما يسأل عنه: لا أدري وسئل مرة مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها
مسألة خفيفة سهلة. فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله عز وجل:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل :5) وكان مالك يقول أيضًا:
«ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، وقد قرر الفقهاء أن من أفتى الناس وليس
بأهل للفتوى فهو آثم عاصٍ، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم.
قال ابن درید:
ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
وفي الصحيحين: «إن
الله لا يقبض العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا
لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» وقال
الإمام أحمد: من عرَّض نفسه للفتوى فقد عرضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تُلجئ
الضرورة، وقال بعض أهل العلم: تعلم لا أدري؛ فإنك إن قلت: لا أدري علموك حتى تدري
وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري.
وقال عتبة بن مسلم:
صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأل فيقول: لا أدري، وسئل
الشافعي عن مسألة فسكت، فقيل له: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في
الجواب. (إعلام الموقعين: 4/217)، فالحذر من الفتوى والتسرع فيها فإنها قد تهوي
بصاحبها وتودي به إلى المهالك، وله في قول «لا أدري» منجاة.
والله المستعان.