; أيهما أولًا فلسطين أم أفغانستان؟ | مجلة المجتمع

العنوان أيهما أولًا فلسطين أم أفغانستان؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 74

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

هل نسينا فلسطين حين مددنا يد العون إلى المجاهدين الأفغان؟ وهل باتت قضية أفغانستان أهم عندنا من قضية فلسطين؟ وهل يعتبر اليهود الصهاينة عندنا أقل خطرًا من الروس الشيوعيين؟

الجواب على جميع هذه الأسئلة هو: لا. 

لماذا إذًا يتشدق بعض الناس فيقولون بأن الداعين إلى نصرة المجاهدين الأفغان آثروا القضية الأفغانية على القضية الفلسطينية؟ وكيف يزعمون بأن هؤلاء الدعاة يقدمون للقضية الأفغانية ما لم يقدموه للقضية الفلسطينية؟

نحن لا نملك هنا في هذه العجالة، إلا بيان الأمور التالية، لعل فيها شفاءً وبيانًا:

أولًا: المجاهدون في أفغانستان وقادتهم يعتبرون قضية فلسطين قضيتهم كما هي قضية أفغانستان، ويقولون: إن الجهاد لن يتوقف بتحرير أفغانستان، لا، بل إنه سيستمر لتحرير فلسطين، يقول المجاهد عبد الصبور: «إن النصر لقوات المجاهدين قريب إن شاء الله تعالى، وإنني بعد هذا النصر سوف أتوجه لتحرير فلسطين من الغاصبين اليهود»، بل إن القائد المجاهد برهان الدين رباني يرى قضية فلسطين أهم من قضية أفغانستان، يقول - نصره الله وإخوانه -: «وليس هدفنا من الجهاد تحرير أرض أفغانستان فقط، ولكن الهدف الأكبر أن نقيم بعد التحرير النظام الإسلامي؛ ثم ننطلق منه بعد ذلك رافعين راية الجهاد لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى، والحق أقول: إن قضية المسجد الأقصى عندنا أهم من قضية أفغانستان»، ويقول أحد قادة الجبهات في أفغانستان واسمه «أرسلان»: «لن نقف عن الجهاد ولو قامت الدولة الإسلامية في أفغانستان، فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، ونحن ما عرفنا العزة والكرامة الحقيقية إلا بالجهاد، فإذا فقدناه فقدنا ذلك كله، والخطوة الثانية بعد إقامة الدولة الإسلامية ستكون تحرير المسجد الأقصى من اليهود»، ويقول أمير المجاهدين الأفغان عبد رب الرسول سياف: «موقفنا من قضية فلسطين معروف، فنحن نعتبر فلسطين قضية غير بعيدة عنا، هي قضيتنا، ونحن نعتبر فلسطين جزءًا من أغلى أجزاء وطننا الإسلامي»، ويضيف: «بناء على إيماننا وعقيدتنا نعتبر فلسطين من أثمن وأغلى أجزاء وطننا الإسلامي، ونعتبر القضية الفلسطينية قضيتنا نحن»، ثم يقول: «ولقد أعلنا مرارًا أننا مستعدون للقتال في فلسطين».

هذا هو موقف المجاهدين المسلمين تجاه فلسطين وتحريرها، فماذا عن موقف أولئك الذين يزعمون أنهم يريدون تحرير فلسطين تحت الرايات غير الإسلامية؟ هل صدرت عنهم كلمة تأييد واحدة للجهاد الأفغاني؟ ألا يزعمون أنهم يرفضون كل احتلال واستعمار؟ ألا يدعون إلى استقلال الشعوب؟ ما بالهم يستثنون الاستعمار الروسي؟ هل باتوا يرون أرض أفغانستان المسلمة من حقه؟!

ثانيًا: لقد كان المجاهدون المسلمون من الشيخ عز الدين القسام إلى الشيخ حسن البنا - ومن كان معهما - في مقدمة من قاتل اليهود على أرض فلسطين، ومازال المجاهدون المسلمون ينتظرون أن تفتح أمامهم الحدود؛ ليقاتلوا اليهود، ويحرروا أرض فلسطين تحت راية الإسلام، ولقد عبر أمير المجاهدين الأفغان «سياف» عن هذا بقوله: «ولقد أبدينا رغبتنا في الجهاد هناك - أي في فلسطين - بشرط واحد أكثر من مرة، قلنا: إما أن ترفعوا راية لا إله إلا الله حتى نأتي ونجاهد معكم، وإما أن تخصصوا لنا جبهة حتى نرفع نحن راية لا إله إلا الله ونجاهد باسمها، ولكن حتى الآن لم يقبلوا منا أحد هذين الشرطين».

