العنوان أي إصلاح تريده أمريكا؟ -٤ دوافع وراء «مشروع الشرق الأوسط الكبير».
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2004
مشاهدات 63
نشر في العدد 1595
نشر في الصفحة 36
السبت 03-أبريل-2004
المشروع يشكل المحور السياسي والثقافي من الحملة الأمريكية لإعادة رسم خريطة المنطقة.
لماذا طرحت الولايات المتحدة مشروعها الجديد للشرق الأوسط الكبير؟ هل هو جديد فعلًا أم أنه إعادة إنتاج لمشروع شمعون بيريس للشرق أوسطية؟ وهل تريد أمريكا حقًا إصلاح المنطقة سياسيا وإشاعة الديمقراطية والحريات فيها؟ وماذا إذا جاءت الديمقراطية بمن ترى فيهم أمريكا خطرا على هيمنتها وتفردها؟ وماذا تقصد أمريكا بكلمة، «كبير» الواردة في تسمية مشروعها؟
تنبع أهمية الإجابة عن هذه الأسئلة من أن طرحًا خطيرًا بدأ يسوّقه بعض المحيطين من الواقع السياسي في المنطقة العربية والذين يرون أن الشعوب عجزت طوال العقود السابقة عن إحداث إصلاح سياسي حقيقي رغم كل محاولاتها بسبب الاستبداد والقمع وعدم رغبة أصحاب القرار في إحداث تغييرات جوهرية یرون أنها تهدد أوضاعهم وتفردهم بالقرار السياسي، وبالتالي إذا كان التغيير فشل ولم يعد ممكنًا من داخل النظام العربي، فلماذا تعارض الشعوب فرص الإصلاح من الخارج؟ لماذا لا تقف الشعوب على الحياد إزاء مشروع الإصلاح الأمريكي وتترك النظام الرسمي العربي يواجه مشكلته بنفسه، فإن نجحت محاولات الإصلاح الخارجي تكون الشعوب هي المستفيدة، وإن فشلت فلن تخسر شيئًا؟
مصالح أمريكا
قبل أيام وفي لقاء حواري غير رسمي، رد مسؤول أمريكي سابق على سؤال: ما المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة؟ بالقول صراحة: النفط و«إسرائيل». لكن مسؤولًا سابقًا آخر أضاف مصلحة ثالثة برزت بعد أحداث سبتمبر تتعلق بالأمن؛ أمن أمريكا الذي باتت ترى أن مصدر تهديده نابع من المنطقة.
هذه المصالح الأمريكية الثلاث قد تكون المدخل الصحيح لفهم الدوافع الأمريكية من وراء طرح مشروعها بخصوص المنطقة، ويمكن الوقوف عند أربعة من هذه الدوافع التي تتوخى الولايات المتحدة تحقيقها:
الدافع الأول: تحسين صورة أمريكا لدي الشعوب العربية التي تشعر بغضب شديد تجاه سياسات الولايات المتحدة ومواقفها السلبية إزاء قضايا الأمة العربية، فقد أدى احتلالها للعراق واستمرار سياساتها المنحازة والعدائية تجاه القضية الفلسطينية، إلى توليد حالة كراهية غير مسبوقة في الشارع العربي والإسلامي عبرت عنها استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز دراسات أمريكية.
وما يخيف المسؤولين الأمريكيين أن مشاعر الكراهية لم تعد تكتفي بالتعبير عن نفسها من خلال استطلاعات الرأي ومظاهر الاحتجاج المختلفة، بل تعدتها إلى تفكير البعض بالمس بمصالح أمريكا من أجل دفعها لإعادة النظر في سياساتها ومواقفها إزاء قضايا المنطقة.
الدافع الثاني: استغلال حالة الضعف التي تمر بها المنطقة والأجواء التي ولدتها الحرب الأمريكية المعلنة ضد «الإرهاب» لمحاولة فرض منظومة القيم الأمريكية الغربية على الدول العربية والإسلامية. والملاحظ أن ما تسرب من معلومات حول مشروع الشرق الأوسط الكبير ركز بصورة خاصة على قضايا المرأة وحقوق الإنسان من منظور غربي، في حين تم تجاهل تنمية المنطقة اقتصاديًا وتقنيًا، ولم تحظ التنمية السياسية باهتمام كبير من قبل مهندسي المشروع.
