; إحياء فقه الدعوة.. الانتقاء يقي المصارع | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة.. الانتقاء يقي المصارع

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1972

مشاهدات 35

نشر في العدد 127

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 28-نوفمبر-1972

من أول المعاني التي نستمدها من الدراسة التحليلية للظاهرة التربوية، أن «الإنسان العقائدي» هو من تمكنت منه مفاهيم معينة، واستولت عليه، واستمد أقواله وتصرفاته جميعًا منها ووفقها.

فالاقتناع لا يسمى عقيدة، ما لم يكن مستمرًا، وإنما يسمى «ميلًا وقتيًا» أو «تقليدًا»، فإن كان عارمًا شديدًا، ولم يكن مستمرًا، سمي «فورة».

وشتان ما بين سلوك العقائدي وسلوك الفائر.

العقائدي له موازين محددة، يزن ويقيس ويمحص ويستنتج قبل أن يخطو.

والفائز يغضب ويندفع، ويسرع ويستعجل، فيتورط.

ولهذه الصفات الفردية، أصداء وانعكاسات في المجموع، فالمجموع يندفع اندفاعات عفوية بإلحاح من أعضائه، فتبدد القوى، ويكون الفشل.

إنه الاندفاع العفوي الذي يسير فيه المجموع بلا خطة، أو بخطة لا تلائم الواقع وبلا هدف، أو بهدف غير مركز ولا واضح، وتتحمل الأماني والمثاليات والأحلام، لجعله هدفًا.

وهذا وصف مرعب في الحركات، يرغمها على التفتيش عن حلول تقي مصارع العفوية.


 

صعود الثقات رأس الوقاية

وأول الحلول يتمثل في تواصي قادة الحركة وجنودها، بسمت من التشدد في تسليم مراكز التوجيه داخل الحركة، وتأمين صعود الثقات إليها، من أصحاب الإيمان والعلم والعمل.

لقد رأينا في تحليلنا للتربية، أنها ما كانت موجهة من عناصر لها أهلية القيادة، وتوجيه المسموع والمنظور وجهة معينة، ولا تتوفر هذه الأهلية إلا أن يكمن خلفها تصوير صادق العقيدة والمفاهيم، فإن اعترى هذا التصوير تعكير وغبش، فقد فات الركن الأساسي في التربية، ولم تعد تربية.

كذلك، فإن صعود الثقات إلى مراكز التوجيه، هو الذي سيؤمن وضوح الأهداف البعيدة في أذهان المخلصين، الفائزين من جنود الدعوة، الجدد الذين لم تعركهم التجارب، وهو الذي سيؤمن تفسير السياسات المرحلية لهم، وإيضاح تبريراتها، وفي كل هذا مساهمة أكيدة في التأمين ضد الاندفاع المستعجل، وضد الاندفاع غير الهادف.

والداعية حين ينظر الحالة الراهنة، للحركات الإسلامية المنبثة في العالم الإسلامي، وحين يرجع إلى تاريخها، تتجلى أمامه عظم رعاية الله سبحانه لها في اختيار قادتها، فليس فيهم إلا إمام له قدم راسخ في العلم والصدق والإخلاص، لكن قد تجد لهم نوعًا تساهل في اختيار الأعوان، دفعوا ثمنه غاليًا في انشقاقات وفتن، أو في مواقف لينة، وكان ذلك من تمام العناية الربانية أيضًا، فإنهم من خلال التساهل تعلموا التشدد، ومن معاناة التعامل مع الضعفاء، تعلموا الحرص على الانتقاء، وليس مثل العلم التجريبي.

