العنوان ابتكارات سياسية على الطريقة الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978
مشاهدات 64
نشر في العدد 406
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 01-أغسطس-1978
الأمريكيون يهدفون لكسب الوقت لصالح اليهود وعلى حساب العرب.
واشطن تسعى لإطالة الأمد على القضية.. لتموت في النفوس دوافع الثأر.. وتضيع معالم الحق.
الأمريكيون يعودون من جديد لسياسة المكوك، والحركة على الطريقة الكسنجرية.
لا يستطيع منصف أن ينكر قدرة العقلية الأمريكية على الابتكار والابتداع، في عالم السياسة، وما يذخر به من مشاكل وأزمات.. ابتكار الأسماء والمسميات.. وابتكار الطرق والوسائل.. مع ثبات الهدف والقصد والسعي الحثيث للوصول.. دون أن تضل الطريق أو يفلت منها الزمام.
بعد انتخابه بأسابيع، أعلن الرئيس الأمريكي كارتر في مؤتمر صحفي له، أن مشكلة الشرق الأوسط مشكلة معقدة، بالغة الصعوبة تحتاج إلى سنوات قد تبلغ الثماني لحلها، وأعلن فيما أعلن أن الحدود الآمنة لا تعني الانسحاب إلى حدود سنة 1967..
وقد بات واضحًا منذ سنة 1967 أن السياسة الأمريكية تهدف إلى كسب الوقت لصالح أعداء العرب.. وهو أمر لم يطرأ عليه تغيير منذ حرب سنة 1967 حتى اليوم.. وإن كان العديد من التغييرات والابتكارات قد طرأ على الشكل والمظهر.. أو الأسلوب والسبيل..
1 – فالرئيس الجديد في حاجة إلى دراسة القضية من جديد، والخارجية الأمريكية في حاجة إلى إعادة التقييم.
والإدارة الأمريكية في شغل شاغل عن كل القضايا مع قرب انتهاء فترة الرئاسة والاستعداد الكامل للحملة الانتخابية.. وبذلك تمر سنوات وسنوات، وقضية القضايا، ومشكلة المشاكل.. على الرف..
2 – وأعلنت واشنطن وهي الشريك الأكبر، والممول الأعظم، ومخزن التسليح الإسرائيلي الذي لا ينضب، أنها ليست سوى وسيط في المشكلة ليس من حقه فرض حلول ولا يسمح بفرض حلول من الخارج.. إلا أن هذا الوسيط قد خالف كل عُرف للوساطة، وخرج على كل الأصول، فقد أعلن على الدنيا أنه لامجال للتفكير في إزالة الوجود اليهودي الذي نبت على أرض العرب وبين العرب، لأنه وجود يؤدي دوره، وله رسالته، وأن ضمانات أمنه يجب أن تكفل دوليًا ومحليًا، وأن إمداده بالسلاح والمال يجب ألا يتوقف وأن كفة ميزان المليونين يجب أن ترجح كفة المائة مليون من العرب أو السبعة آلاف مليون من المسلمين!!
بمعنى أن مضمون السياسة الأمريكية واضح غير خفي.. ولكن الحركة الأمريكية تزاول نشاطها تحت شعار الوساطة والتقريب بين الأطراف..
وفي ظل ظروف صعبة يواجهها العرب من بينها فرض حظر على تسليحهم من الغرب والشرق على السواء.. يتضح مدى خطورة الدور الأمريكي ومدى جرم الدور الروسي والأمريكي.
3 – ومضيًا على الطريق من أجل تمييع القضية، وإماتة لشعور العرب والمسلمين بالأسى، وقضاء على دوافع الانتقام والثأر في نفوسهم بإضاعة الوقت وإطالة الأمد، ابتكرت واشنطن سياسة الخطوة خطوة، وسياسة المكوك، وفض الاشتباك، والرحلات الكسنجرية والأثرتونية بين اليهود وعواصم العرب.. لجذب أنظار العرب لتنشغل بها جيئة وذهابًا ولتنصرف عن متابعة ما يجري على أرضها..
فالساسة الأمريكيون في مواقعهم لا يتحركون.. ولكنها سياسة «محلك سر» أو خطوة تنظيم ودع الآخرين يتحركون.. وفق ما ترغب لا كما يرغبون .
