العنوان أيها الإخوان.. استعينوا بالله واصبروا
الكاتب الاستاذ مصطفي مشهور
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 83
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 21-يونيو-1994
- الإمام
البنا أنشأ جماعة الإخوان المسلمين وحدد لها هدفين أساسيين هما:
1 - تحرر الوطن الإسلامي من كل
سلطان أجنبي.
2 - قيام دولة إسلامية حرة تعمل
بأحكام الإسلام وتطبق نظامه، وتعلن مبادئه وتبلغ دعوته للناس.
- المسلمون
في الماضي كانت لهم هيبة ومكانة؛ فقد أُوذِيَت امرأة في عهد المعتصم وقالت:
«وامعتصماه!» فأرسل لها جيشًا للدفاع عنها، أما المسلمون اليوم فيُشردون
ويسجنون ويعذبون ويقتلون وتنتهك أعراض نسائهم ولا يتحرك أحد للدفاع عنهم.
- إن
شباب الإخوان هم أخلص أبناء الوطن لوطنهم، ويعتبرون خدمتهم لوطنهم واجبًا دينيًا
يتقربون به إلى الله، ولا يبتغون مطامع شخصية أو مادية.
·
أيها
الإخوان.. اصبروا وصابروا واستشعروا شرف انتمائكم للإسلام وشرف عملكم لإعادة مجده
وكيانه وأستاذيته للبشرية.
الإسلام ليس دينًا فرديًا، ولكنه دين أمة
واحدة تجمعها قبلة واحدة، بل هي كالجسد الواحد؛ لذلك جاء الخطاب في القرآن بقوله
تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم
يقول: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط
(471)). وها نحن نرى المسلمين في كل مكان يضطهدون ويشردون ويسجنون ويعذبون، بل يقتلون
وتنتهك أعراض نسائهم ولا يتحرك أحد للدفاع عنهم، في حين أنه عندما أوذيت امرأة في
عهد المعتصم بالله وقالت: «وامعتصماه»، أرسل لها جيشًا يدافع عنها. والسر فيما
يحدث الآن هو عدم وجود دولة إسلامية وخلافة إسلامية تحمي المسلمين؛ فقد انفرط عقد
الأمة الإسلامية عند إسقاط الخلافة، وهذا ما دفع الإمام البنا إلى إنشاء جماعة
الإخوان المسلمين، وذكر أن لها هدفين أساسيين:
الأول: أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان
أجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.
الثاني: أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة
إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة
وتبلغ دعوته الحكيمة للناس، وما لم تقم هذه الدولة؛ فإن المسلمين جميعًا آثمون
مسؤولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها. ثم
نجده يقول: «أنتم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق
فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون
هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس». وقد توقع -رحمه الله- أن تتعرض الجماعة للمحن
والابتلاءات وتلصق بها أبشع التهم، وأن يظهروها في أبشع صورة معتمدين على قوتهم
وسلطانهم «وقد يطول بكم الامتحان، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك النصر والمثوبة».
وقال إنه على الرغم من هذه العقبات فهناك عوامل نجاح؛ فقوة دعوتنا وحاجة العالم
إليها وتأييد الله لنا هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة ولا يقف في
طريقها عائق.
حملة مفتعلة وتهم باطلة
تذكرت هذه الكلمات بعدما لاحظت هذه الحملة
المفتعلة ضد جماعة الإخوان -أمنيًا وإعلاميًا- وإلصاق التهم الباطلة بها، بعد أن
سبق وذكر بعض المسؤولين الجماعة بالخير وأنهم بعيدون عن العنف. وقد أوضحت من قبل
مواقف الجماعة منذ نشأتها، وما تعرضت له من محن وابتلاءات ومن اتهامات باطلة،
وبراءة الإخوان من كل ذلك، وفندت كثيرًا من الاتهامات الزائفة واتهامنا بالإرهاب
والتطرف وخلط الأوراق بين الإخوان والجماعات الأخرى، وأحسست بأن كل ذلك مدبر له
ومقصود، فأردت بهذا المقال أن أزيد الأمر وضوحًا، وأننا نمارس نشاطنا بالأسلوب
المعتدل وعن طريق مؤسسات الدولة، كما أردت أن أذكر الإخوان بطبيعة دعوتهم التي عشت
فيها ستًا وخمسين سنةً، منها عشرون عامًا في السجون.
