العنوان اتفاق السلام السوداني هل يؤثر علي مصر ؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 74
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 35
السبت 24-يناير-2004
اتفاق السلام السوداني هل يؤثر على مصر؟
يجمع محللون سياسيون مصريون على أن سياسة القاهرة تجاه الخرطوم شابها نوع من القصور في السنوات التسع الأخيرة منذ محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس المصري في إثيوبيا عام ۱۹۹٥ وجرى اتهام السودان بالمسؤولية عنها لإيوائها عناصر من جماعة الجهاد المصرية، وتسبب ذلك في ابتعاد مصر عن «توأمها الاستراتيجي» وترك الساحة خالية للأمريكان والأفارقة وحتى النرويجيين والبريطانيين.
هذا الغياب المصري، بدأت القاهرة تدفع ثمنه مؤخرًا عندما اتجهت الخرطوم لأحضان جهات أخرى غير عربية نتيجة تعاظم الضغوط حولها. واضطرت للقبول بمبدأ حق تقرير المصير للجنوب، ثم التفاوض حول اتفاق سلام نهائي أعطى للجنوبيين ما لم يكونوا يحلمون به وكانت بدايته مسألة قسمة الثروة بين الشمال والجنوب ورغم أن القاهرة بدأت تهرول باتجاه السودان مؤخرًا لتلافي غيابها الكبير عن فناء أمنها القومي الخلفي). وعادت العلاقات إلى وضعها الطبيعي خصوصًا بعد انتهاء الملفات الأمنية العالقة بين البلدين - كما أكد وزير الداخلية السوداني خلال زيارته الأخيرة للقاهرة ١٤ يناير - ورغم أن القاهرة لعبت دورًا في تسهيل المفاوضات بين الحكومة وحركة التمرد إلا أن الحضور المصري جاء متأخرًا.
ويبدو أن التحرك المصري العاجل المحاولة لعب دور في إبرام اتفاق السلام النهائي، ولعب دور في لجنة متابعة الاتفاق له صلة بتخوفات القاهرة عمومًا من انفصال جنوب السودان عن شماله، وما قد يترتب على هذا من تأثيرات ضارة بأمن مصر القومي، خصوصًا مسألتي تدفق مياه النيل عبر جنوب السودان رغم أن غالبية مياه مصر (82 %) من مياه النيل الأزرق) لا تمر عبر جنوب السودان، وخطر قيام دولة إفريقية ذات أجندة أجنبية متصلة بالدولة الصهيونية وجهات غربية تعادي مصر.
وبشكل عام يمكن القول إن تأثير اتفاق السلام السوداني على الأمن القومي المصري ومصالح مصر الاستراتيجية ينحصر في المخاوف من تغير هوية السودان عقب الفترة الانتقالية ست سنوات التي سيبدأ العمل بها عقب توقيع الاتفاق بين الطرفين حول تقسيم السلطة بعد اتفاق تقسيم الثروة. الوضع في السودان مرشح لثلاثة تطورات مهمة كل منها في علم الغيب ومرتبط بخيارات الجنوبيين وهي:
1- قيام دولة سودانية اتحادية فيدرالية «عربية إفريقية» وهذا هو الخيار المفضل للعرب ومصر لأنه سيحفظ للسودان وحدته وينهي حالة الحرب المستمرة منذ ٢٠ عامًا. وينطلق به إلى آفاق أرحب في التنمية الاقتصادية ويفتح لمصر بوابة غذاء ورصيد زراعي وحيواني كبير في السودان المستقر.
2- انفصال جنوب السودان وهو أخطر هذه الاحتمالات لأنه يعني نشوء دولة غريبة في المنطقة لها اتصالات مشبوهة مع الكيان الصهيوني وأمريكا وجماعات تنصيرية أوروبية ضخمة، كما أنه يتوقع لهذا الكيان الجنوبي أن يدخل في حروب أهلية داخلية ولا يستقر لأنه منقسم بطبعه بين ثلاث قبائل كبرى «الدينكا- الشلك - النوير»، كما أن به ٤٠ فصيلًا جنوبيًا مختلفا يحملون السلاح، وكل فصيل ذو طابع قبلي وإثني وله مطالب ويعارض الكثير منها حركة جون جارانج، وفي هذه الحالة ستدور حروب بين الدولة الجديدة والدولة السودانية في الشمال، مما يعني تعريض أمن مصر القومي للخطر.
3-قيام دولة سودانية ذات هوية إفريقية. وفي هذا الحالة سيختفي السودان العربي، وتنتفي هويته المميزة ويتحول إلى مجرد دولة إفريقية الهوية لا تربطها بالعرب غير صلة الجوار، مما يعني أن تفقد مصر سندها الإقليمي الجنوبي وأحد عناصر الاستقرار على حدودها الجنوبية.
ولأن الخيار الأول هو الخيار المفضل، فقد سعى السودانيون الشماليون لشرح الأمر لمصر والدول العربية وأهمية أن يلعب العرب دورًا في تعمیر جنوب السودان بعد توقيع الاتفاق النهائي ويحببوا الجنوبيين في خيار الوحدة، وهنا الدور المهم لمصر، لا لأنها تحتضن قرابة ٥٠ ألفًا من السودانيين الجنوبيين على أرضها ولها علاقات مع حركة جارانج وبقية القوى الجنوبية، ولكن لأنها الأقدر على قيادة توجه عربي نحو إنقاذ السودان من خطر الانقسام.
ومن هنا طرحت فكرة إنشاء صناديق عربية لتعمير السودان والتنمية في الجنوب للحفاظ على خيار الوحدة واتقاء خطر الانفصال، لأن الانفصال ليس واردًا فقط من جانب الجنوبيين ولكن أيضًا قد يكون خيار حكومة الشمال التي لو شعرت بخطر ذوبان هوية السودان العربية الإسلامية فسوف تفضل خيار انفصال الجنوبيين للحفاظ على شمال السودان عربيًا إسلاميًا.
خطر الانفصال قائم:
والحقيقة أن عوامل انفصال الجنوب السوداني وفقًا لاتفاق مشاكوس وما جرى التوصل إليه في اتفاق السلام النهائي حتى الآن تبدو الأكثر ترجيحًا مما يزيد من القلق المصري وذلك لعدة أسباب منها:
أن الخرطوم قد تبادر لقبول الانفصال كما سبق القول إذا شعرت بالخطر على هوية الشمال المسلم.
أن الحركة الشعبية تسيطر على مساحات من أراضي جنوب السودان، بل يمتد نفوذها إلى شرق وغرب السودان، كما تدعمها دول الجوار الإفريقى والولايات المتحدة والعديد من المنظمات التنصيرية الأوروبية.
اتفاق مشاكوس واتفاق نيفاشا يكرسان عمليًا الوضع الانفصالي ولا يساعدان - كما هو منصور - على إغراء الجنوبيين بالوحدة لأنه طوال الفترة الانتقالية سيبقى الشمال يحكم بموجب دستور إسلامي وله مؤسسات الحكم الخاصة به وله جيشه «الذي سيسحبه من الجنوب وفق اتفاق نيفاشا الأمني»، وبالمقابل سيحكم الجنوب بدستور علماني وسيكون له جيشه.
ويقول د. إبراهيم نصر الدين أستاذ الدراسات الإفريقية إن انفصال الجنوب يضر بمصر والعرب لأنه لا يعني انتهاء حالة الصراع بين الدولة الجنوبية الإفريقية والدولة الشمالية العربية، وقد يدفع الدول العربية وعلى رأسها مصر إلى مساندة الشمال، ويدفع الدول الإفريقية إلى مساندة الجنوب بشكل يؤدي إلى تدهور العلاقات المصرية مع دول حوض النيل ويقوض أي إمكان للتعاون المائي المشترك.
... وعوامل تجعل الانفصال صعبًا:
ومع هذا يطرح محللون آخرون عوامل يرون أنها تشكل بدورها قيدًا على الانفصال وربما تجعل الجنوب أكثر حرصًا على الوحدة وتشجع الشمال على تحسين شروط الوحدة الصالح الحفاظ على هوية السودان العربية وأهمها:
أن انفصال الجنوب يشجع حركات إفريقية أخرى على الانفصال، فضلًا عن أنه يتعارض مع القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي الذي يرفض انفصال أي جزء إفريقي والحفاظ على الحدود التي ورثتها الدول عند الاستقلال حفاظًا على عدم تمزق أوصال معظم الدول الإفريقية.
أن خيار الانفصال يبدو صعبًا في حد ذاته للجنوبيين لأنه سيشعل نيران حروب أهلية بين قبائل الجنوب الثلاثة المتنافسة ويؤدي المزيد من خراب الجنوب بعكس الوحدة التي تطفئ نيران الخلافات نسبيًا وتطرح مشاركة جنوبية متوازنة في الحكم.
أن هناك تغييرًا في السياسة الأمريكية تجاه السودان من زعزعته وتمزيق أوصاله إلى الحفاظ على وحدته ضمن خطة «القرن الإفريقي الكبير» التي تتضمن رغبة في استغلال موارده النفطية وضمان نفوذ فيه وخلعه من المنظومة العربية، بحيث تضمن أن يلعب الجنوبيون دورًا في تغيير هوية السودان العربية وتحويله إلى هوية إفريقية هلامية بدلًا من فصل الجنوب.
والخلاصة أن هناك نشاطًا مصريًا متزايدًا للعب أدوار مهمة في إنجاز الاتفاق النهائي بحيث يأتي لصالح الشمال نسبيًا، والسعي المزيد من التواصل مع الجنوبيين، ولهذا تزايدت الاتصالات المصرية السودانية واستقبلت القاهرة كلًا من الرئيس السوداني عمر البشير وجون جارانج زعيم متمردي الجنوب وشكلت لجنة عليا من عدد من المسؤولين والخبراء المتابعة الملف السوداني وإبداء الآراء فيه.