; أيها الغرب.. ماذا فعلت بتركيا ؟ | مجلة المجتمع

العنوان أيها الغرب.. ماذا فعلت بتركيا ؟

الكاتب إحسان السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980

مشاهدات 70

نشر في العدد 473

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 11-مارس-1980

تكاد لا تعثر على فنجان قهوة في تركيا.

• نصف سكان إسطنبول يعيشون في أحياء قصديرية.

• وزير مالية العدو يسخر من اقتصاد تركيا.

• أربعة أمور ترشح حزب السلامة لقيادة تركيا.

• صحيفة التايم تستغرب أن يحدث هذا لتركيا والغرب يزعم دعمها.

• مليارا ليرة لشراء أسلحة القتل.

أجل ماذا فعلت بتركيا أيها الغرب؟ كانت آمنة مطمئنة، فزينت لها مدينتك، وأدخلت في روعها أنها إن اتبعتك كفلت لها حياة رغدة: تغدق عليها من مالك، وتجعلها واحدة من دول الغرب الكبرى، لها اقتصادها القوي، وصناعتها المتقدمة.

وما إن سلّمت لك قيادها، أو سلّمه لك بعض من قفز إلى السلطة، قلت لها: «عليك أن تفعلي مثل ما فعلنا نحن في الغرب: تتركين الدين جانبًا، فهو الذي كان يعيق تقدمنا، ويحول دون ازدهارنا وقوتنا» ووافقك من أتيت بهم ليوافقوك، أبعدوا الدين، نبذوا شرع الله، وأتوا مكانه بنظمك الوضعية، وبمفاسد مدينتك المدمرة، ولكنك لم تعطهم صناعتك، ولم تسمح لهم ببناء اقتصادي قوي، وتركت تركيا المسلمة على هذه الحال، حتى مضت ستون عامًا آلت بعدها تركيا إلى ما رسمت لها: وقعت في الشرك الذي نصبته لها، مفككة اجتماعيًّا، منهارة اقتصاديًّا، ممزقة سياسيًّا، وإذا بقيت تركيا على هذه الحال فلا شك أنها ستسقط، ولكن الفئة المؤمنة المخلصة تأتي في اللحظة الأخيرة لينقذ الله على يديها دولة العثمانيين الذين فتحوا أوروبا ذات يوم.

هذه هي قصة تركيا المسلمة منذ أن نجح اليهود والغرب في إقصائها عن دينها فهل تسمحون لنا الآن برسم صورة لتركيا اليوم بعد ستين عامًا من العلمانية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ اقرؤوا معنا.

الأوضاع الاقتصادية

قالت صحيفة الغارديان «الاقتصاد التركي يعيش حالة من الفوضى فالشعب التركي يشعر في هذا الفصل بالبرد الشديد بسبب قطع التيار الكهربائي لفترة طويلة كما أن الضروريات الأساسية غير متوفرة بدرجة كافية «تكاد لا تعثر على فنجان قهوة في أنقرة» وفي الوقت نفسه انخفضت قيمة الليرة التركية إلى أدنى مستوى لها في الأسواق العالمية.

تقول صحيفة فرانس سوار «أحد علماء الاجتماع في تركيا يرى أن الإرهاب هنا اقتصادي أكثر مما هو قومي وليست الشعارات المذهبية إلا غطاء للمطالب الاقتصادية فالعمال والمزارعون يتظاهرون لأن ظروفهم المعيشية صعبة جدًّا أما الطلاب فماذا يأملون من بلد يخنقه الركود الاقتصادي؟

«إن تركيا تشهد موجة كبرة من النازحين نحو المدن مما يضخم الأحياء القصديريه ويزيد عدد العاطلين عن العمل».

«تعد إسطنبول حاليًّا ما يقرب خمسة ملايين شخص منهم مليونان يعيشون في عمارات وفلل ويعيش نصف مليون في الأحياء القصديريه بينما نجد نصف سكان إسطنبول في الأحياء القصديريه التي يعتبر المقيمون فيها ثروة هائلة لدعاة الإرهاب والعنف».

وقد وصل الاقتصاد التركي في انهياره إلى حد صار فيه هدفًا للسخرية المريرة حتى أن وزير مالية العدو الإسرائيلي إيغال هووروفيتس كرر تصريحات قال فيها: إن على الحكومة «الإسرائيلية» أن تؤيد سياسته التقشفية الاقتصادية لأنه لا يريد أن يرى «الاقتصاد الإسرائيلي وقد وصل إلى مستوى تهور الاقتصاد التركي نفسه» وقد دفعت هذه التصريحات الساخرة المفوض التركي في تل أبيب إلى توجيه مذكرة احتجاج للحكومة الإسرائيلية يطالب فيها بوقف حملات إهانة تركيا ولو كان ذلك على سبيل المقارنة، ووصف هذه المقارنة بأنها «مهينة».

الأوضاع السياسية والاجتماعية

• لا أحد اليوم في تركيا يجد نفسه في مأمن من هذا العنف الذي يؤدي إلى وقوع أربع ضحايا يوميًّا مع العلم بأن هذا المعدل يرتفع يومًا بعد يوم فقد كانت حصيلة سنة 1977 «25 قتيلًا» وسنة 1978 «1170 قتيلًا» والنصف الأول من 1979 «603 قتيل».

وقد عم العنف والإرهاب جميع المدن التركية الكبيرة والصغيرة وإن كان بعضها قد ضرب أرقامًا قياسية «122 قتيلًا» في مدينة إسطنبول خلال الستة أشهر الأولى من سنة 1979، وقد أدى ذلك إلى جعل الإرهاب طابعًا أساسيًّا للحياة السياسية وقد اقتنع المراقبون أن وراء ذلك تنظيمًا وتخطيطًا في غاية الدقة.

إن ضخامة الأساليب المستعملة تنفي بالفعل أن تكون هذه الأعمال من فعل الهواة فبالنسبة لشراء الأسلحة فقد تعدى المبلغ الذي تم صرفه لشراء الأسلحة المليارين من الليرات التركية ويبلغ سعر رشاش الكلاشينكوف «60,000» ليرة تركية وسعر المسدس العادي 30,000 ليرة تركية ويتم انتقاء مرتكبي الاغتيالات بعدة طرق أهمها اختيار الشباب الريفيين في محطات القطار ممن يصلون مباشرة من الأناضول حاملين حقيبة من الكرتون ويعرضون عليهم المساعدة والسكن والنقود والحوالات المصرفية للأهل!! وبعد فترة شهرين من التدريب النفسي والعملي يصبح الشاب بعدها معدًا للاشتراك في العملية الأولى بالنسبة إليه وتدل هذه العمليات التي تتم بدقة وحنكة على أن وراءها مراكز لا أفرادًا.

ويعترف سليمان ديميريل رئيس الوزراء التركي الحالي وزعيم حزب العدالة أن أتباعه مشاركون في هذه العمليات وليس اليساريون وحدهم وإن كان يبرر هذا بأنه رد فعل. يقول: «إن الخطأ يقع على عملاء موسكو وإذا كان هناك إرهاب يرتكبه الجناح اليميني فذلك عائد لردة الفعل الدفاعية».

ويؤكد هذا الأمر ما جاء في أطروحة لأحد الجامعيين الأتراك ذكر فيها «لقد سمحت السلطة للإرهابيين الذين ينتمون لليمين أن يتدربوا في معسكرات شبه عسكرية حتى أنها اعتبرتهم متطوعين لمساعدة القوى النظامية وقد أدى ذلك إلى إحلال الفوضى الدموية التي عرفتها تركيا خلال السبعينات».

وقد أدت هذه الفوضى إلى تعدد المنظمات في البلاد ومن ثم إلى زيادة القتل والدم. تقول إدارة الأمن في أنقرة بأن هناك أكثر من خمسين منظمة غير شرعية تمارس نشاطًا إرهابيًّا في تركيا وأشهر هذه المنظمات جيش تحرير العمال والفلاحين، ألوية الثأر، الاتحاد التركي، جيش تحرير العبيد الأتراك، كما توجد عشر منظمات أرمنية فجرت إحداها مؤخرًا قنبلة في مطار إسطنبول هذا بالإضافة إلى عشر منظمات تعمل على تكوين دولة كردية.