وأؤكد لهم سلامة طريقهم وأن هذا الزيف من
الاتهام لا أساس له، مستندًا في ذلك إلى أقوال للإمام البنا. وأوضح أيضًا للرأي
العام أن الإخوان الذين تحملوا ما تحملوا في سبيل الإسلام وإعلاء كلمته لا يعقل أن
يخالفوا الإسلام في تعاليمه وأسلوبه مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته
رضوان الله عليهم. وقد كان رسول الله يوصي المسلمين في مكة -وهم يتعرضون للإيذاء
والتعذيب والقتل- بالصبر والثبات، ويبشرهم بأن الله سينصر دينه، وقد حدث فعلًا أن
تطهرت الجزيرة العربية من الشرك والأصنام، وأجلي اليهود وفتحت الفرس وغلبت الروم
وتبدد الظلام وعم النور، وعلينا أن نستبشر وأن نبعث الأمل في النفوس بأن المستقبل
لهذا الدين مهما طال الوقت وكثرت العقبات، فلنستعن بالله ولنصبر، وقد كانت هذه
وصية سيدنا موسى عليه السلام لقومه بعد أن أثار عليهم الملأ تهم الفساد في الأرض
ليحرضوا على إيذائهم، فقال موسى: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا
بِاللَّهِ وَاصْبِرُواۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128)، ثم تحقق لهم وعد الله
بالنصر: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ
الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأعراف: 137).
الصبر والثبات وعدم الاستدراج
أيها الإخوان، لقد قمتم بعملكم الإسلامي
استجابة لأمر ربكم وامتثالًا لعقيدتكم الإسلامية؛ اعترف الناس بكم أم لم يعترفوا،
إن مرضاة الله هي غايتكم سواء رضي الناس عنكم أو لم يرضوا، وسواء تعرضتم للإيذاء
أم لم تتعرضوا؛ فلستم بأكرم من رسول الله وصحابته الذين تعرضوا للإيذاء والتعذيب
والقتل، ولكنهم صبروا وثبتوا ونصرهم الله، فالنصر من عند الله العزيز الحكيم.
وثقوا أن هذه القوى المادية التي تحاول أن تفرض نفسها ستبوء بالفشل؛ لأن الأمر ليس
عددًا وعدةً ولكنه حق وباطل، ولا حق إلا ما جاء من عند الله، وهو هذا الدين الحق
المقبول عند الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19)،
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ
اللَّهَ قَتَلَهُمْۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾
(الأنفال: 17)، ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17)، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ
فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).
أيها الإخوان، اصبروا وصابروا واستشعروا شرف
انتمائكم للإسلام وشرف عملكم لإعادة مجده وكيانه وأستاذيته للبشرية، واحذروا أن
تستدرجوا نتيجة الاستفزاز إلى عمل يخالف تعاليم ربكم؛ فليس الشديد بالصُّرَعة ولكن
الشديد من يملك نفسه عند الغضب، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، والله
يحب لنا الخير ولو كان ظاهره شرًا: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ
خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).
لقد تعرضنا لإيذاء وتعذيب وسجن وقتل، ولكن
الله ثبتنا، ولا نُرجعُ الثبات لأنفسنا، ولكن الفضل لله من قبل ومن بعد. ومنا من
مكث في السجن عشرين عامًا تحت ضغوط مختلفة دون أن تلين له قناة، ومن هؤلاء فضيلة
المرشد الحالي الأستاذ محمد حامد أبو النصر، وها هو يواصل مسيرته في صبر وثبات معتزًا
بدعوته مستبشرًا بأن المستقبل للإسلام: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
وتذكروا وصية الإمام البنا لكم وهو يقول:
«آمنوا بالله واعتزوا بمعرفته والاعتماد عليه والاستناد إليه، فلا تخافوا غيره ولا
ترهبوا سواه، وأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه».
