العنوان اتفاق السلام في طاجيكستان وتحديات المرحلة
الكاتب مطيع الله تائب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 29-يوليو-1997
بدأت رحلة المفاوضات الطاجيكية من موسكو في 5/4/1994م وبعد أكثر من ثلاث سنوات انتهت الرحلة في موسكو كذلك في 27/6/1997م حينما وقع كل من الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمانوف ورئيس اتحاد القوى المعارضة سيد عبدالله نوري على اتفاق نهائي للسلام في هذا البلد الفقير وسط آسيا.
رحلة المفاوضات الشاقة التي بدأت من موسكو مرة بمحطات عديدة منها طهران وإسلام أباد، وكابل وألماتا وبشيك حتى وصلت محطتها الأخيرة في موسكو مرة أخرى، وكان من ثمار هذه المفاوضات أن المعارك توقفت منذ سبعة أشهر، وتم تشكيل لجنة المصالحة الوطنية، وعقدت اللجنة أولى جلساتها في موسكو في السادس من يوليو الجاري وتم تبادل 50 أسيرًا حكوميًا بــ 50 محبوسًا من المعارضة، وبدأت جموع المهاجرين تعود إلى طاجيكستان بعد خمس سنوات من معاناة الهجرة ورغم كل ما تم حتى الآن، فإنه يبدو أن الطريق إلى سلام شامل مازال طويلًا.
ماذا يعني الاتفاق؟
جاء الاتفاق الأخير بين حكومة طاجيكستان والمعارضة بعد 10 جولات من المفاوضات بين وفدي الطرفين و7 لقاءات قمة بين رحمانوف ونوري و3 اجتماعات تخصصية واستشارية بين الطرفين، ووقع الجانبان خلال هذه المرحلة على عدة اتفاقيات وبروتوكولات أهمها اتفاقية وقف إطلاق النار والموافقة على تأسيس لجنة المصالحة الوطنية في «خوست ده» في شمال أفغانستان في ديسمبر 1996م، وكذلك بروتوكول صلاحيات ووظائف لجنة المصالحة الوطنية في الشهر نفسه في موسكو، كما أن توقيع بروتوكول المسائل العسكرية والسياسية وبروتوكول ضمانات إجراء الاتفاقية العامة يعد من أبرز مكاسب هذه المفاوضات.
وتقضي هذه البروتوكولات والاتفاقيات التي تعرف باسم «الاتفاقية العامة لإقرار السلام والمصالحة الوطنية في طاجيكستان» بتأسيس لجنة المصالحة الوطنية ذات التمثيل المساوي من الطرفين والتي يرأسها ممثل المعارضة المتحدة وأن يخصص للمعارضة 30% من المناصب في السلطات التنفيذية و25% من المقاعد في لجنة الانتخابات المركزية، وتقضي الاتفاقية بدمج القوات المسلحة التابعة للمعارضة المتحدة مع القوات الحكومية وحل الوحدات العسكرية المستقلة ونزع سلاحها وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية الحكومية وضمان عودة المهاجرين وإصدار قرار العفو العام ورفع الحظر عن نشاط الأحزاب والحركات السياسية المنضوية تحت المعارضة المتحدة وعن وسائل إعلامها التي تعمل في إطار الدستور والقوانين المعمول بها في طاجكستان وبنود وضمانات الاتفاقية العامة.
وخلال الفترة الانتقالية التي تستمر سنة ونصف السنة حتى إجراء الانتخابات العامة، لا بد من إجراء الأمور التالية:
1- إصلاح الحكومة عن طريق إدخال ممثلي المعارضة المتحدة في تركيبة السلطة التنفيذية بما في ذلك الوزارات والإدارات والسلطات المحلية والسلطات القضائية والأجهزة العسكرية والأمنية وفق النسبة المنصوص عليها في الاتفاقية.
2- إدخال التغييرات اللازمة على الدستور بما يتلاءم والفترة الانتقالية والوضع الجديد وتشكيل لجنة تضع الإجراءات اللازمة للانتخابات العامة المزمع عقدها أواخر عام 1988م وتشرف عليها.
وعمومًا يرمي الاتفاق إلى وقف الحرب الأصلية التي حصدت أرواح أكثر من 100 ألف شخص وشردت مليونًا آخر في خارج البلد، وإيجاد جو من الديمقراطية والحرية تتنافس فيها التيارات المختلفة لتحقيق أهدافها بالأغراض السلمية، هذا على الأقل ما يبدو من الاتفاقيات والمعاهدات وكذلك تصريحات قادة الجانبين وتوقعات الشعب وإن كان دوافع كل طرف والظروف التي حملته على الاتفاق تختلف عن الآخر.
تحديات وعراقيل
الإنجازات والمكاسب التي أحرزها الجانبان في مشروع إعادة السلام لا تمثل سوى 30% من المشروع وتبقى نسبة 70% رهينة كيفية التنفيذ والتغلب على التحديات والعراقيل التي تعترض تطبيق الاتفاق، والعراقيل ليست فقط تلك التي تنشأ من صعوبات مرحلة تنفيذ بنود الاتفاق فحسب، بل نظرًا لمكونات الصراع داخل طاجيكستان وتعدد المجموعات المتصارعة على الحكم والنفوذ على أسس عرقية ومحلية وانتماءات قبلية ومصالح متعارضة وهناك ميليشيات تقع ضمن قوات وزارة الدفاع الطاجيكية غير أن بعضها يتحرك كقوة مستقلة، بل يتمرد على نظام دوشنبه أكثر من مرة، ولا يرجع إلا بعد تحقيق مطالباته، وقد هدد خواي بيرديوف أكثر من مرة بأنه يقاوم وجود المعارضة في النظام ودمج قواتها في وزارة الدفاع، ومحمود الذي يمكن تسميته «بــدوستم» طاجكستان إشارة إلى جنرال الأوزبكي عبد الرشيد دوستم في أفغانستان يتمتع بعلاقات جيدة مع أوزبكستان وعبدالملك عبدالله جانوف رئيس الوزراء السابق الذي يعارض الرئيس رحمانوف حاليًا، ولا شك أن نزع السلام عن مجموعته وتقليص قوته يواجه معارضة شديدة منه قد تصل إلى حد الاشتباكات.
مواقف القوى الداخلية والخارجية من الاتفاق
حاولت المعارضة الطاجيكية كثيرًا أن تشمل المفاوضات قوى وأطرافًا أخرى غير المعارضة و الحكومة حتى تضمن السلام الشامل مستقبلًا في طاجكستان غير أن الحكومة رفضت هذا الأمر، ويشكل رئيس الوزراء السابق عبدالملك عبدالله جانوف القوة الثالثة في البلد، فهو يمثل إلى حد كبير أبناء إقليم خوجيد في الشمال، وكذلك الأقلية الأوزبكية التي تشكل 23% من مجموع سكان البلد البالغ عددهم 6 ملايين نسمة.
فعدم إشراك عبدالله جانوف في ترتيبات المرحلة الانتقالية قد يسبب مشاكل داخلية سيما في شمال البلد وغربها ومشاكل أخرى خارجية نظرًا لارتباطاته الوثيقة مع أوزباكستان وهو ما دفع أوزباكستان إلى الامتناع عن التوقيع على اتفاق السلام الطاجيكي، وهذا يفسر بحد ذاته مدى خطورة المستقبل في حالة عدم ارتياح الرئيس الأوزبكي كريموف عن سير الأوضاع في طاجكستان والمشكلات التي قد يثيرها وأهمها الحصار الاقتصادي، حيث تحيط أوزباكستان بطاجكستان من ثلاثة جوانب تقريبًا، فضلًا عن إثارة ودعم معارضي الاتفاق.
ومع وجود هذه التحديات هناك جملة من المشاكل الأخرى قد يواجهها الاتفاق مثل توطين المهاجرين، وإيجاد فرص العمل الجديدة وإعادة إعمار البلد وأكبر منها إعادة الثقة بين أبناء البلد الواحد والصيغة المناسبة للتعايش السلمي وسط تيارات فكرية وسلوكية وخلافات عرقية ومحلية و مصالح متقاطعة اقتصادية وسياسية وأمنية.
ويبقى التغلب على هذه العراقيل رهينًا بمدى مرونة الأطراف في التعامل مع الواقع وتقديم المصالح القومية على المصالح الشخصية والحزبية وهو الأصل الذي اتفق عليه الجانبان في أول جلسة من جلسات المصالحة في موسكو.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل