الثلاثاء 07-نوفمبر-1972
●
من أين نبدأ؟ وفي أي اتجاه نسير؟ إذا قدر لنا أن نبدأ.. وأن نسير!!
●
هل تكون بدايتنا مسيرتنا.. الله؟
●
هل نبدأ من أنفسنا.. من عبادة الفرد.. من شعور بالوجودية يطغى على كل قيم الوجود.. فضلًا عن نکران حق الموجد -سبحانه.
●
هل نبدأ من التراب.. التراب الوطني؟
●
هل نبدأ من
مجموعنا كأفراد ذوي خصائص محددة.. من الجنس.. من القومية؟
إن العرب -بالتأكيد- لم يفكروا في أي طريق من هذه الطرق.. إنهم لم يتح لهم التفكير في الطريق الذين ينهجون، لقد
وجدوا أمامهم منذ اختلط الاستعمار أدمغتهم ونفوسهم وقلوبهم.. طرائق مختلفة.. أحسوا بأنها وحدها الطرق المفتوحة.
وجدوا طريق
التراب الوطني -الإقليمية- فمشوا فيه ردحًا ولا يزالون سائرين..
إن الاستعمار
الذي دخل إلى أدمغتهم وقلوبهم كان قد مهد الطريق الإقليمي لهم..
فقبل رحيله
الشكلي عنهم في تخوم السنوات التي تفصل نصفي القرن العشرين المسيحي كان قد حولهم
إلى مجموعة أقاليم، وسلط على كل إقليم منها نظمًا وقيادات ارتبطت حياتيا بالظاهرة
الإقليمية!
ولقد وجد العرب
أمامهم الطريق القومي.. وجدوه مفتوحًا على مصراعيه، بل وجدوا الاستعمار يرسل
إليهم قيادات من عنده ليسيروا في هذا الطريق.. كـ«لورانس» مثلًا.. ولقد ساروا في الطريق المظلم.. ولا يزالون سائرين.
ساروا في هذا
الطريق وذاك.. ونجحوا بالتعاون مع عدوهم التاريخي والحضاري -الاستعمار الأوروبي- في القضاء على دولة الإسلام التي ظلت تخيف أوروبا خمسة
قرون، والتي حمتهم من إبادة حضارية كاملة..
وأنشأ لهم سدنة
الفكر الغربي نظرية قومية تتفرع عن النظرية اليهودية الأم.. وكان أبرز ملامح النظرية: إعلان الحرب على الإسلام كحضارة ودين.. والسكوت عنه مرحليًا كشعائر سلبية إلى أن تحين ظروف
مناسبة لزحزحته من موكب التاريخ كله..
وبين كل ذلك
كانت توجد مسارب وشوارع جانبية كثيرة تعيش فيها أنانية الإنسان.. وجوديته.. بحثه عن نفسه من خلف شعارات.. التراب الوطني والعقيدة الاستعمارية القومية..
وسار الإنسان
العربي في الطريق المتلوي يتنقل وفقا لظروف أعداء حضارته بين عربات الفردية
والوطنية والقومية.
●
وتحطم الإنسان العربي کفرد.. کإنسان حضاري.
●
وتحطم التراب الوطني.. وسلب الأعداء أكثره.
●
وتحطم العرب.. العرب القومية المتحالفون ضد الإسلام كراية حضارية.
إن الإنسان
والوطن والعرب.. هذا الثالوث المكون لمادة الحياة على هذه الأرض يتخبط الآن ويشك في كل ما
لديه ويبحث عن منطلق جديد!
إنه يتخبط بين
الثالوث الذي لا يزال يقبع فوق صدره، وكأنه بقايا عبادة أصنام لا يراد لها -بفعل
قوى شيطانية- أن تزول، وهو يتخبط بين ثالوثات أخرى تندرج تحت هذا الثالوث
وتنبثق عنه، ولأنه لا يريد البداية الصحيحة ولا المسيرة الصحيحة، أو لأنه لا يصدق- بفعل رواسب الثقافة والتربية- بأن البداية الصحيحة ليست إلا البداية التي حذروه منها، أو لأن أقوامًا كثيرين من أهل جهنم يقفون له على أبواب
الطرق المظلمة يغرونه بها، ويبعدونه عن الطريق الوضيء.
لهذا أو لذاك.. فهو سائر -ولا يزال سائرًا- في تخبطه.. تخبط بين ثالوثه الذي فرضوه عليه أو فرضوا عليه أن يبدأ
منه ويعيش في دائرته.. وتخبط بين أكوام أخرى تندرج تحت هذا الثالوث وتعود في
النهاية إليه!