تجاربٌ أبدلتني غيرُ ما خُلُقي

وتوسِعُ المرءَ أبدالًا تَجارِبُهُ (۱)

ومنه نوع ما هو بتساهل، ولكنه ضرب من المجازفة في الاعتماد على السذج، الذين ينقصهم أسلوب العصر ويعوزهم الوعي السياسي، حتى لكأن الدعوة تئن من كثرة أخطائهم، وتنادي:

*تطاولَ همِّي، فابغني ذا نباهةٍ (۲)*

وإنه لهم طويل، يعرفه ويميزه المنغمس في العمل اليومي الحركي، فإن تعقد المجتمع الحاضر، وتعدد الأحزاب ونشاطها، والتخطيط اليهودي الماسوني داخل أقطار العالم الإسلامي، كل ذلك يتطلب نوعًا من الدعاة المسلمين، يزيدون على إيمانهم وإخلاصهم وعلمهم الشرعي، نوعًا من الوعي السياسي، والخبرة بالأساليب التنظيمية، والمهارة في التخطيط المتزن، الملائم للواقع الذي نعيشه، والمناسب للقوة التي نملكها، وهؤلاء هم وحدهم أصحاب النباهة الذين يبددون هموم الدعوة.


 

لا نفصل بين الإدارة والتربية

وباطل ظن من يتوهم عدم وجوب شرط القدوة، لمن يشتغل في مراكز الدعوة التي ليس فيها توجيه تربوي مباشر، فالبعض يفصل بين المربين من الدعاة، وغيرهم ممن ينفذون الأعمال التي يتطلبها شمول الدعوة، لكن تحليل الظاهرة التربوية ينفي ذلك، فإنهم جزء مرئي من هذه الدعوة يقلده الجدد والأنصار، ولسان ناطق يسمعه هؤلاء فيتأثرون به، ولذلك لم يفهم فصل وظيفة رجل الدولة الإسلامية، عن التعليم والتربية، وكانوا يرون أنه رجل تربية أيضًا.

قال ابن تيمية رحمه الله في شرح معنى «كونوا ربانيين»: «قال مجاهد: هم الذين يربون الناس، بصغار العلم قبل كباره، فهم أهل الأمر والنهي».

قال: «وذلك هو المنقول عن السلف في الرباني، نقل عن علي قال: هم الذين يغذون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها.

وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون، قلت: أهل الأمر والنهي هم الفقهاء المعلمون.

وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء.

قال ابن قتيبة: وأحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون».

ثم ختم فقال إنهم: «منسوبون إلى التربية». (۳)

وإذن، فإن جميع من يساهم في أعمال الدعوة، إنما هو قدوة يحتمل تأثيرها، ويجب أن يحوز شرط القدوة العملية.


 

دقة مركز القدوة

ومركز القدوة حساس دقيق جدًا، ويجب أن لا يوضع فيه إلا من كان مستعدًا للأخذ بالعزيمة، والبعد عن الرخص، والأمن كان يغلب عليه الجد والزهد والتجرد، ويشتاق إلى التعب والبذل، لأنه إمام لمن حوله يقلدونه، ولا بد أن يكون فعله أبلغ، في التعبير عن عقيدته، ومعاني دعوته من قوله، لأن المنظر أعظم تأثيرًا من القول.

ومن ها هنا، لما هم إمام مصر الليث بن سعد، بفعل مفضول ينافي العزيمة قال له إمام المدينة يحيى بن سعيد الأنصاري:

«لا تفعل، فإنك إمام منظور إليك». (٤)

ويقول أبو عمر السلمي:

«من لم تهذبك رؤيته، فاعلم أنه غير مهذب». (٥)

ومن لم ينعشك عبيره على بعد، فاعلم أنه لا طيب فيه، ولا تكلف لشمه.

والداعية الصادق تستمر هيبته الإيمانية في تعاظم، وتظل في تصاعد ما تصاعدت هيبته لله تعالى، وتعاظمت اهتمامات قلبه بدعوته، حتى يغدو منظره قاطعًا لغفلة ناظره.

وقال الشافعي:

«من وعظ أخاه بفعله كان هاديًا». (٦)

وكان عبد الواحد بن زياد يقول:

«ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ، إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء، يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه». (۷)

ويقول السهروردي:

«للمريد بلقاء كل صادق مزيد، وقد ينفعه لحظ الرجال، كما ينفعه لفظ الرجال، وقد قيل: من لا ينفعك لحظه، لم ينفعك لفظه».

