العنوان إذاعة لندن تحرض العالم على الباكستان
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1971
مشاهدات 76
نشر في العدد 67
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 06-يوليو-1971
إذاعة لندن تحرض العالم على الباكستان
بقلم: محمد المجذوب
منذ أيام بل أسابيع تركز إذاعة لندن، في ما تنقله من افتتاحيات الصحف البريطانية، على موضوع اللاجئين إلى الهند من شرق باكستان، وهي تختار من تلك الأبحاث أشدها نكايةً في مسلمي باكستان، وأسوأها تحاملًا على الجيش الباكستاني، إذ تصوره في هيئة الوحش الأسطوري، الذي لا عمل له إلا القتل والذبح وإقامة المجازر.
فهي إذن -بدافع من المروءة الإنجليزية- تريد إثارة الدول الكبرى والرأي العام العالمي للضغط على باكستان، ولاستعمال كل ما تملكه من وسائل القهر، لإكراهها على الركوع أمام زعيم الحركة الانفصالية، والعصيان المسلح مجيب الرحمن.
أما جرائم أولئك الهاربين من قبضة العدالة، لتنكيلهم بالمسلمين، وعدوانهم على الجيش، الذي تمالك طويلاً أمام تحدياتهم، حتى لم يجد وسيلةً لدفع المهانة إلا بالدفاع المشروع عن النفس، أما هذا كله فلا غبار عليه، ولا يستحق اللوم، بل لا يستحق من تلك الأقلام حتى مجرد الإشارة إليه أثناء تلك الحملات الصحفية الهوجاء، ولا حاجةً للسؤال عن أسباب هذا التحيز المفضوح، فهي معروفة مألوفة، لأنها وليدة العصبية الحمقاء التي تستبيح كل المحظورات في حربها للإسلام وأهل الإسلام.
إنها العصبية التي تخمد حتى الموت عندما يتعرض المسلمون لمذابح الهندوس في الهند، وعندما تتفجر براكين الحقد الوثني على أهل التوحيد، فتدمر عليهم مئات القرى، وتفتك بالعزل من الأطفال والشيوخ والنساء على أعين الدنيا، فإذا ما حرك المسلمون أيديهم لدفع المعتدى انتفضت تلك العصبية، وانطلقت تشتم وتتهم، وتحرض العالم على أولئك المظلومين الذين جرؤوا على رد العدوان.
ليت شعري.. أين كانت ضمائر هؤلاء الصليبيين بالأمس حين أحرق الهندوس أربعمائة وخمسين قريةً للمسلمين، ونهشوا أجساد عشرات الآلاف من أولئك العزل المساكين؟
ألم يسمعوا بمأساة تلك الأم التي أحرق السيخ أولادها الأربعة على مشهد منها، وأقر بها حتى وزير داخلية «أنديرا» في قلب البرلمان الهندي؟ ألم يأتهم نبأ مذابح الأحباش في مسلمي «أريتريا»، وآلاف الضحايا التي مزقتها مخالب اليسارية في «زنجبار»؟ وما تعانيه الكثرة المسلمة تحت وطأة القلة الباقية من الصليبية والوثنية في «تشاد» وأخواتها من أقطار المسلمين في إفريقية التي تنوء تحت أعباء المجازر الدامية كل يوم دون أن يكون لها من ذنب سوى أنها تطالب بحقها في الحياة والحرية؟
كل هذه المآسي الرهيبة لا تستحق من صحيفة غربية أية افتتاحية بل أية كلمة رحيمة! كأنها إنما تحدث في غير هذا الكوكب، فإذا اضطر الجيش الباكستاني للدفاع عن أرضه وعن كرامته، هبت الزعازع الصليبية تدوي في إسماع الدنيا، وتحرض العالم على الثأر للخونة الذين جندتهم القوى الباغية؛ لتدمير وحدة باكستان الغالية.
هذه الأعاصير تثور في الوقت الذي يقوم به خصوم باكستان بالتجوال في أنحاء العالم؛ لتأجيج عواطف العالم الصليبي ضد مسلمي باكستان، فيتلاقى الحقد الصليبي مع الجنون الوثني على صفحات تلك الصحف، ثم ينصب ذلك كله سمومًا من إذاعة لندن في برامج الصباح، على أن ثمة طرفة لا يحسن إغفالها، لأنها فضيحة ضخمة ساقها القدر على لسان بعض هاتيك الصحف السوداء.
لقد دأب مؤلفو تلك الافتتاحيات أن يعرضوا قضية المأساة الباكستانية في غلالة من الغموض المتعمد، ولكن كلمتين صغيرتين كشفتا أخيرًا النقاب عما وراء ذلك الغموض من حقد، أما إحداهما فهي التي جرت على لسان أحدهم حين وصف اللاجئين بأن فيهم من الهندوس ملايين، وأما الثانية فقد جاءت خلال نبأ عن صحفي نزح من باكستان مع أسرته ليذيع في العالم ما شاهده بإحدى عينيه من جنايات الجيش الباكستاني على المطالبين بالعدالة والحرية -على زعمه-، وقد أفلت لسان ذلك المذيع باسم هذا الصحفي الباكستاني فإذا هو «أنتوني».
ومن هنا وهناك يدرك القارىء أن الهاربين من وجه العدالة إلى الذين زودوهم بكل وسائل التنكيل «المال، والسلاح، والتعصب الضرير» إنما هم -أو معظمهم- من الهندوس الذين استبقاهم التخطيط الصليبي الوثني بين أظهر المسلمين؛ ليكونوا الألغام التي تنسف كيان الدولة المسلمة عند أول فرصة.
وفي اسم الصحفي ذي الطابع الصليبي المكشوف ما يزيل كل التباس في الحكم على تلك الحملات المسعورة بأنها جزء من الخطة التي شاء الله أن يخفق صانعوها، فيرتدّ عليهم كيدهم، فلا يملكون لتسويغه إلا هذا الضرب من التضليل المفضوح.
بقي أن نتساءل «هل أدرك المسلمون ما وراء حملة الصحف البريطانية والهندية على تصرفات الجيش الباكستاني؟ هل علموا ما خلف دموع الأفاعي التي يسكبها خصوم باكستان على الأوساط الدولية باسم الشفقة على لاجئي باكستان؟ وهل أن للعرب بخاصة أن يفهموا أن تآمر الهند والانجليز والأمريكان والروس ومن ورائهم إسرائيل وأذنابهم على وحدة التراب الباكستاني، وتعاونهم جميعًا على تدمير ذلك الكيان الذي لايزال -برغم كل الانحرافات- محسوبًا على الإسلام؟ إنما يقصد إلى حرمانهم الصوت المدوي لنصرة قضيتهم الأولى فلسطين في كل مناسبة، وفي كل المحافل الدولية، منذ أن كان لباكستان صوت في العالم.
ليت قومي يعلمون هذه الحقائق، إذن لما وقفوا مكتوفي الأيدي أمام محنة إخوانهم في باكستان، ينظرون إلى سكاكين الجزارين تعمل فيهم ولا يتحركون ولا يتكلمون، وذلك كله حفاظًا على عواطف الأصدقاء الألداء التي ليس لهم منها سوى الهراء، ولإسرائيل عندها الدعم المستمر بلا مراعاة لهم ولا حياء.