4 – وآخر المبتكرات الأمريكية.. ابتكار ورقة الأسئلة وورقة الأجوبة.. واشنطن تسأل، وبيجن يجيب.. وعن أى شيء يسأل الأمريكيون؟ إنهم يسألون عن مستقبل الضفة الغربية بعد خمس سنوات وفق مخطط بيجن، الذي وضعه لابتلاع الضفة تمامًا تحت لافتة الحكم الذاتي.
وكان على العرب أن ينتظروا حتى يفرغ اليهود من الامتحان.. ويسلموا أوراق الإجابة لواشنطن.. وعلى مضمونها تحدد واشنطن السبيل الجديد.
يبدو أن العرب الطيبين قد فاتهم وهم في لهفة انتظار النتيجة أن الأمر على الطريقة الأمريكية لا يعدو -مط الوقت.. وأهم من ذلك وأخطر أنه يعني تسليمًا أمريكيًا- ولكن ذكيًا- بمخطط بيجن.
5 – ومع نتائج الامتحانات أعلنت واشنطن عن عودة مرتقبة للمنطقة، يقوم بها فانس -وزير الخارجية الأمريكي- يتردد خلالها على عواصم الأطراف جيئة وذهابًا على طريقة المكوك.. ومعنى هذا أنه من حيث بدأ الأمريكيون يومًا، يعودون اليوم ليبدأوا من جديد..
6 – وتلوح في الأفق -أفق المسرح- ملامح ابتكار أمريكي جديد.. أن بيجن –رئيس وزراء اليهود- يمثل عقبة في طريق السلام.. وأن الرد الإسرائيلي لم يحز الرضا والقبول من الرئيس الأمريكي وأن رسالة شديدة اللهجة سيحملها موندل في زيارته لـ"إسرائيل" مشاركة في احتفالاتها بثلاثين عامًا على قيامها.. وأن لندن ترى في خلو المسرح من بيجن سبيلًا إلى السلام مؤكدًا..
وليس للأمر من معنى إلا أنها محاولة لتأليف وزارة جديدة.. وربما جرت انتخابات جديدة.. وعلى الوزارة الجديدة أن تتقدم ببرنامج من أجل الثقة وقبل أن تتقدم بالدفاع لابد لها من الدراسة.. وبعد الدراسة يتضح أن عزرا وايزمان أو غير وايزمان ليس إلا نسخة من بيجن.. كما أن بيجن ليس إلا نسخة من بن غوريون أو جولدا مائير.. فكل اليهود يهود قبل أي شيء آخر..
والمشاوارت التي تحاول أمريكا إجراءها اليوم أيضًا ليست إلا حلقة في سلسلة طويلة تهدف إلى الدوران بالعرب وسط متاهة، وكسب الوقت لليهود على حسابهم، والجمعية الأمريكية ما زالت ذاخرة بالعديد من الابتكارات.. فهي ليست قاصرة على المكوك والخطوة خطوة والأسئلة والأجوبة ودفع عجلة السلام، وإعطاء العجلة قوة دفع جديدة، مع طلب المزيد من الاتصالات، والمزيد من المعلومات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى يظل شريط الابتكارات السياسية الأمريكية يلف ويدور.. ويخرج كل يوم على دنيا العرب بجديد من اللون والشكل، دون تغيير في المذاق والطعم؟!!
لا أحسب أن ذلك بمتوقف يومًا.. طالما ظل العرب في موقف المتفرج يخدعه المظهر.. غير مهتم بالبحث عن الحقيقة والمخبر.
وفي غمرة هذه المتاهات والابتكارات السياسية الأمريكية نفاجأ بتصريح لرئيس مجلس الشعب المصري بأن قضية فلسطين ما كانت يومًا ما ولم تكن قضية دينية، نُسب إليه هذا القول أثناء مأدبة أُقيمت له وللوفد المرافق له في أمريكا.. وهكذا يتبيّن الفارق بين ما يقوم به اليهود وأعوانهم وما يقوم به بعض المسؤولين العرب والمسلمين إزاء هذه القضية؟!!
وإنا لله وإنا إليه راجعون..