وقد زاد في سوء هذه الأوضاع وترديها أن حزب العدالة والشعب يعمل كل منهما لصالح حزبه أكثر مما يعمل لصالح تركيا فحكومة ديميريل تتعرض حاليًّا لهجوم عنيف من خصومها بسبب أنها تحشد الأنصار والمحاسب في وزارات الدولة ووكالاتها ويشار بصورة خاصة إلى تعيين محافظين جدد لمعظم ولايات تركيا السبع والستين إلا أن هؤلاء الخصوم أنفسهم قد فعلوا مثل هذا حين كانوا في الحكم فأول شيء فعله أجاويد عندما تولى السلطة في عام 1978 هو أن عيّن 63 محافظًا جديدًا من المتعاطفين معه، وهؤلاء يجري إبعادهم حاليًّا من قبل ديميريل.

هذا كله يحدث لتركيا بسبب الغرب بل فعله الغرب نفسه بها، وهو واقف الآن يتفرج دون أن يمد يد المساعدة. لقد عجبت صحيفة التايم؛ كيف يحدث هذا على الرغم من الصلة الوثيقة لتركيا بالغرب، لكننا لا نعجب لأننا المسلمين نعرف أن هذا هو ما أراد الغرب فعله من جر تركيا إليه: أراد أن ينتقم من تلك التي فتحت أوروبا...

تقول صحيفة التايم «والغريب أن هذا كله يحدث في دولة هي عضو في حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، والمجلس الأوروبي، والأكثر من ذلك أنها مرشحة لعضوية المجموعة الأوروبية وتفتخر بثقافتها الغربية»!!

المنقذ المنتظر

وتبقى الآمال بإنقاذ تركيا مما هي فيه معقودة على حزب السلامة الوطني «الإسلامي» وذلك لأسباب كثيرة نركز عليها في النقاط التالية:

• هو الحزب الوحيد الذي لم يشارك في عمليات الاغتيال والقتل وما زال يصر على الوقوف بعيدًا عن الصراع الدموي الرهيب الذي تحركه أصابع خارجية وقد بدأ الأتراك يدركون هذا فيتعاطفون مع حزب السلامة الوطني ويميلون إليه.

• دعوة حزب السلامة الوطني بإعادة تركيا إلى الإسلام تلغي تلك الصراعات القومية الجاهلية وتحل محلها أخوة الإسلام ولا بأس من التذكير أن المسلمين في تركيا 99% حتى الأرمن الذين يقومون بعمليات اغتيال للديبلوماسيين الأتراك في العالم وبعمليات تفجير في داخل تركيا سيتوفر لهم الأمن في ظل الإسلام ولا تبقى لديهم مبررات قديمة واهية للقيام بما يقومون به.

• دعوة حزب السلامة للتقارب مع العالم الإسلامي يكفل لتركيا دعمًا اقتصاديًّا وماليًّا قويًّا يساعدها على الخروج من محنتها الاقتصادية ويفتح الأسواق العربية أمام بعض منتجاتها الزراعية أو الصناعية إضافة إلى حاجة تركيا الماسة إلى النفط ثروة العالم الإسلامي اليوم ولقد خرج أجاويد زعيم حزب الشعب عن صمته ذات يوم فقال: إن الغرب يمنعنا من الاتصال بالعالم الإسلامي الذي تربطنا به صلات قديمة في الوقت الذي يسعى هو فيه للاتصال به وإقامة علاقات وثيقة معه.

• الخطة الشاملة التي طرحها حزب السلامة لبناء مصانع ضخمة تساعد تركيا، لو أعين الحزب لتحقيقها، على الاستغناء عن مصنوعات الغرب وتوفر لتركيا العملة الصعبة التي هي أحوج ما تكون إليها اليوم من أي وقت مضى.

وإني أخيرًا آمل أن يحقق حزب السلامة الوطني في الانتخابات نجاحات أكبر وانتصارات أعظم وهذا ما تؤكده الأحداث- إن شاء الله.

الرابط المختصر :