لقد هزتني تلك
الكلمات الرائعة التي قالها بصوته القوي مولانا «محمد علي» الهندي سنة ۱۹۲۱ أمام هيئة محلفي محاكمة كراتشي التي
كانت تتكون من خمسة أعضاء بينهم هندوکیان والباقون مسيحيون.
كانت الجريمة
الموجهة إليه وإلى إخوانه أنهم اشتركوا في مؤتمر أصدروا فيه قرارًا مدعمًا بالقرآن
والسنة يدعو مسلمي الهند (وباكستان آنذاك- أي قبل التقسيم) إلى مقاطعة وظائف الحكومة البريطانية في الهند وبخاصة
تلك الوظائف التي تمت أو تنتمي إلى القوات المسلحة.
لقد كانت
بريطانيا -أكبر وكالة إجرامية في التاريخ الحديث- تجند مسلمي الهند لضرب الدولة العثمانية.. لقتال إخوانهم في العقيدة ورفاق دربهم الحضاري.. وخلافتهم التي
ينتمون إلى زعامتها روحيًا.
وثار المسلمون
الهنود.. واستجابوا لنداء مولانا محمد علي.. ومن الجدير بالذكر، أن المحكمة قد أطلقت سراح مولانا
محمد علي ورفاقه.. لقد غلبهم بمنطق الدين!
وغلبت مواد
ونصوص القرآن والسنة التي أبرزها مواد ونصوص القانون الإنجليزي وأوامر الملك!
وكان منطق محمد
علي -رحمه الله- يدور حول أيهما واجب على المسلم الانطلاق منه والسير فيه.. الله.. أم القانون الوضعي وأوامر الحاكم؟
هل يخضع المسلم
لأوامر دينه بألا يقتل أخاه المسلم إلا بحق الإسلام، وإن هو فعل فهو مخلد في جهنم
كالكافرين.. أم يخضع للقانون الوضعي.. أو لشعار قومي أو وطني، وبالتالي يبيح لنفسه قتل إخوانه
المسلمين باسم أي شعار ثوري أو تقدمي أو وطني أو قومي.
وانتصرت حجة
محمد علي.. وكان انتصاره ذاك صفحة مشرقة في تاريخ الإسلام الحديث، وكان هذا الانتصار
في الوقت نفسه.. صفحة عار كبرى في تاريخ العرب والقومية العربية اللادينية.. صفحة عار لطخت جباه الذين قادهم لورنس اليهودي
المخابراتي البريطاني باسم قوميتهم وأوطانهم وأنانيتهم.. قادهم ليضربوا إخوانهم المسلمين الأتراك.. ليغدروا بهم في أحلك ظروفهم كرجل مريض حماهم ما كانت بيده
قوة.. فلما أن وهن عظمه كانوا ككل الذئاب الصليبية من جملة ناهشيه!
وكان ربك
بالمرصاد، فأذاقهم بعدها أفدح المصائب وأحط الهزائم.. وشربوا سم قوميتهم العنصرية المعادية للإسلام، ولم يضع
دم الأتراك هدرًا، فلم تنجح لهم قومية.. وازدادوا فرقة وتخلفًا وحروبا داخلية!
يقول شهيد
الإسلام.. مولانا محمد علي- في مرافعته أمام المحكمة:
«إن أصل ديننا تحويه دفتا هذا المجلد الدقيق (القرآن الكريم) ليس هناك في المسلمين من يختلف حول صحة مقطع واحد فيه،
ولذا فإن هناك أساسًا صخريا لعقيدتنا لا أثر للخلاف بين وجهات النظر حياله».
«وفي الوقت الذي يدعي فيه المرء بأنه مسلم، عليه أن يلتزم
ويخضع لكل ما ينص عليه القرآن الكريم، فإني إن أعرضت عن آية واحدة منه فإني لا
أكون مسلمًا».
«إنه إذا أراد مسلم أن يعرف حكم الإسلام في السفر إلى «ميسوبوتاميا» للقتال ضد الخلافة هل ذلك حلال أم حرام؟ وهل يحل أو يحرم
قتاله لإخوانه المسلمين؟ فإن الحكم الشرعي أن ذلك غير جائز.. والذي يفتيه بجواز ذلك يكون كافرًا والذي يسكت ولا يفتيه
تلحقه لعنة الله.. فالجواب الوحيد.. هو لا.. لأن الرسول عليه السلام قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
إننا لم نفعل
سوى أن قلنا حكم الله وصرخنا به «إن الجنود الذين يتحللون من ولائهم لله لا يمكن أن يعتمد
على ولائهم لأي غاية أخرى».