ثم شرح هذا المعنى اللطيف فقال:

«إن الرجل الصديق يكلم الصادقين بلسان فعله، أكثر مما يتكلم بلسان قوله، ماذا نظر الصادق إلى تصاريفه في مورده ومصدره، وخلوته وجلوته، وكلامه وسكوته، ينتفع بالنظر إليه، فهو نفع اللحظ. ومن لا يكون حاله وأفعاله هكذا، فلفظه أيضًا لا ينفع، لأنه يتكلم بهواه، ونورانية القول على قدر نورانية القلب، ونورانية القلب بحسب الاستقامة، والقيام بواجب حق العبودية وحقيقتها». (۸)

وهذا من جيد الكلام، وصاحبه غير المبتدع المشهور قتيل حلب.

ومثله من كلام التابعين قال شهر بن حوشب:

«إذا حدث الرجل القوم، فإن حديثه يقع من قلوبهم موقعه من قلبه». (۹)

وقول مالك بن دينار:

«إن العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلت موعظته عن القلوب، كما تزل القطرة عن الصفا». (۱۰) أي قطرة الندى عن الصخرة الملساء.

ويروى أنه قيل لعيسى عليه السلام:

«من أشد الناس فتنة؟ قال: زلة العالم، إذا زل العالم، زل بزلته عالم كثير». (۱۱)

فلكل هذا كان من فقه الدعوة دقة اختيار من يكون قدوة، ولا تساهل في الأمر، ولا نخدع أنفسنا، فنبرر التساهل تجاه البعض بعدم تسميتهم قدوات، وبوصف مهمتهم بغير وصف التربية، فإن كل من يتعامل مع الدعاة، إنما هو قدوة لهم، من حيث إمكانية رؤيته وسماع قوله، ووجود تأثر السمع به، فإن انضاف لذلك، إيحاء وصف الداعية بأنه من المربين، زاد التأثير ولا شك، وتفتحت القلوب لقبول كلامه ومواعظه، فإن عضدها فعله فنعمت المواعظ منه، وإن لم تترجمها حياته اليومية معهم إلى أفعال، فإنها لا تعدو أن تكون هذرًا منفرًا.

«إن الموعظة إن لم تتأد في أسلوبها الحي، كانت بالباطل أشبه، وإنه لا يغير النفس إلى النفس التي فيها قوة التحويل والتغيير، كنفوس الأنبياء ومن كان في طريقة روحهم، وإن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام، لا وضع القياس والحجة، وإن الرجل الزاهد الصحيح الزهد إنما هو حياة تلبسها الحقيقة، لتكون به شيئًا في الحياة والعمل، لا شيئًا في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه كحرارة النار في النار، من واتاها أحسها.

ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام، فلا يزيد الحرام إلا ظهورًا وانكشافًا.

ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحًا تتعلق الأرواح بها، وتضعه بين الناس في موضع، يكون به في اعتبارهم، كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب.

والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا، هو الفقيه الفاسد الصورة في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا يفهموا عنه». (۱۲)

وبإيجاز: إن «الأسوة وحدها هي علم الحياة». (۱۳)

ودعوتنا هي الحياة.

فالأسوة وحدها هي علم الدعوة.

وعلم الدعوة كله هو الأسوة الصادقة.


 

اختبر عليم اللسان!

ولو تفحصنا مدى تطبيق هذا العلم المهم، لوجدنا ثغرات كبيرة في تاريخ الحركات الإسلامية الحديثة، كان يحصل فيها انخداع بالخطباء، وأصحاب الشهادات العالية، والمشاهير، ويدفعون إلى الصدارة من دون طويل تجريب لهم، وتقع الدعوة في ورطة ربطهم باسمها، ولا يلبث المعدن الضعيف أن يفضح نفسه، أثناء ترغيب أو ترهيب أو سياسة حركية تقتضي فقهًا لفهمها، فيكون النكوص.

إن الإيمان، وفقه الدعوة، وشدة الانغماس في العمل التجميعي والتربوي، ووضوح الطاعة، هي المحكمات التي يجب أن تتحكم في عملية الانتقاء والتأمير، لا شروط الوظائف الحكومية وأعراف المجامع الأدبية.

بل إن على الدعاة أن يجفلوا ويخافوا، ويحذروا من يكون عليم اللسان، الذي يكثر التشدق، ويتكلف اختيار الفصيح، فإن النفاق والضعف يكثر في هذا الصنف، ويجب أن لا يطمئن الداعية إلى أحد بهذه الصفة، إلا من بعد أن يضمر في نفسه امتحانه، فيراقبه مراقبة دقيقة مدة، ويكون توثيقه له من بعد تجربة، ومن بعد رؤية قرائن إيمانه وصدقه.

وللداعية في ذلك سلف، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما خاف الأحنف بن قيس رضي الله عنه -وكان الأحنف متكلمًا لبقًا داهية- أبقاه عمر معه في المدينة سنة يراقبه، ثم قال له:

«يا أحنف، قد بلوتك وخبرتك فلم أر إلا خيرًا، ورأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، فإنا كنا نتحدث: إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم.

وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فادن الأحنف بن قيس وشاوره واسمع منه». (١٤)

وكم يحيط بالدعوة في العالم الإسلامي اليوم، من رجال يجب على قادة الدعاة امتحانهم، وكم هي حاجة الدعاة إلى مثل علم عمر.

كم من المتكلمين بالإسلام ترى الدعاية ترفعه، فإذا عاملته وجدته مصلحيًا جاف القلب والروح.

وحقًا قال عبد الوهاب عزام:

إن في الناس أوجهًا لامعات

تملأ العين زهرة ورواء

ويراها البصير صورة زهر

لم تهبها الحياة عطرًا وماء (١٥)

ولمثل هذا دأب السلف الصالح على كثرة التوصية، بضرورة مثل هذا الاختبار كقول سيد التابعين الحسن البصري:

«اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا قولهم، فإن الله لم يدع قولًا، إلا جعل عليه دليلًا من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولًا حسنًا فرويدًا بصاحبه، فإن وافق قوله عمله فنعم، ونعمة عين، فآخه، وأحببه، وأودده، وإن خالف قولًا وعملًا، فماذا يشبه عليك منه، أو ماذا يخفي عليك منه؟ وإياك وإياه، لا يخدعنك». (١٦)

إنها الوصية القديمة، ولكن القلوب تغفل، وشهوة الوصول السريع، أو شهوة التكاثر بالأنصار، تلهي، وتدعو إلى التجاوز عن العلم الموروث.


 

البدعة ضعف أيضًا...

وضعف الضعيف يكون من بدعة كما يكون من ذنب، وهذا ما تعارف عليه العلماء منذ القدم، حتى إنهم كانوا ليهجرون الأخ الشقيق إذا اعتقد ببدعة، مثل علي بن حرب بن محمد الموصلي، هجر أخاه أحمد بسبب قوله، إن لفظه بالقرآن مخلوق مع ثقته وصدقه. (۱۷) ومع سلامة قوله هذا، واشتهاره عن البخاري أيضًا، ولكنه أنكر عليه لقرب العهد من بدعة خلق القرآن، وأرادوا أن لا يدندن أحد بما يقرب من ألفاظ المعتزلة ويزيد حيرة العامة.

ولكن أدعياء وحدة الأمة في هذا العصر، يدعون إلى التجاوز عن معاني البدع، وسرى هذا الوهم إلى بعض الدعاة، وأسقطوا أمر البدعة كعامل من عوامل التمييز، فوقعوا في الخطأ.

إنه خلق جميل أن تعطف على المبتدع، وأن تنصره على كافر، وترفع الظلم عنه، وتقف معه في وجه من هو أكثر بدعة منه، لكنه أمر خطر أن تفتح له صفوف الدعوة قبل توبته، وأن تؤمره قبل سلامته، وأن تحبه قبل غسله الأدران التي علقت بعقيدته، فإنه ما أوهى أمر الأمة إلا البدع، كما قال الفضيل بن عياض: «من أعان صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام»، وقال «من أحب صاحب بدعة، أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه» ( ١٨).

إن الدعوة للأخذ بيد المذنب والعاصي، في معاملاته وتصرفاته السلوكية، إذا كان أصل الإيمان في نفسه قائمًا أهون بكثير من التعاون مع المبتدعة مع تمسكهم ببدعهم، والمذنب أقل ضررًا من المبتدع من وجوه، منها:

«أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على الناس».

وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة.

والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم، يصدهم عنه، والمذنب ليس كذلك.

والمبتدع قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك.

والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والعاصي ليس كذلك.

والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه». (۱۹)


 

  • استر سمعة الإسلام

فقد بان إذن أن التشدد في الانتقاء، هو الحل الأساسي للتأمين ضد الاندفاعات العفوية، وأن أجزاء الحركة الإسلامية، مدعوة إلى الاستدراك السريع في هذا المجال.

بل الحق أن الانتقال إلى هذا التشدد ستر واجب لسمعة الإسلام اليوم، كما قال الفقيه الزاهد، الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري لبعض من يأمر بالمعروف:

«اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب». (۲۰)

ومن أهم أوصاف الستر الذي يطلبه ابن هبيرة، أن تحرم أعداء الإسلام، من فرصة الإشارة إلى مثل هؤلاء الضعفاء، والتشهير بالدعوة من جراء تصديهم لأمورها، وكلما دفعت التقي النقي إلى الظهور، دون الضعيف والمصلحي والمبتدع، كلما كنت أكثر صونًا لسمعة الإسلام.

بل ينبغي ما هو أشد من هذا، فإنه من الواجب على الثقة، أن يفوت الفرصة على الضعيف، إذا جالسه بقصد أن يقال: جالسه الثقة فلان من الدعاة فهو ثقة، وأنه لو لم يكن ثقة لما جالسه.

وكأنه شبيه بهذا ما أخرجه الترمذي، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم، يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم». (۲۱)

فلو قال لهم: يرحمكم الله، لقالوا للمسلمين: لو كنا ضالين، لما دعا لنا بالرحمة.

هذا وبالله التوفيق.

والمعصوم، من عصمه الله.

وإلى مقالة أخرى، نتلمس فيها وقاية أخرى من خلال الظاهرة التربوية، تقي مصارع العفوية غير الهادفة.


 

  1. (1) للبحتري في ديوانه 1/ 226.

(۲) شطر من خريدة القصر 1/ 258 القسم العراقي.

(۳) مجموع فتاوى ابن تيمية 1/ 63.

(٤) تهذيب التهذيب 8/ 463.

(٥) (٦) طبقات الشمراني ١//103/ 44.

(۷) تنبيه المفترين للشعراني.

(۸) عوارف المعارف الملحق بإحياء علوم الدين 5/ 87.

(۹) (۱٠) حلية الأولياء 6/ ٦٢/ 288.

(١١) كتاب الزهد لابن المبارك/ ٥٢٠.

(۱۲) (۱۳) للرافعي في وحي القلم 2/ ۲٠۱/ 111.

(١٤) طبقات ابن سعد 7/ 94.

(١٥) ديوان المثاني/ ۸۱.

(١٦) الزهد لابن المبارك/ ٢٦، الموافقات للشاطبي 1/30.

(۱۷) تهذيب التهذيب 1/ 23.

(۱۸) حلية الأولياء 8/ 103.

(۱۹) الجواب الكافي لابن القيم/ ۱۲۷.

(۲۰) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 274.

(۲۱) سنن الترمذي 10/ 198.


 


 


 


 


 


 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 114

147

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

إلام ندعو وكيف؟ "2"

نشر في العدد 107

117

الثلاثاء 04-يوليو-1972

العبد الحر!!

نشر في العدد 108

130

الثلاثاء 11-يوليو-1972

الأبرار الساكتون الهالكون