ثالثًا: في الوقت الذي كثرت فيه الدعوات إلى حلول سلمية أو استسلامية للقضية الفلسطينية، بل طبق بعضها علنًا - «كامب ديفيد» - وبعضها سرًا، فإن المجاهدين الأفغان يؤكدون أنه لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد. يقول «سياف»: «أي حل سلمي لا يخدم القضية الفلسطينية، وإن الحل السلمي الذي ينشدونه ليحل الذل والهوان بالمسلمين، هل تظنون أن اليهود مستعدون لقطع جزء من فلسطين ليحكمها أهل فلسطين بالحرية الذاتية؟ لا يحدث هذا أبدًا، ومن لفلسطين الآن إلا المسلمون؟ ولا سبيل غير ذلك لحل قضية فلسطين، وإن شاء الله سترفع هذه الراية قريبًا، فلا تقنطوا، إن هذه الراية سيرفعها إخوان لكم سواء أكانوا من فلسطين أم من غيرها».

رابعًا: لقد تأكد أن جنودًا كوبيين وفيتناميين - بل ويمنيين جنوبيين - يقاتلون إلى جانب الجنود الروس في أفغانستان، تجمعهم الشيوعية التي لا تؤمن بالله ولا ترجو منه ما يرجوه المؤمنون، فكيف يأخذ أولئك على المسلمين نصرهم لإخوانهم المجاهدين في أفغانستان، وهم يؤمنون بالله ويرجون منه النصر في الدنيا والجنة في الآخرة؟

أن الذين يزعمون حرصهم على فلسطين من أهل اليسار العربي، يناصرون أتباع الحركات اليسارية الأخرى في العالم، يدربونهم في معسكراتهم، ويشاركون في أعمالهم، وينسقون فيما بينهم، ويدافع بعضهم عن قضايا بعض، فإذا ذكرناهم بقضية فلسطين قالوا: إن القضية واحدة، ولو حكم اليهود الشيوعيون في فلسطين لانتهت قضيتها.

وبعد، فإن الجهاد واجب على المسلمين لتحرير أفغانستان وتحرير فلسطين، ولقد سمعتم المجاهدين الأفغان ماذا يقولون عن فلسطين، وهو قول كل مسلم مؤمن، ومن ثم فإن الجواب عن سؤال: أيهما أولًا، أفغانستان أم فلسطين؟ هو كلاهما معًا، فالجهاد يجب على المسلمين في المغرب إذا أسرت امرأة مسلمة في المشرق، فكيف لا يجب الجهاد اليوم وآلاف النساء والرجال والأطفال المسلمين، يؤسرون ويقتلون ويشردون، في فلسطين وأفغانستان وغيرهما؟!

إعداد القسم الصحفي في لجنة الدعوة - جمعية الإصلاح الاجتماعي

الصمت الغربي عما يجري في أفغانستان

عدة حقائق حول الغزو الروسي لأفغانستان - كشف عنها مسيو ريفيل مدير تحرير الإكسبريس الفرنسية سابقًا - تستحق منا الوقوف عندها لإثارة الانتباه إليها لأهميتها وخطورتها، في الوقت الذي تقترب فيه الذكرى السابعة للغزو الروسي لأفغانستان، وسط تعتيم إعلامي تساعد عليه أطراف مختلفة.

أولًا: يوجه ريفيل أصابع الاتهام بصورة صريحة إلى الغرب الذي «يفترض فيه أن يكون صاحب ردة الفعل الأقوى»، ويرى أن أفغانستان انعكاسًا حقيقيًّا للجبن الغربي، حيث لا تثير الممارسات القاسية التي يقوم بها الجيش الأحمر ضد الأفغان ردود فعل تذكر في العالم الغربي.

ثانيًا: يرى ريفيل أن الروس يمارسون تعتيمًا إعلاميًّا ناجحًا تمامًا على ما يجري داخل أفغانستان، حيث يمنعون وصول رجال الإعلام إلى داخل البلاد، ولا يتورعون عن سجن حتى الأطباء الأجانب الذين قدر لهم دخول أفغانستان بطريق ما، ومع ذلك يقول ريفيل: إن التقارير التي أمكن تسريبها من داخل الأراضي الأفغانية تعتبر كافية لكل من ينكر العمل الجدي لوقف الممارسات القمعية ضد المواطنين الأفغان، لكن ما يحصل حاليًا - والكلام ما زال لريفيل - هو أن الحكومات الغربية تحاول جاهدة التغاضي عما يرد في هذه التقارير، بل وتتجاهل الأمر تمامًا كنوع من الفرار من المواجهة، ولقد رأيت الحكومات والمؤسسات الغربية تتعامل مع الغزو الروسي على أنه حادثة عابرة أو خطأ غير مقصود في السياسة السوفييتية الخارجية.

وإن ما حدث لم يكن يومًا جزءًا من الإستراتيجية السوفييتية، وبأن الروس وجدوا أنفسهم متورطين فجأة في فخ، وبأن على القوى الغربية العمل على مساعدتهم للخروج من المأزق الأفغاني وبأسلوب يحفظ لهم ماء الوجه.

ثالثًا: يحمل الكاتب الفرنسي المحللين الغربيين مسؤولية المشاركة في توجيه الحكومات الغربية إلى عدم مساعدة المجاهدين الأفغان، يحاولون إقناع الغربيين بأنه من الخطر تسليح المقاومة الأفغانية؛ لأن النتيجة الطبيعية لذلك ستكون إعطاء السوفييت المبرر للاستمرار في احتلالهم لأفغانستان، وأمام المساعدات الثانوية جدًا التي يقدمها الغرب للمجاهدين، فإن المحلل الفرنسي يتساءل إلى أي حد يتوجب تقليص هذه المساعدات لكي يشعر الروس بالاطمئنان؟!

رابعًا: يؤكد «مدير الإكسبرس سابقًا» أن الحديث عن إمكانية قبول السوفييت بإلغاء النظام الشيوعي في كابول - كجزء من صفقة سلمية لإنهاء الحرب في أفغانستان - يظل حديثًا أقرب منه إلى الأحلام، لأن الروس لن يخرجوا من كابول قبل ضمان استمرار الشيوعية في تلك البلاد، ولأن استمرار نظام بابراك كارمال الشيوعي في أفغانستان بدون دعم مباشر من موسكو أمر لا يمكن تحقيقه، وعليه فإن احتمالات الخروج الروسي من أفغانستان تظل مسألة مستبعدة، وما حدث في الواقع حتى الآن هو أن الروس يبدون حرصًا على الاستمرار في الأقطار التي تعيش في ظل الحكومات الضعيفة العميلة للسوفييت.

خامسًا: يبرهن المحلل الفرنسي ويدلل على أن الغزو الروسي ليس ردة فعل، وليس وليد أحداث مفاجئة، إنما كان نتيجة تخطيط ونية مسبقة. يقول: إن الأحداث التاريخية وتاريخ التدخل السوفييتي في الأقطار الأخرى يشير - وبشكل لا يدع مجالًا للشك - إلى أن التدخلات الروسية في حياة الأمم ليست وليدة يومها، وهي كذلك أبعد من أن تكون مجردة ردة فعل لتطورات آنية، ولابد أن المحللين والمعلقين الغربيين الذين يؤرخون الغزو الروسي لأفغانستان - منذ اليوم الذي دخلت فيه الدبابات الروسية إلى كابول «وهو يوم 27/12/1979» - يبرهنون على عجزهم التام عن فهم السياسة الخارجية لموسكو، فخلف التدخل الروسي الذي بدأ بالفعل بإقامة الحاميات العسكرية الروسية داخل الأراضي الأفغانية قبل ذلك بعام، خلف هذا التدخل تكمن خطة مدروسة ومتكاملة، ففي أغسطس من عام 1979م بدأت قيادة الحامية العسكرية الأفغانية في كابول تشعر بأن سلطات الرئيس الشيوعي نور محمد تراقي آخذة في التدهور مما يمهد لتحرير وشيك، وفعلًا، لم تمض بضعة أسابيع حتى تعرضت الحامية الأفغانية هذه إلى هجوم ساحق من قبل الروس أتى على كل من فيها.

والسؤال هنا: هل يمكن أن يكون الغرب على جهل بما حدث في كابول في ذلك التاريخ؟ فبعد قتل تراقي، ومجيء حفيظ الله أمين، تم تسليم حليفهم الأكبر بابراك السلطة في كابول، أدرك الروس بأنه لا يمكن لعملائهم الاستمرار في الحكم بدون دعم مباشر وقوي، فكان الغزو والاحتلال اللذان لم يكونا عبارة عن مجرد حادثة أو ردة فعل آنية، فقد كانا نتيجة طبيعية لعمل مدبر ومنظم.

الرابط المختصر :