ما يعزز هذه المخاوف أن ممارسات الإدارة الأمريكية على الأرض تؤكد هذه الأولوية لدى القائمين على طرح المشروع، فالضغوط التي تمارس على الحكومات العربية لا علاقة لهـا بالحريات والإصلاح السياسي، وإنما تركز على تغيير المناهج وعلى بعض التغييرات المتعلقة بوضع المرأة انطلاقًا من مفاهيم الثقافة الغربية.
الدافع الثالث: ممارسة المزيد من الضغوط على بعض زعماء المنطقة وابتزازهم للتجاوب بصورة إضافية مع الإملاءات الأمريكية من خلال تهديدهم بإمكانية فرض أوضاع سياسية تؤدي إلى إبعادهم عن مواقعهم، وقد أظهرت طريقة تعامل الولايات المتحدة مع ليبيا في ملف الأسلحة النووية والكيماوية، وكذلك تعاملها مع باكستان في ملف التعاون مع الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب، أظهرت بوضوح أن ما يعني واشنطن بالدرجة الأولى هو تجاوب الحكومات مع سياساتها ومطالبها. وهي على استعداد لمنح شهادات حسن سلوك لهذه الحكومة أو تلك وفقًا لمدى هذا التجاوب، بعيدًا عن أي اعتبارات تتعلق بمدى الالتزام بمعايير الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
الدافع الرابع: تحطيم الهياكل الإقليمية العربية والإسلامية التي تحول دون استيعاب الكيان الصهيوني، من خلال تجاوز مؤسسات العمل العربي المشترك، وإضعافها لصالح صيغة إقليمية جديدة تنفي عن المنطقة صفتها العربية والإسلامية وتتيح إدماج (إسرائيل) في المنطقة. يبدو هذا واضحًا من خلال تأكيد المشروع على ضرورة تجاوز مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي وتحويلها إلى قضية هامشية لا يشترط إيجاد حل لها قبل إقامة الشرق الأوسط كبير.
إصلاح مشبوه
وباستعراض الدوافع الأربعة السابقة يتضح أن الإصلاح الحقيقي في المنطقة ليس واردًا في أجندة صاحب القرار الأمريكي الذي يدرك جيدًا أن أي نظام سياسي عربي تفرزه الإرادة شعبية الحرة وصناديق الانتخابات النزيهة. بغض النظر عن هويته السياسية والفكرية، ليتمتع بقوة وشرعية شعبية تجعله أكثر مناعة ضد مقاومة الضغوط والإملاءات الخارجية، هذا آخر ما تريده أمريكا.
ولأن بعض الحكومات المرعوبة من المشروع الامريكي الجديد تدرك جيدًا هذه الحقيقة، لم يتردد لحظة في استغلال مخاوف أمريكا من إمكانية قيام أنظمة شعبية قوية مستقلة في المنطقة، لتطلق تحذيراتها إلى الإدارة الأمريكية علي أن تطبيق إصلاحات سياسية حقيقية سيؤدي على الفور إلى سيطرة الإسلاميين على التحكم في عدد من الساحات العربية، وتعتقد الحكومات أن إطلاق هذه التحذيرات كاف لإقناع واشنطن بإعادة النظر في مشروعها.
ما ينبغي أن تدركه الشعوب العربية وألا لا تخدع به المحبطون من الواقع السياسي العربي، المشروع الأمريكي لا يعدو كونه الشق السياسي والثقافي من الحملة الأمريكية الشاملة التي تستهدف إعادة رسم خريطة المنطقة. وقد أعلنت أمريكا هدفها بكل وضوح منذ أحداث 11 سبتمبر، وإذا كان الجزء العسكري من الحرب يواجه تحديات في العراق، إلا إن أمريكا تحاول التحرك على محور آخر...المحور السياسي والثقافي .