واعلموا -أيها الناس- أن شباب الإخوان هم أخلص
أبناء الوطن لوطنهم، ويعتبرون خدمتهم لوطنهم واجبًا دينيًا يتقربون به إلى الله،
ولا يبتغون مطامع شخصية أو مادية. فالإمام الشهيد يقول: «واعلموا أيها الإخوة أن
دعوتكم دعوة بريئة ونزيهة، وقد تجاوزت المطامع الشخصية واحتقرت المنافع المادية».
كما قال: «نحب أن يعلم قومنا -وكل المسلمين قومنا- أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه
حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا
لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الفناء». ثم يقول: «فنحن لكم لا
لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم يومًا من الأيام».
هذا ديننا وهذه سياستنا
ونجد الإمام البنا يرد على فرية فصل الدين عن
السياسة فيقول: «إذا قيل لكم إلام تدعون؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذي جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل
لكم: هذه سياسة، فقولوا: هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام».
ويقول في موضع آخر يرد فيه على من يدعون أننا
نتستر وراء الدين: «يا قومنا إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا
وعمل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم
الإسلام وأحكام الإسلام وهدى الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا،
وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًا فنحن أعرق الناس -والحمد لله- في
السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسةً فقولوا ما شئتم؛ فلن تضرنا الأسماء متى
وضحت المسميات وانكشفت الغايات».
أيها الإخوة استعينوا بالله واصبروا وثقوا في
ربكم ونصره وتأييده لكم ودفاعه عنكم، وثقوا في طريقكم وعقيدتكم، وثقوا في منهجكم،
واعلموا أن النصر مع الصبر وأن بعد العسر يسرًا، وتذكروا قول الإمام البنا: «إنما
تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة
قبل نضجها أو يقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه
الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح
الثمرة، ويحين قطافها فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما
النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة».
واعلموا أيها الإخوان أن الله لم يكلفنا نتائج
الأعمال، ولكن كلفنا صدق التوجه وحسن الاستعداد، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»
(أخرجه البزار كما في كشف الأستار للهيثمي (74) واللفظ له، والحاكم في معرفة علوم
الحديث (ص155)، والبيهقي (4931) باختلاف يسير).
واعلموا أيها الإخوان أن جماعتكم هذه كشجرة
غرسها الإمام الشهيد ورواها بدمه هو والشهداء قبله وبعده، فتعمقت جذورها واشتد
ساقها وامتدت فروعها واستعصى على الأعداء أن يقتلوها المرة تلو المرة وصارت تؤتي
أكلها كل حين بإذن ربها. واذكروا قول الإمام البنا: إن لم تكونوا بالدعوة فلن
تكونوا بغيرها، وهي إن لم تكن بكم فستكون بغيركم: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38).
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وليعلم كل من يعاون على ظلم غيره ولو بكلمة كصحفيٍّ
أو بإقرار قانون (كنواب مجلس الشعب) أو بإيذاء وتعذيب كجنديٍّ أنهم مسؤولون أمام
الله عن كل ذلك، وأن من عاونوهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا. وليعلموا أن الظلم
ظلمات يوم القيامة، وأن دعوة المظلومين ليس بينها وبين الله حجاب؛ فالمعتقلون ظلمًا
وأهلهم وأولادهم سيظلون يدعون على الظالمين وسيستجيب الله دعواتهم بإذن الله،
وسيندم كل هؤلاء المعاونين على الظلم، ولكن في وقت لا ينفع فيه الندم. ألا هل
بلغت؟ اللهم فاشهد. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: 42).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل