; اتفاق «غزة- أريحا» - كنتونات يحكمها بوليس في ٢٪ من مساحة فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان اتفاق «غزة- أريحا» - كنتونات يحكمها بوليس في ٢٪ من مساحة فلسطين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1993

مشاهدات 66

نشر في العدد 1067

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 21-سبتمبر-1993

إن ما يسمى بالانسحاب من غزة وأريحا وإعادة الانتشار في مناطق الضفة الغربية ما هو إلا إعادة توزيع للقوات على أرض القطاع وأريحا وداخل المدن والقرى الفلسطينية في الضفة وحول المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة، مع إبقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.

وهذا ليس انسحابًا نهائيًا لا رجعة عنه؛ فالاتفاق هو بين دولة ذات سيادة ومجموعة فلسطينية خاضعة للسيادة الإسرائيلية وليست بين دولتين أو حتى كيانين مستقلين، وبالتالي فلم تعط إسرائيل شيئًا لا تستطيع بمقتضى القانون الدولي أن تأخذه ثانية في أي وقت تراه في مصلحتها.

إن يوسي بيلين قال لصحيفة لوس أنجلوس تايمز في 2/9/93: «إن الاتفاق مشروط بقدرة السلطة الفلسطينية الذاتية على حفظ النظام». ولا يوجد تعريف واضح في الاتفاق لمعنى النظام؛ لذلك ستقوم إسرائيل بفرض تفسيرها في الاجتماعات المغلقة في أي لحظة تفسرها بأنها خطورة أمنية.

فمن الكذب والخداع القول بأن الاتفاق قد حرر غزة وأريحا؛ إن التحرير يكون بإرجاع الأرض لسلطة مستقلة وليست سلطة محكومة من قبل نظام الاحتلال الذي سيبقى.

سيحاولون خداع الناس لأن قوات الاحتلال ستبتعد عن المناطق المأهولة للسكان، بينما تبقي إسرائيل بيدها كل أدوات السيطرة على حياة الناس ومصيرهم عبر اللجان المشتركة التي ستكون هي السلطة الحقيقية والتي يحكمها ضباط إسرائيليون.

إن إعادة توزيع القوات لن يشمل القدس فسوف تظل تمامًا بيد إسرائيل، كما أن الوجود الصهيوني سيظل مثلاً في مناطق الحكم الذاتي -في الضفة خصوصًا- بالمستوطنات والجنود الذين سيحمونهم ويؤمنون لهم فرص التطور، بينما ينحصر الفلسطينيون في المناطق التي يسكنونها. والاتفاق لا يمنع حتى إنشاء مستوطنات جديدة، مما يعني أنه حتى لو قام حزب العمل باتباع سياسة عدم إنشاء مستوطنات وجاء الليكود لاحقًا فلا يوجد ما يمنعه من إنشاء مستوطنات ولن يكون قد خالف الاتفاق. إذن إنقاذ الأرض وهي السبب الذي كانوا يبررون به دخولهم المفاوضات لم يتحقق.

جاء الاتفاق ليركز على القضايا الشكلية ويتجنب القضايا الجوهرية أو يرجئها للمفاوضات النهائية التي ستتحكم إسرائيل بها قطعًا، وذلك نظرًا لأنه لا يوجد أي ورقة ضغط بيد سلطة الحكم الذاتي ستدفع إسرائيل باتجاه تقديم تنازلات.

ما الفائدة من هيئات وأشكال تراكيب بدون استقلالية القرار والتوجيه؟ إن إسرائيل ستسعى لإغراء الفلسطينيين بالمال لأجل نسيان هدفهم في التحرر وإقامة الدولة المستقلة، وفي نفس الوقت تترك لهم سلطة شرطة لتحكمهم وتؤدب من يريدون مواصلة مشروع التحرير للأراضي الفلسطينية.

دولة فلسطينية أم كنتونات معزولة

من الناحية العسكرية والسياسية فإن الاتفاقية تقسم الفلسطينيين وتعزلهم عن بعضهم بعضًا.

أولًا: الاتفاق مع قيادة فتح وتسليم السلطة لها وليس لممثلين ينتخبهم السكان سيؤدي لشعور بالتمييز عند من سيبعدون عن السلطة، ولذلك فمن هذه الزاوية قد يفسر الاتفاق تمامًا كما تقول عنه إسرائيل: تحالف بين «أبو عمار وإسرائيل» ضد معارضيه وليس سلامًا تقر فيه القوة المحتلة بظلمها للشعب تحت الاحتلال، وبالتالي تتنازل له عن بعض الحقوق. إذن نوايا إسرائيل ابتداء ليست السلام المبني على الثقة بين المحتل والشعب تحت الاحتلال، بل تقسيم الشعب لإضعاف وحدته، وهذا لا يخفونه بل يصرحون به؛ إذن نواياهم تجاه الفلسطينيين ليست سلمية هدفها العمل من أجل السلام الدائم الشامل بل يتبعون سياسة فرق تسد الاستعمارية.

ثانيًا: أهالي القدس لن يكونوا جزءًا من الحكم الذاتي، ولكن سيسمح لهم بالتصويت لمجلس الحكم الذاتي الذي ليس له صلاحية في حياتهم ومعاشهم، وبالتالي أعطت إسرائيل «فتح» شكلية الارتباط بين السكان في القدس وبقية مناطق الحكم الذاتي.

