; أيها الدعاة: نسمات الأمل ورياح النصر في انتظاركم | مجلة المجتمع

العنوان أيها الدعاة: نسمات الأمل ورياح النصر في انتظاركم

الكاتب محمد يوسف الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 4

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 27-أبريل-1999



الدعوة إلى الله تعالى صمام أمان للثبات على الطريق. وإنما كان الداعية إلى الله ثابتًا لأنه يدعو إلى دين متقن، عادل وسط يعلم من مزاياه العظيمة ما لا يعلمه كثير غيره، ويريد أن يحمل الناس عليه ويدلهم على سعادتهم الدنيوية والأخروية.

يا رجال الدعوة اغرسوا الثقة في نفوسكم وازرعوا الأمل بالنصر في قلوبكم، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنوا وَلا تَحزَنوا وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ إِن يَمسَسكُم قَرحٌ فَقَد مَسَّ القَومَ قَرحٌ مِثلُهُ وَتِلكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَينَ النّاسِ وَلِيَعلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمينَ (آل عمران : ١٣٩-١٤٠).

قال سيد قطب رحمه الله: لا تهنوا من الهون والضعف ولا تحزنوا لما أصابكم ولما فاتكم وأنتم الأعلون، عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه، ومنهجكم أعلى فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله، وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله، ودوركم أعلى، فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها، الهداة لهذه البشرية كلها، وهم شاردون عن النهج ضالون عن الطريق، ومكانكم في الأرض أعلى، فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها، وهم إلى الفناء والنسيان صائرون، فإن كنتم مؤمنين حقًا فأنتم الأعلون، وإن كنتم مؤمنين حقًا فلا تهنوا ولا تحزنوا، فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا، على أن تكون لكم العقبي بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص. «الظلال: ٤٨٠».

طبيعة الأيام

إن طبيعة الأيام- أيها الداعي- دول، يوم لك ويوم عليك، ولا غرابة فيما يتعرض إليه الدعاة من المحن العظيمة، والفتن المتتابعة التي تنصب شباكها قوى الباطل بشتى أشكالها وألوانها حتى يقع الظن بأن الله مهلك الجماعة المسلمة وأن الإسلام أصبح غريبًا في دياره، وإذا بنسمات الأمل ورياح النصر تهب عليهم قال تعالى: ﴿حَتّى إِذَا استَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنّوا أَنَّهُم قَد كُذِبوا جاءَهُم نَصرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأسُنا عَنِ القَومِ المُجرِمينَ (يوسف: ١١٠).

يقول سيد قطب رحمه الله: إنها صورة رهيبة ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود، وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل، وتكر الأعوام والسنون والباطل في قوته، وكثرة أهله، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة، إنها ساعات حرجة، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض، فتهجس في خواطرهم الهواجس... تراهم كُذبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟

وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر.... وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى قال تعالى:

﴿أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأتِكُم مَثَلُ الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم مَسَّتهُمُ البَأساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلزِلوا حَتّى يَقولَ الرَّسولُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ مَتى نَصرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصرَ اللَّهِ قَريبٌ (البقرة: ٢١٤) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا شعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات، وما يحس به من ألم لا يطاق، ومن عذاب نفس لا يعلمه إلا الله، في هذه اللحظات التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة... وفي هذه اللحظة يجيء النصر كاملًا حاسمًا فاصلًا ﴿جاءَهُم نَصرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأسُنا عَنِ القَومِ المُجرِمينَ (يوسف: ١١٠).

تلك سنة الله في الدعوات، ولا بد من الشدائد، ولا بد من الكروب حتى لا تبقى بقية من جهد، ولا بقية من طاقة، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس، يجيء النصر من عند الله فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون، ويحل بأس الله بالمجرمين مدمرًا ماحقًا لا يقفون له، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير.

ذلك كي لا يكون النصر رخيصًا فتكون الدعوات هزلًا، فلو كان النصر رخيصًا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئًا، أو تكلفه القليل، ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثًا، ولا لعبًا فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج. وينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء، والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة، لذلك يشفقون أن يدّعوها، فإذا ادّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون، الذين لا يتخلون عن دعوة الله، ولو ظنوا أن النصر لا يجيتهم في هذه الحياة «الظلال: ٢٠٣٥»

نعم هذا هو حال الداعية اليوم: كم يلاقي من المحن؟ وكم يلاقي من الصد والرد؟ يريد أن ينشر هذه الدعوة بين الناس جميعًا، يريد أن يحقق الانتصارات تلو الانتصارات على الباطل، يفكر ويخطط لدحر الأعداء، وإنزال الهزيمة بهم، يلاقي التائهين في الشوارع الهائمين على وجوههم، فلا يكتب على يديه هدايتهم، شعاره قوله تعالي: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُداهُم وَلكِنَّ اللَّهَ يَهدي مَن يَشاءُ وَما تُنفِقوا مِن خَيرٍ فَلِأَنفُسِكُم وَما تُنفِقونَ إِلَّا ابتِغاءَ وَجهِ اللَّهِ وَما تُنفِقوا مِن خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ (البقرة : ۲۷۲)، كم من مرات وضع الداعية خده على الوسادة وتساقطت منها الدموع الحارة عندما يفشل في كسب أحد المدعوين، وكم يرد خائبًا وهو حسير عندما يحاول جمع المال من أجل أن يسجل الإنجازات الكبيرة لدعوة السماء، وكم من مرات ومرات عديدة يحاول أن يسجل إنجازًا واحدًا، ولكن محاولاته باءت بالفشل وذهبت أدراج الرياح، ونسمات الهواء؟ كم يتقطع القلب حسرة وندمًا على سقوط أحد إخوانه في طريق الغواية والضلال، فيحاول مرات أن ينتشله من أوحال المعاصي ومستنقعات الفساد، فلا يستطيع أن يحقق شيئًا، حتى يظن أن الدنيا قد قاربت على الزوال والفناء والبوار، وأن الباطل استحكم وانتفش، وشدد قبضته على مقاليد الحياة، وأن علامات الساعة الصغرى قد ظهرت ولم يبق إلا علامات الساعة الكبرى، وفي هذه اللحظات من اليأس والقنوط وقصر الأمل يأتي النصر من عند الله.

أيها الدعاة:

«إياكم وأن يتسرب اليأس وانقطاع الأمل إلى نفوسكم، إنكم تبتغون وجه الله، وتحصيل مثوبته ورضوانه، وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال، ولكن كلفكم صدق التوجه، وحسن الاستعداد وبذل الطاقة والوسع. ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين» (رسائل البنا: ١٢٧).

واعلموا أن الله معكم، ولن ينقصكم أعمالكم والنصر حليفكم، والله عزيز حكيم.



الرابط المختصر :