«إن الواجب الأول على المرء ولاؤه لربه».
«ليست الدنيا مقسومة شطرين بين الله وقيصر.. كلا.. فإن الله تعالى هو الحاكم الوحيد.. إن الحاكم أو أي مخلوق، إذا طالبك بأمر فلابد أن يكون
طلبه لله، أما إذا كان في تلبية ذلك الطلب ما لا يرضي الله فلا سمع ولا طاعة».
«ليس للمسلم أن يقول: لا شأن لي بأخي، فإنه لن ينجو حق النجاة إلا إذا حض أخاه
على فعل الخير ونهاه عن الشر، فإذا أكره مسلم على أن يخوض حربًا ضد مجاهدي
المسلمين، فليس عليه أن يأبى مخلصًا وحسب، بل لابد أن يجتهد في إقناع إخوانه حتى
يأبوا إباءه.. هذه هي عقيدتنا.. عقيدة كل مسلم».
إن ما ذكره
مولانا محمد علي هو الصورة الصادقة للانطلاقة الصحيحة للمسلم.. الانطلاقة من (الله).
أما المتمسحون
في الإسلام، وهو منهم براء، فهم ينطلقون من كل المنطلقات إلا الإسلام وهم يقتلون
بعضهم باسم الإسلام، ويقتلون علماء دينهم باسم الإسلام.. ويضربون الإسلام باسم الإسلام.. ويعرضون عن أكثر من ثلثي القرآن باسم الإسلام.. وعندما ينهزمون يصرخ بعض عملائهم بأن هزيمتنا مردها إلى
الأفكار الغيبية.. (أي إلى الإسلام)!
لكن ذلك لن
يفيد.. والطرق التي تتعارض مع الانطلاقة الوحيدة الصحيحة لن تؤدي إلا إلى مزيد من
الهزائم والتخلف والفرقة وقتل بعضنا بعضا، أي رجوعنا كفارًا كما يقول الرسول عليه
السلام.
وسيبقى «الله» انطلاقتنا المرجوة الوحيدة انطلاقة الأمل والنصر والوحدة..
وحدة خمس سكان
العالم من الممزقين والمضطهدين الذين لم يبق لهم -ولن يبقى لهم- إلا الله.. لا الحاكم!
*****
إنما الآمال
تنعقد في الشباب المسلم.. عنصر القوة والعزيمة والاندفاع فلهم أقدم قصيدي هذا.. علي أستطيع أن أظهر ما في نفسي..
صرخة الشباب
يا شباب الإسلام خير الشباب هلّ
يوم الجهاد عبر المصاب
عظم الخطب في البلاد وصرنا لعبة
في يد العدو المهاب
ذبح الأهل كالخراف وباتت ديرة
الأهل في نعيق الغراب
شرد الأهل في البراري فضاعوا تحت
سمع الأذان والألباب
دمرت من حقد الأفاعي ديار وبيوت
الله ما نجت من خراب
أین ذخر الإسلام؟ أین شباب الحق؟ وأين
الأسود وقت العذاب؟
أین مجد التاريخ أین رجال الله وأين
الرايات فوق السحاب
أین تلك الآمال؟ أین عبير الشوق لله
يوم ضرب الرقاب؟
أین زاغت تلك القلوب التي فاضت بطهر
الهدى ونار الشهاب؟
أین صوت القرآن أین بكاء العبد وأين
الإخلاص يا أحبابي؟
يا شباب الإسلام يا أحبابي آن
بيع النفوس من كل باب
يا شباب الإسلام من تقفون اليوم في
الدمع.. كالأغراب
يا هدير النهر العظيم إذا ما هاج في
النفس من لهيب المصاب
يا رعود السماء أن أبرق البرق وبان
«الأقصى» بكل القباب
يا جبال الموج إن جاءت الريح على
صفوة البحار العذاب
يا جمال الأخلاق إن بسم الحق ونامت
جفون ذاك السراب
نحن والله قوة لا تدانى نحن
نور الحياة والأحقاب
لو صرخنا صرخة الحق يومًا ودفعنا
صدورنا للحُراب
ومشينا إلى الجنان بشوق للقاء
الرسول والأصحاب
وجمعنا قلوبنا في طريق عنده
النصر أو لذيذ الشراب
ضرار