ثالثًا: القطاع سيظل محاصرًا والحركة منه وإليه ستصعب على الناس لأن إسرائيل ستزيد من الإجراءات الأمنية.

رابعًا: ستعزل أريحا عن بقية الضفة وتضيف معبرًا جديدًا وإجراءات أمنية جديدة.

خامسًا: ستعيد إسرائيل داخل الضفة توزيع قواتها خارج المناطق السكنية، وبالتالي أيضًا تضيف معابر وتعزل مناطق الضفة عن بعضها وتصعب من حركة الناس والبضائع وتزيد الإجراءات الأمنية.

وبالتالي فإن ما يمرر الآن باسم السلام والحكم الذاتي والدولة الفلسطينية الموعودة لا يوجد ما يمنع من تحوله مستقبلًا لكنتونات فلسطينية معزولة عن بعضها، ومع أن البند الثالث من الاتفاق ينص على أن الضفة والقطاع هما وحدة جغرافية واحدة إلا أن هذا إعلان بلا مضمون؛ فالذي سيطبق على الأرض هو بيد إسرائيل، وستستطيع تمرير ما تشاء من إجراءات عزل وفصل للسكان والأراضي تحت بنود حماية المستوطنات وحماية الجنود في مناطق إعادة الانتشار وضمان الأمن ضد الهجمات الإرهابية. ولا يوجد أي صلاحية لسلطات الحكم الذاتي في هذه الأمور لأنها ستكون خاضعة لإسرائيل وحدها لأن الأمن بيدها والسيادة لها والمستوطنات والإسرائيليين وحمايتهم، وكل ذلك حسب اتفاق غزة - أريحا أولًا.

حكومة ذاتية أم أداة قمع؟

يركز الاتفاق على أن بداية العمل ستكون بتأسيس قوة أمن لحفظ النظام، ولأن هذا الاتفاق قد تم بين إسرائيل قيادةً وإحدى الفصائل الفلسطينية فإن النظام الذي سينشأ تحت الاحتلال هو تسلط الفئة المؤيدة لقيادة عرفات التي ستستلم السلطة وتبسط نفوذها على كل نواحي الحياة التي لها علاقة باتصال الفئات السياسية المعارضة للاتفاق بالجمهور، وبعد أن يترتب نظام القوة الجديد تتم انتخابات المجلس ذي الصلاحيات المحدودة، يضمن للنظام الذي استتب قبل الانتخابات تجاهل توجهاته أو تمييعها بالإجراءات والاحتجاج بعدم واقعيتها السياسية. ولو كانت إسرائيل ترغب في سلام مع الشعب الفلسطيني فلماذا تعقد اتفاقًا مع أحد أطرافه ثم تقوم بتسليم السلطة لهذا الطرف؟

إن إسرائيل لم تفعل ذلك فقط، بل وجعلت المهمة الأولى للحكم الذاتي تكوين قوة شرطة لحفظ النظام. إن إسرائيل التي تعاير الجانب العربي بالديمقراطية التي تقوم على أساس حل الخلافات بالطرق السياسية بين أبناء الشعب الواحد، قامت باستغلال حالة الضعف التي يمر بها أبو عمار في زعامته وتحالفت مع منظمته ضد حماس على حد قول حاييم رامون، وزير الصحة الإسرائيلي، ولم تترك الأمر لحركة «فتح» لكي تصل إلى اتفاق مع الأطراف الأخرى في الشارع السياسي الفلسطيني حول تدبير خلافاتهم، بل ربطت تنفيذ «حفظ الأمن» بلجنة مشتركة للأمن المشترك. وبحكم قوتها وأنها ستكون مصدر تمويل السلاح للشرطة فإنها ستعرف كيف توجه الأمن الفلسطيني لصالح رؤيتها السياسية القائلة بأن الأصولية الإسلامية هي عدوّ إسرائيل في هذه الفترة من الزمان، واللجنة الأمنية المشتركة ينص عليها ملحق 2 في البند الثالث.

يقول حاييم رامون: «فلنضع أيدينا بأيدي الأطراف المعتدلة من الفلسطينيين لكي نحارب معًا الأطراف المتشددة».

يا له من زمان! كانت «م. ت. ف» بالأمس مجموعة فئة إرهابية يريدون تحطيم دولة إسرائيل ورميها في البحر، وكان ياسر عرفات هو خليفة هتلر في نظر الصهاينة، واليوم يصبح ياسر عرفات داعية السلام المعتدل، ومنظمة التحرير تصبح المنظمة المعتدلة التي تنشد السلام والوئام في المنطقة.

إن ما يجري لن يخدع الشعب الفلسطيني ولا العربي ولا المسلم؛ فإسرائيل كانت تعتبر عرفات سفاكًا للدماء عندما كان يعتبره شعبه بطلًا بعد معركة الكرامة، واليوم بعد أن أصبح قطاع كبير من الشعب الفلسطيني في الخارج والداخل ينظر لعرفات على أنه دكتاتور يتربع على طغمة فاسدة، أصبح فرس الرهان لإسرائيل لإحداث السلام.

يا له من سلام سيكون على جثث الضعفاء والأبرياء الذين يقفون أمام الدبابة الإسرائيلية هاتفين: أعطني حريتي.

إن إسرائيل ستتأخر إلى الصفوف الخلفية وهي تدفع بعرفات وطغمته لقتل هذه الروح عند الجيل الجديد الثائر الذي عرف طريقه إلى التحرير.

الرابط المختصر :