العنوان اتحاد أوروبي.. فأين العرب؟
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2004
مشاهدات 68
نشر في العدد 1631
نشر في الصفحة 66
السبت 18-ديسمبر-2004
رغم التغاير القومي والديني والمذهبي، وحتى المصلحي الصرف، توحدت أوروبا، وعلى فترات زمنية متقاربة شهد العالم قيام السوق الأوروبية المشتركة.. والإتحاد الأوروبي.. والعملة الموحدة «اليورو» وأصبح المرء يتجول في تسع من بلدان أوروبا الغربية بجواز سفر واحد، وتأشيرة واحدة، بل ببطاقته الشخصية..
ثم ما لبثت مجموعة الدول الأوروبية الشرقية المنفكة عن هيمنة الإتحاد السوفييتي المنحل، أن أنضافت هي الأخرى إلى شقيقاتها في الجهة الأخرى من أوروبا، وأصبحت القارة في معظم مساحاتها دولة واحدة في العديد من الاعتبارات والمعايير.
ونحن العرب.. على مدى قرن أو يزيد.. لم نستطع أن نوحد شبرين من الأرض.. أو نقيم سوقًا مشتركة.. بل على العكس تمامًا، أصبحنا بمرور الوقت نبحر باتجاه المزيد من التجزئة والتفكك.. وأصبحت الدولة الواحدة مهددة بأن تغدو دويلات شتى، وفق تكوينها الإثني أو الديني أو المذهبي، أو حتى المصلحي الصرف.
وما هو أسوا من هذا كله أن جل التجارب والمحاولات الوحدوية أو الإتحادية، على مدى نصف القرن الأخير، آلت إلى الفشل.. وكأن هناك قوة سحرية أو أسطورية كتبت على العرب الا يتوحدوا أو يتحدوا، رغم توافر كل مقومات الوحدة أو الاتحاد على كل المستويات الجغرافية والاقتصادية والبشرية والتاريخية.. وقبل هذا وذاك الانتماء المشترك إلى العقيدة التي رفعت منذ البدء شعار ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ (الأنبياء:٩٢) وتمكنت عبر عقود من الزمن أن تصبح الأمة الأعلى والأقوى والأكثر امتدادًا والأشد تماسكًا في هذا العالم.
ما الذي جرى لكي يحدث هذا الذي يحدث الآن؟ صحيح أن القوى الإستعمارية العتيقة منذ مؤتمرات لوزان وسايكس بيكو مارست وبقسوة بالغة، تمزيقًا وتفكيكًا للدول العربية المنفكة عن جسد الدولة العثمانية بعد انهيارها في أعقاب الحرب العالمية الأولى.. وصحيح أن القوى الإمبريالية الجديدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، مضت في الاتجاه نفسه بل أضافت عليه المزيد من التجزؤ والتفكيك. وصحيح أن المصلحة الغربية التي هي عقيدة القوم هناك كانت وراء المأساة في الحالتين.. مبطنة ببعد ديني لا يمكن إغفاله.. لكن هذا وحده لا يكفي..
فالذي يصنع الهزائم والانتصارات معًا الشعوب نفسها وقيادات تلك الشعوب.. ولقد صنعت شعوبنا وقياداتنا، عبر نصف القرن الأخير على وجه التحديد ، سوءًا كثيرًا .. وكان لابد أن تجني حصاده المرير: المزيد من القطرية والإقليمية.. والمزيد من التفكيك وتجزئة المتجزئ.. بل المزيد من التقاتل والتناحر والصراع.. ولقد قالها القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء : ۱۲۳) و ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ﴾ (آل عمران : ١٦٥).
فلو أننا أحسنا التعامل مع مقومات العقيدة العظيمة وحيثيات الجغرافيا والتاريخ لما كان هذا الذي كان.. ولسبقنا أوروبا «الموزاييكية» إلى الهدف العزيز.. ولكن ..!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل